الحمل القسري كجريمة حرب في السودان

الحمل القسري كجريمة حرب في السودان

فاطمة الزهراء محمد

تنبيه: يحتوى هذا التقرير على شهادت وقصص قد تكون مؤذية أو صادمة نفسيا.

عندما تُعلن الحرب الحقيقة هي أول ضحية [1]، ومعها تُدفن القدرة على توثيق العديد من الانتهاكات والفظائع الإنسانية، وكذلك الإرث الذي يدفعنا للسعي نحو العدالة وتحقيقها، عليه يجب علينا أن نتصدى ونقاوم فقدان الحقائق والذاكرة النسائية المتعلقة بالانتهاكات المتجذرة ضد النساء، ولعل تلك خطوة متواضعة لتسليط الضوء والحديث عن الحمل القسري، بوصفه أشد أنواع الانتهاكات قسوة وتعقيداً، إذ لا يقتصر في كونه انتهاكاً مباشراً في ذاته، بل ويتجدد اثره من خلال تداعياته النفسية والاجتماعية، المتمثلة في الوصمة الاجتماعية والصعوبات المتعلقة بحمل وولادة الطفل، الذي نتج من هذا الانتهاك، ورعايته واحتمالية تعرض الأم و الطفل للنبذ الاجتماعي، لتضاعف هشاشة الأنظمة القانونية المعنية المنوط بها اقتصاص الحقوق وردع هذه الانتهاكات، لتضاعف وتعزز من الاستمرار المنهجي لهذه الانتهاكات.

مفهوم الحمل القسري

إن الانتهاكات الجنسية التي تتعرض لها النساء اليوم في السودان تعتبر امتداداً تاريخياً[2] لإنتهاكات متجذرة كُرِّست لاستهداف النساء كأدوات حرب، وقد شهدت الحرب في دارفور منذ عام 2003 و الى الان العديد من الانتهاكات الجنسية على النساء، حيث ورد في تقرير منظمة العفو الدولية أنها استطاعت التوصل لاسماء 250 امراة تعرضن للاغتصاب في إطار النزاع الدائر في دارفور، ويشير التقرير إلى أن هذه النسب لا تمثل إلا جزءاً بسيطاً من الانتهاكات الواقعة فعلاً، وذلك لأن الشهادات أخذت من أشخاص هُجروا جراء النزاع [3]، واليوم تتجدد هذه الانتهاكات في تداعيات اجتماعية و قانونية بذات التعقيد، وفي أجواء سياسية وعسكرية تشكل بيئة خصبة لاستمرار هذه الانتهاكات.

يجسد الحمل القسري أهم سياسات الحرب التي تتخذها أطراف النزاع، إما بهدف إظهار الازدراء أو القوة او بهدف زعزعة استقرار المجتمعات وتدمير البنى الاجتماعية، كما حدث في دارفور، إذ تشير التقارير إلى أن الانتهاكات الجنسية أتت لإذلال النساء وتدمير البنية الاجتماعية للضحايا، ليخلُص الأمر بأن تتحول أجسادهن إلى واجهة حرب ومجال قصف متبادل بين الأطراف المتحاربة [4]. وعن استخدام العنف في سياق الصراع في دارفور، تقول نهلة يوسف، وهي مدافعة عن حقوق النساء عملت لسنوات طويلة في توثيق الانتهاكات ضد النساء والفتيات في اقليم دارفور، تقول: ” إن استهداف النساء في مناطق غرب دارفور ونيرتتي ووادي صالح وزالنجي ومناطق شمال دارفور، واحدة من الأهداف المشروعة للجنجويد وقوات وأبو طيرة في الفترة من 2003 الى 2006″.

