مِحنة التعليم في السودان
ربيكا قليد
ترجمة: سارة حيدر أحمد صديق
أفضت الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023، إلى تحويل الحقِّ في التعليم إلى أداةٍ من أدوات الصراع؛ فلم يعد الوصول إليه حقَّا مكفولًا، بل تحوَّل إلى وسيلةٍ للهيمنة والإقصاء، الأمر الذي حرم الجيل القادم من القوة المعرفية والفاعلية السياسية التي يُتيحها التعليم. وكانت النساء والفتيات الأكثر تأثرًا بهذه التحولات؛ إذ كانت المدارس، بوصفها فضاءاتٍ لتعليم الفتيات وبيئاتٍ لعمل النساء، تُعاني بالأصل من أزماتٍ مؤسسية وأوجهٍ من عدم المساواة، ترجع جذورها إلى الإصلاحات التعليمية التي فرضها نظام الإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي.
وتقاطعت هذه التحديات التاريخية مع الانهيار الشامل الذي أصابَ قطاع التعليم عقب اندلاع الحرب، وازدادت الفجوة في فرص الحصول على التعليم، وتدهورت أوضاع المعلمات وظروف عملهن وآفاقهن المهنية على نحو غير مسبوق. ورغم أن إنقاذ التعليم مسؤوليةٌ مجتمعيةٌ تقع على عاتق الجميع، فإن تجاوز هذه الأزمة المصيرية التي تعصف بالنظام التعليمي، يظل مرهونًا بالدور المحوري للنساء؛ فهن الأمهات اللاتي يتحملن العبء الأكبر في رعاية الأطفال وضمان استمرار تعليمهم/ن، وهن المعلمات اللواتي يقفن في الصفوف الأولى للعملية التعليمية، يضطلعن بمسؤولية التربية والرعاية، ويؤدين أدوارًا لا غنى عنها في الحفاظ على استمرارية التعليم.
الالتحاق بالمدارس: جذور اللامساواة وتفاوت الفرص في تعليم الفتيات
ارتبطت نشأة التعليم النظامي في السودان بتأسيس مؤسسات خُصِّصت لتعليم الذكور، بينما ظل تعليم الفتيات خارج الرؤية التي قام عليها النظام التعليمي آنذاك. وصاغت الإدارة الاستعمارية سياسةً تعليمية انطلقت من اعتبارات وظيفية مُحدَّدة، إذ اكتفت بتوفير حدٍ أدنى من التعليم يكفل استمرار النشاط الاقتصادي، في حين خصّت نخبةً محدودة من الذكور بتعليمٍ أكثر تقدمًا لإعدادهم للعمل في الجهاز الإداري الاستعماري. وفي المقابل، كانت النخب القبطية والبريطانية تُرسل بناتها إلى مدارس الإرساليات التبشيرية، بينما رأت الإدارة الاستعمارية، في سنواتها الأولى، أن تعليم الفتيات لا ينبغي أن يكون من مسؤوليات الدولة؛ ولم تبدأ في إنشاء مدارس حكومية للفتيات إلا بعد أن نشرت إحدى الصحف المصرية مزاعم تفيد بأن مدارس الإرساليات كانت تعمل على نشر المسيحية بين الفتيات في السودان.
وحتى بعد موافقة الإدارة الاستعمارية على دعم تعليم الفتيات، ظلَّ عددُ المدارس المُخصَّصة لهن محدودًا؛ ففي عام 1919، لم يكن في شمال السودان سوى خمس مدارس ابتدائية للبنات. وحتى بعد التوسع الذي شهده النظام التعليمي في أواخر الحقبة الاستعمارية ظلت فرص الفتيات في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية أقل بكثير من فرص الفتيان. وعشية الاستقلال عام 1955، كان السودان يضم سبع مدارس وسطى، ومدرسة ثانوية واحدة، وثلاثة معاهد لإعداد معلمات المدارس الأولية، خُصِّصت للفتيات والنساء، وكانت جميعها، باستثناء واحدة منها، تقع في شمال السودان 1. كما كان عدد الفتيان الذين أتيحت لهم فرصة الالتحاق بالتعليم في المرحلة الوسطى يزيد بثلاثة أضعاف على عدد الفتيات 2.
