الاقتصاد الوجداني للمعونة
محمد ود السك
المعونة كلغة للنجاة وهندسة الوجدان
المعونة في المخيمات تمتد بفداحتها من مجرد مواد غذائية واستهلاكية أو مبالغ نقدية، لتعيد تشكيل الحياة والوجدان كممارسة يومية.
الأحاسيس المضطربة التي تتخلق مع وصول شحنة غذائية بيضاء، كمرادف رمزي للنجاة؛ تأتي الشاحنة البيضاء في المخيمات كوسيلة نقل للغذاء وعلامة مشحونة بتاريخ بصري وسياسي طويل في الذاكرة الإنسانية المعاصرة. فاللون الأبيض، المرتبط في العمل الإنساني بالحياد والطهر والإنقاذ، تكرّس منذ ستينيات القرن الماضي، خصوصًا مع مجاعات بيافرا في نيجيريا، إثيوبيا والسودان في الثمانينيات، كرمز للنجاة القادمة أو في حالة الشاحنات البيضاء المحتجزة من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني على حدود غزة التي تُباد على مرأى من العالم. ومنذ ذلك الحين وقبله بكثير، تشكّل أرشيف عالمي من الصور، شاحنات بيضاء تحمل شعارات المنظمات، وقد ساهمت هذه المشاهد في تشكيل ذاكرة جماعية تربط بين المشهد البصري للشاحنة البيضاء والنجاة نفسها، أي لحظة وصول الغذاء والإنهاء المؤقت للجوع، لتُرسّخ في المخيال الجمعي أن الحياة تُستعاد عبر وسيط خارجي، لا من داخل المجتمعات المنكوبة نفسها.
هذا الأرشيف البصري أصبح لاحقًا جزءا من المِخيال الإغاثي العالمي، بحيث يُنظر إلى الشاحنة البيضاء كمؤشر بصري أول لمعنى النجاة الإنسانية قبل تفريغ الحصص نفسها، ولذلك تظهر في الكثير من المخيمات اليوم كمرادف رمزي مكثف للرهان على البقاء في ظروف الأزمة، حيث تُكتب في تفاصيل الحياة اليومية للاجئات/ين وتُحفر في ذاكرة المخيمات نقرة نقرة. من ساعات الطقس المتكرر لاستلام كيس الدقيق أو علبة الزيت، يتحول الفعل الإغاثي إلى ممارسة جماعية يتقاطع فيها المادي بالرمزي، والفردي بالجماعي.
في الصفوف الطويلة المُمتدة تحت شمس قاسية، يقف رجال ونساء وأطفال يترقبون وصول حصتهم/ن. لحظة الاستلام تحمل مشاعر متناقضة؛ فرح مختلط بالذل، إحساس مؤقت بالأمان يتجاور مع خوف من انقطاع الإمداد في أي لحظة. يتذكر البعض حياته السابقة قبل الحرب، حيث كان شراء الخبز أو السكر فعلًا عاديًا لا يستدعي وقوفًا في صف أو إبراز بطاقة. لكن في المخيم، يتحول الغذاء إلى رمز للنجاة، وإلى هندسة وجدانية تُعيد تشكيل العلاقة بالذات والآخر.
وتختزن الذاكرة الجماعية للاجئات/ين صورًا متكررة، صوت المكبرات ينادي على الأفراد/الأسر بالأرقام، أكياس بيضاء بشعار المنظمة (بالطبع للون الأبيض حمولته الاستعمارية في العملية الإغاثية-رمز النجاة)، الجدل حول الكميات، وأحياناً الفوضى التي تسبق توزيع المعونات. هذه المشاهد، بتكرارها، تُكوّن أرشيفًا وجدانيًّا جديداً للاجئات/ين، يجعل من “المعونة” كلمة تتجاوز معناها المادي في لحظة استلامها، حيث يتقاطع الفرح بالنجاة مع إحساس عميق بالذل وفقدان السيطرة على المصير. اللاجئات واللاجئون يتعلمون سريعًا أن المعونة “طقس جماعي” يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم ويترك بصماته في الذاكرة الفردية والجماعية.