ويأتي الحمل القسري ضمن الجرائم ضد الإنسانية التي تناولتها المادة السابعة (ز) من نظام المحكمة الجنائية الدولية والتي تشمل “اﻻﻏﺘﺼﺎب أو اﻻﺳﺘﻌﺒﺎد اﻟﺠﻨﺴﻲ و الإكراه ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻐﺎء أو اﻟﺤﻤﻞ اﻟﻘﺴﺮي أو اﻟﺘﻌﻘﻴﻢ اﻟﻘﺴﺮي، أو أي شكل ﺁﺧﺮ ﻣﻦ أشكال اﻟﻌﻨﻒ اﻟﺠﻨﺴﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ هذه اﻟﺪرجة ﻣﻦ اﻟﺨﻄﻮرة..”. وينصرف معنى الحمل القسري إلى حبس/حجز امرأة وإكراهها على الحمل بنية التأثير في التكوين العرقي لأي مجموعة من المجموعات السكانية أو ارتكاب انتهاكات جسيمة أخرى للقانون الدولي [5]. كما يُعرّف القانون السوداني الحمل القسري في موضعين رئيسيين وذلك ضمن سياق العقوبة المقررة لهذه الجريمة أثناء النزاعات المسلحة، الموضع الأول في المادة (186) المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية البند (ي ) ” يحتجز امراة أو اكثر وإكراهها على الحمل بنية التأثير في التكوين العرقي لأي مجموعة من المجموعات السكانية[6] ….” والثاني في المادة ( 188) المتعلقة بجرائم الحرب ضد الأشخاص البند (ط) ” يحتجز امراة أو اكثر من المشمولين بالحماية أكرهت على الحمل بقصد التأثير في التكوين العرقي للسكان”[7].

بالطبع من الجيد وجود نصوص قانونية تجرم الحمل القسري في ثنايا القانون الوطني في سياق النزاعات المسلحة، ولكن هذه النصوص تفتقر إلى القوة والفعالية، حيث أنه لا توجد محاكمات حقيقية في هذا الصدد، بل هي نصوص دون تطبيق، إذ لم توجه أي تهمة لمرتكبي جريمة الاغتصاب وغيرها من الجرائم المرتكبة في دارفور، فالجناة عادة يفلتون من العقوبة بل يحصلون على عفوٍ، كما وثقت منظمة العفو في شهادة اخذتها من سيدة في مخيم اللاجئين يقع في منطقة غرب دارفور، حيث ذهبت في يوليو 2004 مع مجموعة بلغت 40 امرأة لجلب الحطب من منطقة تبعد كيلومتر واحد، وقمن بالفرار عندما تقدم ستة من الجنجويد الذين تمكنوا من أسر 3 نساء وضرب امراتان واغتصاب واحدة، وأبلغت إحدى النساء بالحادثة، وتم القبض على أربعة من المتورطين ونزع أسلحتهم بعد التعرف عليهم، ولكن للاسف تم إطلاق سراحهم في اليوم التالي، بعد مفاوضات بين الشرطة ومجموعات الجنجويد[8]. وفي حال أخذ هذا الانتهاك مساراً قانونياً يتم “تزويج المجني عليها للجاني” كما تحكي نهلة من تجارب عديدة عايشتها. وبذلك، تصبح النصوص القانونية والممارسة القانونية وسيلة لترسيخ هذه الجرائم بدلاً من أن تكون رادعًا لها وأداة لإنصاف الضحايا. هذا بجانب أن النصوص المنظمة لهذه الانتهاكات سكتت عن التدابير الملحقة بشأن الحمل القسري وكيفية التعامل معه بجوانبه الصحية، كحق الاجهاض والوضع القانوني للمجني عليهن وأطفالهن.

أوجه المعاناة في مناطق النزاع

منذ بدء النزاع المسلح في أبريل 2023 كانت ولا زالت الاعتداءات الجنسية هي السمة الأساسية للانتهاكات التي يتعرض لها السودانيون/ات في الحرب، وتتعرض لها النساء والفتيات على وجه الخصوص، كما أن التهديد بالاعتداء الجنسي وتناول الأخبار عن هذه الانتهاكات في بداية الحرب كان من أهم دوافع النزوح القسري للأسر المقتدرة خشية هذه الانتهاكات التي لا ترحم. وتنوعت الاعتداءات الجنسية ما بين الاغتصاب والاغتصاب الجماعي التي بلغ عددها 176 حالة[9] نتجت عنها 14 حالة حمل قسري[10]. وقد كشفت وحدة حماية المرأة والطفل “مؤسسة حكومية” عن “تسجيل 136 حالة عنف جنسي متصل بالنزاع”[11] ، وغيرها من الإحصائيات، والتي على الرغم من فظاعتها لا تعتبر مؤشراً دقيقاً على الحجم الفعلي لهذه الانتهاكات، لأن الكثير من الضحايا والناجيات من الاعتداءات الجنسية يتجنبن التبليغ عن هذه الانتهاكات، إما بدافع الخوف من الجناة أنفسهم أو بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، ولعلها ذات الدوافع التي منعت الناجيات في دارفور في 2003 من الحديث عن الانتهاكات.