وفي السنوات الأولى للاستقلال، اتسعت فرص التعليم أمام النساء والفتيات، غير أن هذا التوسع ظل يسير بوتيرة أبطأ، متأثرًا بالإرث الذي خلّفته الأولويات التعليمية الاستعمارية. وأسهمت الجهود المجتمعية إسهامًا محوريًا في تطوير تعليم الفتيات والنساء، داخل الفصول الدراسية وخارجها. فقد بدأت مدرسة بابكر بدري للبنات بدعم حكومي محدود، لكنها سرعان ما اكتسبت زخمًا بفضل المبادرات المجتمعية التي رسخت مكانتها ووسعت نطاق تأثيرها. وإلى جانب المؤسسات التعليمية، انتشر تعليم الفتيات والنساء أيضًا من خلال الأندية المجتمعية والأنشطة التي اضطلعت بها مختلف مكونات الحركة النسائية السودانية. وقد تجلّى ذلك في الصفحات النسائية بالصحف، والمجلات النسائية، والفعاليات الاجتماعية التي نظمتها الحركة النسائية، والتي أسهمت مجتمعةً في تعزيز تعليم المرأة ونشر الوعي بقضاياها.
ومع ترسيخ مفهوم التعليم، في السنوات الأولى للاستقلال، بوصفه حقًا وواجبًا للمواطنين/ات، ازداد إقبال الفتيات على الالتحاق بالتعليم الأوَّلي، وتمكَّن بعضهن من مواصلة الدراسة إلى المرحلة الثانوية، إلا أن نسبة النساء في المؤسسات التعليمية كانت تتراجع كلما ارتفع المستوى التعليمي. ففي عام 1961، شكّلت الفتيات 28.9% من نحو 335,000 تلميذ وتلميذة في المرحلة الابتدائية، و15.6% من إجمالي 14,664 طالبًا وطالبة في المرحلة الثانوية 3. وفي أواخر ستينيات القرن العشرين، لم تتجاوز نسبة النساء 10% من إجمالي طلاب جامعة الخرطوم 4.
غير أن هذا التوسع في تعليم الفتيات لم يكن متكافئًا بين أقاليم السودان؛ إذ كانت غالبية الفتيات الملتحقات بالتعليم من المدن ومن بنات أُسَر الموظفين. أما فتيات جنوب السودان، وكذلك الفتيات المنحدرات من «المناطق المغلقة» خلال الحقبة الاستعمارية، فقد ظل حضورهن في المؤسسات التعليمية محدودًا.
وبحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين، شهد النظام التعليمي توسعًا شمل الفتيات والفتيان على حد سواء، حتى تحقَّق التكافؤ في عدد مدارس البنين والبنات، بينما ظل التفاوت قائمًا في أعداد الطلاب والطالبات الملتحقين بها 5. ومع ذلك، ظلت أوجه عدم المساواة قائمة في فرص الالتحاق بالتعليم وإمكانات التقدم داخل النظام التعليمي.
إصلاحات حكومة الإنقاذ وتعليم الفتيات
عقب استيلاء حكومة الإنقاذ على السلطة عام 1989، سارعت إلى إجراء إصلاحات جذرية في النظام التعليمي بهدف ترسيخ رؤيتها الفكرية. وشملت هذه الإصلاحات التوسع في البنية التعليمية، ونقل إدارة التعليم إلى المستويات المحلية، إلى جانب التوسع في التعليم الخاص بوصفه بديلًا للتعليم الحكومي. وقد كان لهذه السياسات أثرٌ عميق في تعليم الفتيات على وجه الخصوص؛ إذ استُهدفن بحملة تعبئة فكرية فرضت قيودًا صارمة على سلوكهن، ورسخت منظومة من القيم والمعايير حدّت من مشاركتهن في المجال العام وضيّقت آفاقهن المستقبلية. ولم يقتصر هذا التأثير على الفتيات، بل امتد إلى المناطق والمجموعات العرقية المهمشة، حيث شجعت السياسات التعليمية الفتيات والفتيان على السواء على التخلي عن هوياتهم الثقافية المحلية لصالح الهوية العربية التي تبناها النظام.