المشهد يتكرر؛ صفوف طويلة تمتد منذ الفجر، أصوات أطفال، همسات حارة وهمهمات في الطوابير، وأحياناً شِجار عند نقطة التوزيع. مع كل مرة، يتجدد شعور مزدوج؛ فرح بقدرة الفرد أو الأسرة على الاستمرار في الحياة، وخوف من انقطاع المساعدات أو تأخرها. وهنا تُعاد صياغة الوجدان لتصبح المعونة “لغة” تعني الشبع وتحمل معها مشاعر متناقضة من الأمان والمهانة، التضامن والتنازع، الصبر واليأس.
يصف فرح الدور الطاهر (52 عاماً، أب لخمسة أطفال ولاجئ بمعسكر كيرياندنقو بيوغندا) هذا التحول قائلًا:
“المعونة غيرت إحساسي تجاه نفسي وأولادي، كأني لا أمتلك قيمة ولا مسؤولية. وعندما أقف في الصف وأنتظرها أحس بالذل، وقد كنت في حياتي أعطي أكثر مما آخذ. جعلتني ظروف اللجوء وهذه الصفوف أشعر بالتسول”.
هذا الاعتراف يلخّص بعمق كيف تتحول المعونة من مورد للبقاء إلى هندسة وجدانية تعيد تعريف علاقة الفرد بذاته وبأسرته. فرح، مثل غيره من الرجال والآباء في المخيمات، يرى أن لحظة استلام المعونة والحصول على الطعام تعني تآكل صورته كمعيل ومسؤول. ففي مجتمعات ارتبطت فيها الرجولة تاريخيًا بالقدرة على الإعالة والحماية والاستقلال، تتحول المعونة إلى تجربة قاسية تسحب من الرجل دوره الرمزي، وتضعه في موقع الانتظار والتلقي، تجربة تُصاب فيها صورة الذات بالاغتراب والغضب المكتوم، ما يعيد رسم حدود الكرامة والهوية داخل الأسرة.
في المقابل، تتحمل النساء وخاصة الأمهات عبئًا مُضاعفًا، يجمع بين المادي والعاطفي في آن واحد. فالأم التي تقف في الصف لتأمين الطعام تسعى لتأمين الإحساس بالأمان نفسه. وهي مطالبة بتدبير حصة لا تكفي، وبطمأنة أطفالها، وبإخفاء خوفها وقلقها كي لا ينهار البيت الهش، حيث تتحول المعونة إلى عبء عاطفي ثقيل؛ إذ تُحمَّل النساء مسؤولية تحويل موارد محدودة وشروط قاسية إلى حياة قابلة للاستمرار. وهكذا، بينما تُوزَّع المعونة كمادة، تتكدّس آثارها الوجدانية على أجساد ووجدان النساء بوصفهن خط الدفاع الأخير عن الاستقرار النفسي للأسرة.
السلطة والمعونة كاقتصاد للكرامة والعار
ولأن المعونة لا تُدار بمعزل عن السلطة. فهي ليست بريئة أو حيادية كما قد تُصوَّر في الحملات الإعلامية. وبتحديدها لمن يستحق ومن يُحرم، تُعيد بذلك إنتاج هرمية بين “المستفيد” و”غير المستفيد”. ويتجسد في هذه الهرمية اقتصاد معقد للكرامة والعار.
فاللاجئ/ة الذي يتسلم حصته يُطالب بشكل غير مباشر بالامتنان. والذي يصير قسرياً: “اشكر المنظمة”، “لا تنتقد”، “كن ممتناً لأنك حي/ة”. والذي بدوره يخلق تبعية تتعاظم كل يوم، ويمثل شكلاً من أشكال السيطرة الاجتماعية والسياسية. وكما يرى كثيرون كيف تتحول لحظة استلام البطاقة أو ختمها إلى رمز لاختزال الإنسان بكامل تاريخه ومشاعره وحياته في “رقم” أو “بطاقة” تحدد مصيره.