خريطة الانتهاكات الجنسية في دارفور

حدثتنا أستاذة نهلة في ذات المقابلة عن أوضاع النساء في دارفور و عن المعاناة والانتهاكات الجنسية التي تعتبر هدفاً مشروعاً لدى الجنجويد منذ عام 2003 حيث تعرضت النساء للاستهداف المباشر وتمت عمليات اغتصاب كبيرة جداً لهن، كما استهدفت النساء في طريق النزوح الفردي والجماعي من القرى التي تمت إبادة أهلها من قبل القبائل العربية المسلحة، ووصفت بأن عملية الاغتصاب هذه كانت تتم بأبشع واقسى الطرق الممكنة بواسطة السونكي واستخدام السكاكين. وبعد ثلاثة سنوات من توقيع اتفاقية أبوجا، أي في عام 2009، تدهورت الأوضاع الأمنية واتسعت رقعة الانتهاكات لتطال فئات اخرى من النساء والبنات، فلم تقتصر على استهداف النساء داخل القرى وأثناء رحلة النزوح، بل امتدت لتشمل النساء داخل معسكرات النزوح وضم فئات جديدة تشمل النساء المتعلمات وبنات التجار والاقباط ونساء وفتيات ينتمين لأسر ثرية وأعيان البلد ونساء السياسيين، فلم يعد هنالك أي استثناء في رقعة العنف المتسعة.

فيبرز داخل رقعة العنف هذه الإرتباط الوثيق بين النزاعات المسلحة وإفقار النساء، إذ تضعهن النزاعات في مواجهة الاستغلال الجنسي مقابل العنف والاستغلال الاقتصادي خاصة إذا افترقن عن أسرهن التي يفترض أن توفر لهن شكلا من الحماية الاجتماعية تندرج معها الحماية الاقتصادية. وتضيف نهلة يوسف في سياق حديثها عن أثر الحرب في انفصال النساء عن أسرهن، ليواجهن التشرد وبالتالي تزداد احتمالية تعرضهن للاستغلال الجنسي، وذلك ما حدث للطفلة سمية[12] في سن مبكرة، إذ تعرضت للاغتصاب ما أدى إلى حملها وإنجابها في ظروف قاسية في الشارع. وقد كانت سمية، في ذلك الوقت، مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) نتيجة لتلك التجربة، ومع مرور الوقت أنجبت سمية خمسة أطفال بسبب الاستغلال الجنسي لوضعها الهش اجتماعيا واقتصاديا، فنشأ أطفالها أيضاً في نفس الظروف القاسية، حيث قضوا حياتهم في الشارع بدون رعاية صحية أو اجتماعية كافية. هذه الحالة هي جزء من واقع مؤلم لعدد من الأطفال في مثل هذه الظروف، والذين يعانون من تداعيات الاستغلال والفقر المدقع”.

تذكر نهلة الكثير من الأضرار الناتجة عن هذه الانتهاكات إضافة للأمراض المنقولة جنسياً، كالاكتئاب والوصمة الاجتماعية التي تدفعهن للانتحار، أو للقتل من قبل أهلهم أو تزويجهن لأحد اقربائهن أو للجاني ذاته إن كان معلوم الهوية، ويأتي كل هذا مصاحباً لتجربة الحمل القسري الذي وصفته بأنه واحدة من النتائج الأصعب والأقسى لخريطة الانتهاكات الجنسية للنساء باختلاف أوضاعهن، فالقاصرات يتم اخفاء حملهن القسري وتجويعهن و تعذيبهن من قبل أسرهن حتى الموت، و النساء ذوات الإعاقة لا يتلقين أي نوع من أنواع الدعم والرعاية من أسرهن وفي الغالب ينتهي بهن الأمر إلى الموت.