وفي المقابل، وبفعل سياسات التوسع التعليمي التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين، تزايد عدد الفتيات اللاتي أكملن مرحلة التعليم الأساسي، مما أتاح لهن الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات بحلول تسعينيات القرن العشرين بنسب غير مسبوقة. ولم تحول القيود الفكرية دون مواصلة الفتيات والنساء مسيرتهن التعليمية والمهنية في المجال العام؛ فبحلول عام 1995، شكّلت الإناث 49% من إجمالي طلاب المرحلة الثانوية، كما حافظن على حضور قوي في التعليم الأساسي طوال التسعينيات، إذ بلغت نسبتهن 45% من إجمالي الطلاب، رغم خضوعهن لمناهج تعليمية موجهة 6.
ومع ذلك، لم يكن هذا التوسع التعليمي متكافئًا من الناحية الجغرافية؛ إذ تراجعت فرص الالتحاق بالتعليم في المناطق التي مزقتها الحروب والنزاعات، مثل جنوب السودان، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ولاحقًا دارفور. وزادت المعوقات الهيكلية في المناطق الريفية من عمق هذه الفجوة، إذ دفعت الحاجة الاقتصادية كثيرًا من الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس في سن مبكرة للمشاركة في العمل، وكان وقع ذلك على الفتيات أشد من الفتيان.
وأفضت هذه التحولات إلى نشوء تفاوتات بنيوية في فرص التعليم؛ إذ حظي سكان المناطق الحضرية بفرص تعليمية أفضل من سكان المناطق الريفية، وتمتع القاطنون في المناطق الآمنة والمستقرة اقتصاديًا بفرص أكبر من نظرائهم في مناطق النزاع، كما ظل الفتيان يحظون بفرص تعليمية تفوق تلك المتاحة للفتيات. ونتيجة لذلك، كانت الفتيات، ولا سيما في المناطق الريفية ومناطق النزاعات، الأكثر تضررًا من هذه التفاوتات، رغم الزيادة المطردة في أعداد الإناث الملتحقات بالتعليم.
وبحلول العقد الثاني من الألفية الثالثة، تجاوز حضور النساء في التعليم العالي مرحلة النمو الكمي ليصبح تحولًا نوعيًا؛ إذ ارتفعت أعداد الطالبات على نحوٍ ملحوظ، حتى أصبحن يُشكّلن الأغلبية في معظم الجامعات السودانية، كما عززن حضورهن في مختلف قطاعات العمل، وفي مقدمتها قطاع التعليم.
النساء في بيئة العمل: واقع المعلمات ومظاهر الاستغلال العمالي
أسهم التوسع في تعليم الفتيات في زيادة أعداد النساء العاملات في مهنة التدريس. فمنذ الحقبة الاستعمارية، عُدَّ التدريس، ولا سيما في المرحلة الابتدائية، مسارًا مهنيًا يتسق مع طبيعة المرأة مع استمرار الرجال في التدريس بمختلف المراحل التعليمية.
وعندما أُنشئ معهد بخت الرضا لإعداد المعلمين عام 1934، لم تكن كلية غوردون التذكارية قد تحولت بعد إلى كلية جامعية، بل كانت تتولى الإشراف على التعليم الثانوي للبنين. ولم يُفصل التعليم الثانوي عن كلية غوردون ويُنقل إلى وادي سيدنا إلا عام 1938، قبل أن يتوسع لاحقًا بإنشاء مدرستي حنتوب وخورطقت.
وفي إطار النظام التعليمي الاستعماري، شكَّل الالتحاق بمعهد بخت الرضا، بدلًا من مواصلة الدراسة الثانوية، مسارًا أقصر نحو الالتحاق بسوق العمل؛ إذ كان القبول فيه يجري عقب إكمال المرحلة الابتدائية، مما أتاح للدارسين تقليص سنوات الدراسة اللازمة قبل بدء العمل بدوام كامل. كما وفر المعهد لخريجيه من الشبان والشابات فرص عمل مستقرة ودخلًا مجزيًا نسبيًا ضمن الجهاز الإداري الاستعماري.