وحتى هذه الأدوات التي تُدار المعونة عبرها، كالبطاقات الذكية، هي في الواقع أدوات ضبط وتحكم أكثر من كونها أدوات تقنية بحتة. ويعتبر من يحوز البطاقة “موجودًا” ومن يفقدها يُمحى من قائمة الحياة اليومية. بهذا المعنى، تنكشف المعونة من كونها إطعام جائع/ة، إلى حقيقة أنها صياغة لعلاقة قهرية بين المانح والمتلقي/ة، حيث يُفرض العار على من يقف في الصف ويُنتزع جزء من كرامته، بينما تُكرّس السلطة السياسية والاجتماعية لمن يملك حق التوزيع والتحكم.
فرح يلخص هذا البعد قائلاً:
“المعونة قللت من التضامن بيننا بسبب الأنانية وعزة النفس. بعض الناس يحاولون أخذ أكثر من حقهم، فيشعر الآخرون بأن حقهم قد سُرق. ومن هنا تنشأ الخلافات والضغائن. كذلك تُفرّق بيننا؛ فالفرد الأعزب قد ينال مثل ما تناله أسرة كاملة، وهذا يعكس غياب العدالة”.
وهنا يتضح أن نظام المعونة يوزّع الغذاء والاحتياجات الأخرى، عبر توزيع الكرامة نفسها. فالوقوف في الصف يعني التعرّض للفحص، للتمييز، وربما للعنف.
فاطمة إسماعيل (26عاماً، أم لطفلة، ولاجئة بمعسكر كيرياندنقو) تروي:
“أحياناً يُجبروننا على الوقوف منذ الخامسة صباحًا، نترك أطفالنا، ننتظر حتى المساء وربما نبيت في الطوابير. رأيت بعيني امرأةً حامل دُفعت بعنف بعيدا عن الصف حتى أجهضت أمامنا في محاولة تنظيمنا بالضرب والعنف. كيف يمكن أن يكون الدعم الإنساني مقرونًا بالذل والإهانة؟”.
هذا هو الوجه المظلم للمعونة التي تتحول من حق إنساني إلى آلية للضبط والعقاب. فالشرطة المكلّفة بتنظيم الصفوف تتعامل بعنف مفرط، والبيروقراطية الباردة تحوّل الناس إلى “ملف” أو “رقم”. ويفقد الدعم إنسانيته هنا، ويتحوّل إلى مسرح يومي لإنتاج العار الجماعي.
النساء في قلب الاقتصاد الوجداني للمعونة
في كل مخيم تقريبًا، تُصوّر النساء في الإعلام كضحايا مثاليات: أمهات يحملن الأطفال، عيون دامعة، وجوه متعبة. ويختزل هذا التمثيل النساء في صورة “رموز للشفقة”، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. ويخفي قسرًا كونهن فاعلات في إعادة تشكيلها وتحويلها إلى أدوات بقاء وإبداع، من مجرد متلقيات لها.
إجلال إدريس (44 عاماً، أم لأربعة أطفال ولاجئة بمعسكر كيرياندنقو) تُعبر عن هذا التناقض قائلة:
“إحس بأن المعونة تشابه اجبارنا على التسول، ففي كل مرة يقدمونها يُصرّون فيها على تصويرنا، لتقديمنا كضحايا حرب. أنا أنتظر المعونة بفارغ الصبر كي أُطعم أطفالي، لكنها لا تكفي أبدًا، ولا أفكر في مشروع من خلالها، لأنها تُستهلك بكاملها في الأكل.”
وتضيف فاطمة: “مع كل عملية توزيع للمساعدات يُصرّون على تصويرنا. كثرة الصور تُثير الاشمئزاز، وتُشعرك أن ما يأتيك ليس حقك، بل سلعة دعائية.”
فهي من جهة رمز للشفقة والنجاة، ومن جهة أخرى أسيرة نظام يستهلك وقتها وكرامتها. لكنها أيضًا تفتح مساحة نقدية حين تقترح إجلال بديلًا:
“لو جاءتني فرصة لاخترت مشاريع فردية للنساء بدلًا من الجماعية، لأن الجماعية كثيرًا ما تفشل بسبب الاتكالية والمنافسة. لكن أشعر أن المشروع الفردي يمنحني كامرأة دافعًا أكبر ويجعلني أتحمل مسؤولية نفسي بصورة مباشرة”.