في ظل هذه الأوضاع الأمنية المعقدة يكون من الصعب تقديم الخدمات الصحية والنفسية المطلوبة، وما حدث ان بعض النساء استطعن الوصول لبعض مقدمي الخدمات، بينما كان كل ما تم لنساء اخريات هو فقط توثيق ماتعرضن له من انتهاكات. وعند الحديث عن التوثيق أشارت نهلة يوسف إلى الصعوبات المتعلقة بعملية التوثيق، لأن العديد من الأسر والنساء ترفض مثل هذا التوثيق، وفي الغالب ما يُخفي الاهل الفتاة الضحية لمنع مشاركة أي معلومات عنها. تحكي نهلة عن واقعة حدثت في مستشفى نيالا، فقد تعرضت ثلاثة فتيات من وادي صالح في بدايات 2004 للاغتصاب والتعذيب، عبر تمزيق فتحة المهبل بالسونكي ومن ثم وضع قفل حديدي “طبلة” على المهبل، تطلبت الرعاية الطبية إزالة العضو التناسلي لاثنين منهن بسبب إصابتهن بالتسمم، بينما نتج العنف الجنسي الذي تعرضت له الثالثة عن حالة حمل، كانت هذه الفتاة تحديداً في وضع صحي حرج، رفض أهلها توثيق حالة الحمل القسري هذه، ومن ثم تم اخراجها من المستشفى وهربت الاسرة لتفادي أي شكل من أشكال التوثيق القانوني أو الحقوقي لهذه الحادثة ولم يظهر لهم أثر منذ ذلك الوقت.

يمكن فهم هذا الخوف، لأن ذلك يجدد احتمالية تعرضهن للمزيد من الانتهاكات خاصة إذا أصبحن حوامل نتيجة للعنف الجنسي الذي تعرضن له، حيث يجعلهن ذلك عرضة لمواجهة الثقافة الاجتماعية على مستويين، يتعلق المستوى الاول برفض المجتمعات لاحتمالية حدوث حمل نتيجة للاغتصاب، وبالتالي تنبذ ضحايا الحمل القسري، ويتم في سياقات كثيرة تحميلهن المسؤولية عن هذه الحوادث/الانتهاكات. وفي مستوى أخر يتعرضن للنبذ المجتمعي هن وأطفالهن، إذ تُكره النساء على التخلي عن اطفالهن باعتبارهم/ن “أطفال العدو” -بحسب الإطار الاجتماعي في دارفور- وهذا ما يُسبب صدمة اخرى للناجيات[13].

إن مسألة الأمن الشخصي و الخوف من الوصمة هو اول تحدي واجهنا عند كتابة هذه المقالة، إذ لم نستطع الحصول على شهادات تخص هذه المسالة، وبالقدر الذي تحصلنا عليه عجزنا عن مشاركتها لرفض صاحباتها للتنويه بأي اشارات قد تدل على هوياتهن، كما أن هذا الخوف يشمل ايضا مقدمي الخدمات في غرف الطوارئ، مما يدل على أن هذه المسائل متجذرة بصورة معقدة في المجتمع حيث أشارت عائشة[14] ” أن هنالك الكثير من حالات الاغتصاب المثبتة ولكن تتجنب الناجيات الاعتراف بحالة الاغتصاب، حتى لا يتم التبليغ عن هذه الحالة وتوثيقها كجريمة ارتكبت” وذكرت ايضاً أن العاملين/ات بغرف الطوارئ مهما بلغت روح التعاون والوعي بهذه الانتهاكات، يمنعهن الحاجز النفسي وتحفظاتهم من التعامل وتقديم يد العون، في بعض الاحيان، للناجيات خاصةً لضحايا الحمل القسري، بما في ذلك المساعدة في الوصول لمعينات الاجهاض. بالاضافة إلى ضعف الوصولية الى الجهات الحكومية أو المنظمات المعنية بالتبليغ عن هذه الانتهاكات بسبب انقطاع الشبكة وعدم القدرة على توفير مساحات للتبليغ عن هذه الانتهاكات.