شهدت فرص تعليم الفتيات توسعًا ملحوظًا خلال ستينيات القرن العشرين، وبلغ هذا التوسع ذروته في سبعينياته. وأفضى ذلك، بحلول أواخر السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، إلى تخرّج أعداد متزايدة من الشابات الحاصلات على الشهادتين الابتدائية والمتوسطة. وواصلت بعضهن دراستهن في المرحلة الثانوية، ثم التحقت نسبة منهن بمؤسسات التعليم العالي، بما في ذلك جامعة الخرطوم. في المقابل، اتجهت شريحة أخرى، عقب إتمام المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، إلى الالتحاق بمعهد بخت الرضا أو بإحدى مدارس إعداد المعلمات المخصصة للنساء. كما شهدت تلك الحقبة إنشاء مؤسسات أخرى لتأهيل معلمات المرحلتين المتوسطة والثانوية.
مثّلت مهنة التدريس خيارًا مفضلًا لدى كثير من الشابات، إذ أتاحت لهن الالتحاق بسوق العمل في وقت مبكر، لقِصر مدة التأهيل اللازمة لها مقارنةً بغيرها من المسارات التعليمية. ولم تقتصر مزاياها على إتاحة فرصة العمل في سن مبكرة، بل ساعدت أيضًا على التوفيق بين مواصلة التعليم والاستجابة للتوقعات الاجتماعية المتعلقة بالزواج وتكوين الأسرة، وهي التوقعات التي كان الاستمرار في الدراسة يؤخر تحقيقها.
وفضلًا عن ذلك، انسجمت مهنة التدريس، ولا سيما في المرحلة الابتدائية، مع الأدوار الاجتماعية المنسوبة إلى النساء آنذاك، إذ ارتبطت برعاية الأطفال وتعليمهم، وعدّت امتدادًا لما كان يُنتظر من المرأة داخل الأسرة من رعاية أبنائها وتربيتهم. وأفضى ذلك تدريجيًا إلى تزايد نسبة النساء العاملات في مهنة التدريس، في مقابل تراجع نسبة الرجال في الهيئة التدريسية. وبحلول عام 2005، وهو العام الذي أصبحت فيه البيانات الإحصائية أكثر توافرًا، تجاوز عدد المعلمات عدد المعلمين، إذ بلغت النسبة نحو 1.6 معلمة لكل معلم 7.
وفي الوقت الذي كانت فيه مهنة التدريس تشهد تزايدًا مطّردًا في أعداد النساء العاملات فيها، كانت أجور المعلمين وظروف عملهم تشهد تدهوراً مستمرًا. فقد أدت سياسات التقشف، التي فُرضت بضغوط من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في أواخر سبعينيات القرن العشرين ومطلع الثمانينيات، إلى ارتفاع معدلات التضخم، مما أسفر عن تآكل القيمة الحقيقية لرواتب العاملين في الخدمة المدنية بمختلف القطاعات.
وأدى ذلك إلى مزيد من تآكل القيمة الحقيقية لأجور مهنة التدريس، في الوقت نفسه الذي تزايدت فيه أعداد النساء الملتحقات بها.
وبلغ هذا التدهور أشدَّه خلال تسعينيات القرن العشرين، عقب إسناد مسؤولية التعليم إلى الولايات والمحليات، إذ ظلت الرواتب متدنية، فضلًا عن تأخر صرفها. ولتعويض النقص في أعداد المعلمين بالمناطق الريفية، لجأت المجتمعات المحلية إلى الاستعانة بمعلمين «متطوعين» يتقاضون أجورهم من مساهمات المجتمع المحلي، وكانت هذه الأجور غالبًا أقل من الرواتب التي تدفعها الحكومة.
أسهمت هذه الضغوط في ارتفاع نسبة النساء في مهنة التدريس، ورسخت التصور السائد بأنها مهنة منخفضة الأجر. ومع ذلك، ظل الرجال يعملون في هذا القطاع ويتمتعون ببعض المزايا. فعلى سبيل المثال، ظل يُسند إليهم الاضطلاع بالمهام التنظيمية والأعمال التي تتطلب التنسيق خارج المدرسة، وهو ما أتاح لهم تولي مسؤوليات أكبر، وعزز فرصهم في الترقي إلى المناصب الإدارية أو الالتحاق بوزارة التربية والتعليم. ومع ذلك، ظلت ظروف العمل متردية بالنسبة إلى جميع المعلمين، بصرف النظر عن النوع الاجتماعي.