ورغم أن كثير من النساء يستخدمن جزءًا من حصص المعونة لتأسيس مشاريع صغيرة: بيع جزء من السكر أو الزيت لشراء أدوات أخرى، أو ابتكار طرق لإعادة تدوير المواد، تتحول، في هذه الممارسات اليومية، المعونة من فعل خارجي مفروض إلى مادة يُعاد تملكها وإعادة تعريفها.
تقول فاطمة: “حاولت مرة أن أستخدم الدقيق والزيت لصنع الخبز والكيك، لكن المواد كانت رديئة والمشروع فشل. أحيانًا نستبدل المواد التي لا تناسبنا، مثل الجنجارو (فاصوليا حمراء تمثل الغذاء الشعبي الرئيسي في يوغندا)، بعدس أو أطعمة أقرب لثقافتنا السودانية”.
إلى جانب ذلك، تنشأ شبكات تضامن نسوي داخل المخيمات. فالنساء يتقاسمن الحصص أحيانًا، أو يتعاونّ في طهو الطعام بشكل جماعي، أو يُساندن بعضهن في مواجهة تعسف المسؤولين عن التوزيع. وتخلق هذه الشبكات الصغيرة بديلًا للهرمية الذكورية والبيروقراطية، وتعيد صياغة الوجدان الجماعي على أسس التعاون والمرونة. وتحتل النساء موقعًا مركزيًا في علاقة المعونة بالوجدان. رغم أن الإعلام العالمي يصورهن غالبًا كـ”ضحايا مثاليات” يحملن الأطفال أو يبكين أمام الكاميرات. لكن النساء، في الواقع، في قلب شبكة معقدة من الصراع والتفاوض وإعادة التملّك.
ومع ذلك، يبقى العبء الأكبر على النساء؛ فهنّ يتحملن نظرات المجتمع كضحايا، ويواجهن صراعًا يوميًا بين الحفاظ على صورة الكرامة وتلبية احتياجات أسرهن من خلال معونة لا تخلو من الإذلال. عبرت النساء في شهادات كثيرة، عن مشاعر متناقضة: “نفرح لأن أولادنا سيأكلون، لكننا نشعر بالوجع عندما نمد أيادينا كل مرة.”
تفكيك بنية المعونة واقتصادها الوجداني
توضح الشهادات القادمة من معسكرات اللجوء أن جينالوجيا المعونة كممارسة إغاثية، هي بنية كاملة تُنتج مستويات متداخلة من السيطرة على الوجدان والوجود المادي للفرد، ويلاحظ دائماً أنها ناقصة؛ الكميات لا تكفي، النوعية رديئة أحيانًا، والأسواق الموازية تنتعش على ظهرها. ويضطر كثير من اللاجئات/ين لبيع جزء من حصصهم لشراء ما ينقصهن/م، فتتحول المعونة من أداة دعم إلى جزء من اقتصاد ظل قائمًا بذاته.
وعلى المستوى الرمزي والإعلامي، تُصبح صور اللاجئات/ين سلعة؛ حيث توثق كاميرات الصحافة والمنظمات دموع النساء ووجوه الأطفال الجائعة كأدوات لإقناع المانحين بمزيد من التمويل. وهنا يُمحى صوت اللاجئ/ة الحقيقي ويُستبدل بصورة مُستهلكة في حملات جمع التبرعات.
أما على المستوى الوجداني، فالمعونة تُعيد إنتاج علاقة تبعية عاطفية؛ فاللاجئ/ة يُدرب على انتظار المانح، على الامتنان له، على رؤية بقائه نفسه كفضل خارجي لا كحق. وهذه التبعية الوجدانية قد تمتد لأجيال، فتخلق ثقافة تعتمد على العطاء الخارجي وتُضعف قدرة المجتمعات على تخيل بدائل محلية.