نقص الرعاية الصحية

تُشكل الظروف الراهنة مع انهيار البنى التحتية للخدمات الصحية وهجرة الكوادر الطبية معاناة إضافية للنساء الناجيات من العنف الجنسي وضحايا الاغتصاب والحمل القسري، فالكثير من الحالات لا تلقى العناية الكافية والعقاقير الاسعافية، مثل حبوب منع الحمل وأدوية الوقاية من الإيدز والأمراض المنقولة جنسياً في زمن قياسي لضمان الوقاية. وقد تمثل بعض غرف الطوارئ ملاذاً آمناً للناجيات، حيث تُقدم لهن الخدمات الصحية الضرورية وفي هذا السياق، ذكرت ناشطة في مقابلة أخرى “إنه كان يتم تزويد هذه المراكز أدوية منع الحمل من قبل إحدى المنظمات، إلا أن هذا الدعم توقف بسبب تدهور الأوضاع الامنية”.

تؤكد التقارير الصادرة من منظمة أطباء بلا حدود أن المنظمات الإنسانية والطبية كثيراً ما تُمنع من تقديم الدعم، رغم الحديث والادعاءات التي تقول بأن السلطات بدأت بإصدار تصاريح للعاملين في المجال الإنساني بسهولة أكبر، لكن لا تزال توجد عراقيل بيروقراطية ورفض إصدار تصاريح السفر للسماح بمرور الأشخاص والإمدادات الأساسية[15]، مما يجعل تقديم الدعم والخدمات الصحية مستحيلاً.

اشتراط القانون للوصول إلى الرعاية الصحية

تُعاني النساء من البيروقراطية القانونية بوصفها شرطاً للوصول للرعاية الصحية التي يفترض أن تأتي اولاً، وخاصة في حالات الانتهاكات الجنسية التي تشكل كل دقيقة مهدرة خطراً على الناجية التي قد تكون عرضة للكثير من الأمراض. وهنا لابد لنا أن نسلط الضوء على التعقيدات المرتبطة بضعف الرعاية الصحية وتقاطعاتها القانونية المعقدة بشأن المعاناة التي تواجهها النساء الحوامل قسرياً للحصول على الحق في الإجهاض الآمن، لما لهذه التعقيدات من دور كبير في تجنب الناجيات من الإفصاح والإبلاغ عن هذه الانتهاكات.

إن الوصولية للرعاية الصحية عن طريق أنظمة القانون أشبه بالحلقة المفرغة، حيث يجرم القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 في المادة 135 الإجهاض ويعاقب عليه بالسجن والغرامة إلا في عدة أحوال من ضمنها الحمل الناتج عن الاغتصاب بشرط أن لا يتجاوز الحمل 90 يوماً، مع ذلك يكون من الصعب اللجوء للأجهزة العدلية لأنها متعطلة في مناطق النزاعات، وليس من السهل الوصول الى مناطق آمنة في زمن قياسي لضمان الحصول على الرعاية الطبية المشروط بالرعاية القانونية المكبلة بالإجراءات الجنائية، والتي تبدأ بالتحقيق والحصول على الاستمارة رقم 8 “أورنيك 8”[16] كمدخل لسير واستكمال إجراءات التحري وتلقي الخدمة الصحية اللازمة في الجرائم المتعلقة بالاغتصاب والعنف الجنسي، وفي العادة لا تقل سير هذه الإجراءات عن 40 يوماً[17].

ويزداد الأمر تعقيداً عند النظر للقيود المتعلقة بالاختصاص المكاني لهذه الجرائم، والذي يقصد به بدء إجراء التحريات والمحاكمة أمام شرطة الجنايات العامة أو النيابة أو المحكمة، التي تقع تحت دائرة اختصاصها ويتحقق الاختصاص بأن تقع الجريمة كلياً أو جزئياً في المنطقة الموجودة بها هذه الأجهزة العدلية[18]. وفي هذا السياق يُذكر أن وكيل النيابة المكلف الفاتح طيفور أصدر توجيهات للنيابة العامة منذ بدء النزاع المسلح بعدم التقيد بالاختصاص المكاني لهذه الجرائم[19]، وفي هذا السياق اشارت المحامية انعام عتيق إلى تسجيل عدة بلاغات متعلقة بحالات اغتصاب، حيث حصلت بعض الناجيات على إذن من النيابة لإجراء عمليات إجهاض الحمل الناتج عن هذه الجرائم ومع ذلك، أكدت عتيق أن هذه البلاغات توقفت عند مرحلة التحري ولم تصل إلى المحاكم، نتيجة لعدم تحديد هوية الجناة المنتمين إلى قوة نظامية[20].