ولوحظ أنه كلما ارتفعت نسبة النساء العاملات في مهنة التدريس، تراجع الضغط من أجل تحسين أجور المعلمين، انطلاقًا من منظور النظام الأبوي الذي يفترض أن الأسر لا تعتمد اعتمادًا كاملًا على العائد المالي لمهنة التدريس في إعالتها.
وبحلول عام 2018، كانت هذه الأوضاع قد ترسخت. ومع تعطل الدراسة بفعل الاضطرابات السياسية المتعاقبة، بدءًا بالثورة، ثم جائحة كوفيد-19، ومن ثم الانقلاب، شهدت المسيرة المهنية للمعلمين/ات تراجعًا حادًا ومتسارعًا وتعمق هذا التراجع بعد عام 2021، حين واجه المعلمون/ات، ولا سيما في الولايات، تأخرًا طويلًا في صرف رواتبهم، الأمر الذي دفع كثيرين منهم إلى الدخول في إضرابات في مختلف الولايات احتجاجًا على ذلك.
الحرب، والتعليم، وآفاق المستقبل
فاقمت حرب عام 2023 التحديات البنيوية التي تواجه نظام التعليم في السودان، وهددت مستقبل الجيل القادم. وتُشير التقديرات إلى أن أربعة ملايين طفل فقط، من أصل سبعة عشر مليون طفل في سن الدراسة، ما زالوا يتلقون التعليم 8، بالتوازي مع استغلال طرفي النزاع المؤسسات التعليمية بوصفها رمزًا لشرعيتهما 9، في مقابل تنصلهما عن مسؤولية الحفاظ على النظام التعليمي، وألقيا عبء استمراره على عاتق المجتمع الدولي والجهات الخاصة. ونتيجة لذلك، انهار النظام التعليمي في مناطق واسعة من البلاد، ولم يتقاضَ المعلمون/ات رواتبهم لأشهر متتالية، حتى في المناطق التي استمرت فيها المدارس في العمل.
ولم يكن استمرار المدارس ممكنًا إلا بفضل جهود المجتمعات السودانية. فقد اضطلعت غرف الطوارئ، والمبادرات المجتمعية، ومجالس الآباء والمعلمين، بمسؤولية دعم المدارس والحفاظ على استمراريتها، وعملت على إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وجمع الموارد اللازمة لسداد أجور المعلمين عند انقطاع الرواتب، فضلًا عن توفير أماكن بديلة لتعليم الأطفال في المناطق التي توقفت فيها المدارس عن أداء دورها. وقد قادت هذه الجهود انطلاقًا من إيمان المجتمعات السودانية العميق بأهمية التعليم، إذ واصلت الأسر بذل كل ما في وسعها لضمان استمرار أبنائها في التعليم. وحتى في المناطق التي ارتفعت فيها معدلات التسرُّب، حرصت الأسر على إلحاق أطفالها بالمدارس، إدراكًا منها لما يتيحه التعليم من فرص لأبنائها ولمجتمعاتها. وفي ظل غياب دولة تضطلع بمسؤوليتها تجاه الأطفال وتعليمهم، بادرت المجتمعات المحلية إلى إيجاد الحلول المناسبة لتلبية احتياجاتهم التعليمية.
تضطلع النساء بدورٍ محوري في دعم العملية التعليمية وتعزيز قدرتها على الصمود في أوقات الأزمات، انطلاقًا من الأدوار التي ينهضن بها داخل الأسرة والمجتمع. ففي الأسرة، يتولين في الغالب رعاية الأطفال والطفلات، وتهيئتهم للالتحاق بالمدرسة، ومتابعة تحصيلهم الدراسي، ومساندتهم في أداء واجباتهم. ولا يقتصر إسهامهن على هذا الإطار، إذ يشكلن أيضًا النسبة الأكبر من العاملين في مهنة التدريس، ولا سيما في المراحل التعليمية الأولى، الأمر الذي يمنحهن معرفةً وثيقة باحتياجات الأطفال، وإدراكًا مباشرًا لما يواجهونه من تحديات تعليمية ونفسية.
