العدد الثالث - سبتمبر 2026
افتتاحية العدد الثالث
سبتمبر 2026
كيف تُرتب الحرب أولويات الاقتصاد، وتُعيد توزيع كلفته؟
عند اندلاع الحروب، ينشغل الرأي العام بأعداد القتلى، ومساحات السيطرة، وطاولات التفاوض. بينما يتحرك في الهامش سؤال آخر: كيف تستمر الحياة أصلًا؟ وهو سؤال اقتصادي وسياسي بقدر ما هو سؤال يومي. فالحرب تدمر الاقتصاد، وتعيد تنظيمه في آن، حيث تعيد توزيع الموارد، وتخلق الأسواق الجديدة، وتمنح فاعلين جدد سلطة على المأكل والدواء والعمل والحركة، بينما تدفع بآخرين نحو حواف النجاة. وفي خضم هذه التحولات، نجد أن الوظائف الاقتصادية التي كانت تؤديها الدولة أو المؤسسات بدأ يُعاد توزيعها على مستويات أخرى من المجتمع.
فالمؤسسات التي تتوقف عن العمل، تنتقل مسؤولياتها إلى الأسرة. وتعثر الأسواق، يعيد ابتكار تدابير التحايل على الندرة. وتراجع الإنفاق العام، يوسع مساحات العمل غير المأجور. وبهذا تنتقل كلفة الحرب من الدولة ومؤسساتها وموازناتها العامة إلى البيوت، والأجساد، والوقت والجهد والعمل اليومي الذي يبذله الناس. وفي مقدمة من يتحملن هذا العبء النساء، حيث يعتمد الاقتصاد الذي يتشكل تحت شروط الحرب، إلى حد كبير، على عملهن غير المرئي.
ومن هنا ينطلق هذا العدد، من مساءلة مفهوم “اقتصاد النجاة” أولًا. هل النجاة فضيلة وخطابات تحتفي بقدرة الناس على احتمال ما لا ينبغي احتماله؟ هل نشهد تحول القدرة على إطعام الأسرة، أو رعاية المرضى، أو تدبير الحياة وسط الانهيار إلى قصص عن القوة والصمود؟ في حين يغيب السؤال الأهم: ما الشروط التي تجعل النجاة عمًلا يوميًا مرهقًا؟ ومن يتحمل كلفته؟
هذا هو السؤال الذي تقودنا إليه مواد العدد، سؤال عن اقتصاد تشكله الحرب، عن عمل الناس وتدابير اليومي، وعن أشكال الرعاية والتضامن التي تستمر خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية، رغم تحملها القسط الأكبر من عبء استمرار الحياة.
يُقدم هذا العدد الجهد الاستقصائي لفريق مطمورة في استكشاف تأثير العسكرة على النساء العاملات في الأسواق في كل من الخرطوم ودارفور، وتتبع دومنيكا آمت للكيفية التي ابتكرت بها نساء جنوب السودان، عبر الأسواق الصغيرة والمقايضة والادخار الجماعي، اقتصادهن الخاص في ظل عقود من الصراع، ويتتبع العدد أيضًا الاقتصادات التي تولد على أطراف الحرب وحدودها، حيث تكتب عبلة صالح بوش عن النساء اللاتي أصبحن عماد التجارة الحدودية بين السودان وتشاد بعد تعطل مسارات التجارة التقليدية.
في محاولة للتفكير في تمظهرات حالة اللاعدالة الاقتصادية، تطرح ثريا صالح أسئلة نقدية حول التمويل نفسه، من خلال مُساءلة الخطابات التي تقدم الائتمان والتمويل الأصغر بوصفهما طريقًا نحو التمكين، والدعوة إلى الالتفات لأشكال التمويل والتكافل المجتمعي التي طورتها النساء والمجتمعات المحلية عبر عقود من مواجهة الأزمات، مثل الصناديق و”الختة” وأشكال الدعم المتبادل، كما تدعونا آمنة محمد للنظر لما هو أبعد من الاحتفاء بدخول النساء لسوق العمل، وفحص شروط هذا السوق ومدى إنصافه ودفعه بحقوق عادلة ولصالح النساء. كما يقدم لنا جوليوس الجيلي تحليلًا للتحولات التي مرت بها النساء المزارعات في جنوب كردفان إثر الحروب المتلاحقة وإثر سياسات الدولة التي وسعت الزراعة الآلية لصالح المستثمرين ودفعت بصغار المزارعات/ين إلى فقرٍ ومسغبة.
ننتقل بعدها لنقد سياسات وتوجهات منظومة العون الإنساني. حيث يُقدم مقال عبد الله قريضة فحصًا لخطط الاستجابة الإنسانية الخاصة بالنوع الاجتماعي للعام 2025 مُشيرًا لعجزها عن تقديم ما وعدت به، بينما ينقل محمد ود السك مشاعر الناس في معسكرات اللجوء نحو المعونة وما تحمله معها من مشروطية تُعمق إحساس اللاجئات/ين بالعجز.
وفي عكس تجارب اللجوء والهجرة والاقتصادات المرتبطة بهما، تكتب هايدي جبران عن بائعات الشاي السودانيات اللواتي يحملن معهن مهاراتهن وشبكاتهن الاجتماعية إلى المنفى ويعدن بناء سبل العيش من أبسط الموارد. وفي مقالته المصورة يوثق وضاح عمر كيف دفعت أزمة المساعدات لاجئات سودانيات في يوغندا إلى الزراعة بوصفها وسيلة لتأمين الغذاء والدخل داخل المعسكرات.
كما نتوقف لنفكر مع ترتيل عثمان في الكيفية التي يمكن أن تنفصل بها بعض الخطابات النسوية عن أسئلة الفقر والعسكرة وتوزيع الموارد، رغم اتساع حضورها في المجال العام، ونقترب مع العنقاء من التجربة الشخصية للحرب في جنوب كردفان، حيث تتداخل ذاكرة النزوح والفقد مع أسئلة الجسد والرعاية والبقاء.
ويُختتم العدد بمقالي الأصمعي باشري حول الصحافة وأوضاع الصحفيات وبالتحديد تغيبهن عن الأدوار القيادية في المؤسسات الصحفية، وربيكا قليد عن التعليم بوصفه أحد ميادين الصراع وإعادة إنتاج اللامساواة، مع التركيز على الأعباء التي تحملتها النساء والفتيات والمعلمات في ظل انهيار النظام التعليمي خلال الحرب.
توثق هذه المواد آثار الحرب وتكشف عن الأعمال والمهارات وشبكات التضامن التي تُبقي المجتمعات قائمة عندما تتراجع الدولة وأسواقها ومؤسساتها، وأن ما نسميه «نجاة» هو اقتصاد كامل عماده عمل غير مرئي يقوم به الناس، وفي مقدمتهم النساء.