من هنا يبرز السؤال الأكبر؛ هل يمكن النظر إلى المعونة بوصفها شكلًا جديدًا من الاستعمار؟
عند فحص بنية المعونة نفسها بحثًا عن الإجابة. نجد أنها على مستوى الشروط، تُقدَّم ضمن منظومة صارمة من التسجيل والمراقبة والامتثال؛ من يلتزم بالشروط يُدرج ضمن الحياة اليومية، ومن يخرج عنها يُعاقب بالحرمان. وعلى المستوى الرمزي، يُعاد إنتاج اللاجئ/ة في الإعلام كجسد محتاج أو صورة بكائية، بينما يُقصى صوته وقدرته على تمثيل نفسه، ليحل محلها خطاب إنساني مُعدّ سلفاً لخدمة المانحين.
أما على مستوى الزمن، فتكمن إحدى أخطر وظائف المعونة في إبقاء الحياة داخل حالة طوارئ دائمة. فاللاجئ/ة لا يُمنح أفقًا زمنيًا واضحاً للخروج من حالة الاعتماد، ويُدار وجوده في حاضر ممتد، تُقاس فيه الحياة بالحصص والمواعيد والختم على البطاقة. حيث تُعلّق المعونة الحياة في وضع هش، وتُعيد إنتاج تفاوتات القوة عالميًا، عبر حكم إنساني ناعم يتحكم في الجسد والوجدان والذاكرة، دون أن يبدو عنيفًا في ظاهره.
وتُطرح في مواجهة هذا الواقع، أسئلة جوهرية، ما البدائل الممكنة؟ كيف يمكن بناء أنظمة دعم محلية قائمة على العدالة والكرامة؟ وهل يمكن تحويل المعونة إلى أداة انتقالية تُمهّد لبناء اقتصاد مستقل، بدلًا من أن تبقى أداة قهر وجداني واجتماعي؟
ويبرز أفق آخر. يقترح اللاجئون أنفسهم بدائل؛ كتجاربهن/م مع برنامج النقد مقابل العمل في لبنان خلال الانهيار الاقتصادي والأزمات المتداخلة منذ 2019 حتى 2021، وكذلك كيف استفادت النازحات/ين السوريين في مخيم أطمة في سوريا جراء النزاع، حيث تركز التدخلات على تركيب مضخات مياه للمياه النظيفة، وحفر الآبار، فضلًا عن توفير فرص دخل لأهالي المخيم.
وخير مثال لمعالجات فعالة في نفس سياق اللجوء السوداني بيوغندا مؤخرًا، برنامج تحويل نقدي قدم تحويلًا نقديًا بقيمة ألف دولار للاجئين في مخيم كيرياندونغو، حيث لوحظ بعد مرور عامين آثار إيجابية كبيرة. وقد أظهرت الأسر التي تلقت الأموال زيادة في الإنفاق بمقدار 32 دولارًا أمريكيًا شهريًا على السلع والخدمات. وزادت ملكية الأصول بين الأسر المستفيدة بنسبة 61%، مع استثمار الأسر في أصول مثل الأراضي وتحسين المنازل. بشكل عام، أثبت برنامج التحويلات النقدية نتائج واعدة في دعم اللاجئين لتنمية أصولهم ودخلهم مع تحسين رفاهتهم في سياق النزوح طويل الأمد.
وكما تقول فاطمة بوضوح: “لو كانت إدارة التوزيع بيد مسؤولي التجمعات (الكلسترات) الصغيرة لكان كل شخص يستلم حقه بكرامة واحترام”.
ويكشف نقد بنية المعونة أنها مأزق متجدد. فهي تنقذ الأجساد مؤقتًا لكنها تُجرّدها من القيمة الإنسانية، وتُطعم الأفواه لكنها تضعف القدرة على الحلم، كما تمنح حياة مؤقتة إلا أنها تُعيد إنتاج الموت الرمزي عبر الذل والتبعية.
ويبقى السؤال مفتوحًا، هل يمكن تخيّل دعم إنساني يُحرر بدلًا من أن يستعبد؟ وهل يمكن أن تتحول المعونة إلى جسر نحو العدالة والكرامة، لا مجرد طقس يومي يعيد إنتاج الجوع والذل؟.
محمد ود السك
شاعر وقاص مهتم بالبحث العلمي والكتابة الصحفية