وفي ضوء ذلك، تكتسب مشاركة النساء في قيادة غرف الطوارئ، ومجالس الآباء والأمهات والمعلمين/ات، وسائر المبادرات المجتمعية المعنية بالتعليم، أهميةً خاصة. فبحكم قربهن من الأطفال، وارتباطهن المباشر بأسرهم، وخبرتهن اليومية بواقعهم، يمتلكن فهمًا عميقًا للآثار التي خلّفتها الحرب في حياتهم، ولما ترتب عليها من احتياجات تعليمية ونفسية واجتماعية. ومن ثم، فإنهنَّ مؤهلات للإسهام في تصميم استجابات أكثر التصاقًا بالواقع، وأكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للأطفال وأسرهم. كما يؤهلهن هذا الموقع للنظر إلى التعليم باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة من الاحتياجات التي أفرزتها الحرب، تتشابك فيها الأبعاد التعليمية مع الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يفرض تبني استجابات شاملة لا تقتصر على ضمان استمرار الدراسة فحسب.
ويظل التعليم أحد أهم مقومات تعافي المجتمع السوداني وإعادة بنائه، إذ تتجاوز أهميته نقل المعارف والمهارات إلى الإسهام في حماية الأطفال/ات، وتعزيز التماسك المجتمعي، وتهيئة الأسس اللازمة للتنمية المستدامة في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هذا المنطلق، فإن تمكين النساء من الإسهام الفاعل في التخطيط، وصنع القرار، والاستجابة في المجال التعليمي، يعد شرطًا أساسيًا لصون حق الجيل القادم في التعليم، وتعزيز فرص بناء مجتمع أكثر استقرارًا وقدرةً على التعافي.
المراجع
- الشفاء عبد القادر حسن علي،” تعليم البنات في السودان: الماضي، الحاضر، والمستقبل “(الخرطوم: اليونسكو وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، 2012)، ص 73-76 https://unesco.sustech.edu/docs/girls-education-in-Sudan.PDF
-
آيريس سيري-هيرش (Iris Seri-Hersch)، “التعليم في السودان في فترة الاستعمار، 1900–1957″، موسوعة أكسفورد البحثية لتاريخ إفريقيا (2017)، https://doi.org/10.1093/acrefore/9780190277734.013.12
- صندوق الأمم المتحدة للسكان، “تقدير الالتحاق بالمدارس في السودان، 1962-1971″، صفحة 93، إحصاءات وزارة التربية والتعليم (المجلدات السنوية للأعوام الدراسية 1958-1959، 1959-1960، 1960-1961، 1961-1962). الخرطوم، 1959-1962.
-
صلاح الدين الزين الطيب، الحركة الطلابية في السودان 1940-1970 اتحاد طلاب جامعة الخرطوم (دار نشر جامعة الخرطوم، 1971)، ص 26.
-
الشفاء عبد القادر حسن علي،” تعليم البنات في السودان: الماضي، الحاضر، والمستقبل “(الخرطوم: اليونسكو وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، 2012)، ص84. https://unesco.sustech.edu/docs/girls-education-in-Sudan.PDF
-
المرجع السابق ص 88-89
-
اللجنة الوطنية السودانية لليونسكو، وكرسي اليونسكو للمرأة في العلوم والتكنولوجيا (جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا). (2018). تقرير حول قياس السياسات والفجوة النوعية بين الطلاب والقوى العاملة في السودان – مبادرة SAGA. سبتمبر 2018.
-
More than three quarters of Sudan’s children out of school as new academic year begins, Save the Children, 11 Sep 2025. More than three quarters of Sudan’s children out of school as new academic year begins – Sudan | ReliefWeb
-
حرمان من التعليم: كيف حوَّلت الحرب وعدم المساواة التعليمَ إلى سلاح موجَّه ضدّ الجيل القادم، ريبيكا قليد، مجلة أتر، 20 نوفمبر 2025. https://atarnetwork.com/?p=17749
ربيكا قليد
باحثة زائرة في معهد ماكرري للبحوث الاجتماعية، ومحررة مشاركة في المجلة التاريخية الخاصة بجامعة ماكرري.
-
لا توجد المزيد من المقالات
سارة حيدر أحمد صديق
مترجمة مستقلة، أكاديمية وباحثة في مجال الإعلام والإتصال
-
سارة حيدر أحمد صديق