انتهاك النساء قضية تهم الجميع وتتطلب جهد الجميع

إن هذه التعقيدات وسلسلة العدالة المفرغة تضع الناجيات أمام تحديات اجتماعية وخيارات صعبة جداً، فالعديد من الناجيات هربن خوفاً من الوصمة الاجتماعية واخريات حاولن الانتحار، بسبب المضاعفات النفسية الناتجة عن الاغتصاب والحمل الذي تعرضن له[21]، فيما لجأت أخريات إلى طرق أخرى خارج الأطر الصحية ليستطعن إجراء عمليات الإجهاض[22]، التي انتهت إلى وفيات في معظم الحالات، وذلك لأن طرق الاجهاض مريعة للغاية، ويتم الاستعانة فيها بطرق شعبية لاجهاض الجنين، بما في ذلك القفز المتكرر، ادخال بعض الاعشاب عبر فتحة المهبل وغيرها من الطرق الخطيرة على صحة النساء والفتيات. وبالتأكيد هناك العديد من القصص والخيارات التي ربما تلجأ إليها الناجيات، لكنها تظل طي الكتمان بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، وفقدان الثقة في إمكانية تحقيق العدالة.

إن قضية الحمل القسري قضية سياسية واجتماعية مُلحة ترافق النساء على امتداد تاريخ الحروب في السودان، وتزداد المأساة التي تواجهها النساء والفتيات الناجيات/الضحايا يوما بعد يوم بسبب الاثار النفسية والصحية لهذه الجريمة. وفي ظل هذه التطورات السياسية في المشهد السياسي والتحولات في رقعة الحرب والعنف، ولأننا نرى أن هذا هو الوقت الأنسب لوضع حلول وحد لهذه الجريمة، وفي سبيل ذلك لابد من العمل على وقف هذه الانتهاكات ووضع أطر اجتماعية وسياسية للتعاطي معها. ولابد للمجتمعات أن تتوقف عن مضاعفة هذه الانتهاكات بوصم ضحاياها بل يجب أن تفتح ابوابها لقبول الناجيات وتُعزز من دمجهم في المجتمع وتساعدهن على تجاوز الصدمة. ولن يأتي ويتم إلا هذه عبر الحوارات المستمرة التي تقوم بها الفاعلات/ين في القضايا النسوية والانجابية، حول هذه الجرائم ومناقشة المفاهيم المتعلقة بالوصمة الاجتماعية، كما لابد للجهات الحكومية أن تمهد الطريق و تترك مساحة تدعم بها عملية التوعية هذه.

من المهم أن نستشرف أفقاً نرى فيه حساسية أكبر واستجابة أوسع لكل اشكال العنف الجنسي وتبعاتها، ونرى فيه اصلاحات قانونية وتشريعية تستصحب هذه الحساسيات، وتحولها لنصوص قانونية وتدابير اجرائية تتضامن مع النساء اللاتي عايشن تجربة العنف الجنسي، لا أن تقف ضدهن وتتواطأ ضد حقهن في العدالة. إن التفكير في الحمل القسري كجريمة حرب في سياق الحروب والعنف في تاريخ السودان يدفع بمزيد من التسيس لهذه الجريمة وتسليط الضوء عليها، وينقلها من مجال الاشتغال بها كقضية طارئة او مؤقتة، لقضية تهم الجميع وتتطلب جهد الجميع.


هوامش و مراجع

1. اللورد بون سومبي- FLASH HOOD IN WARTIME:PROPAGANDA LIES OF THE FIRST WORLD WAR

2. نظر أمثلة على العنف الجنسي  الممنهج على النساء أثناء النزاعات المسلحة،نهى قاطرجي، الأوضاع السيئة للمرأة في العالم رابط .

3. رابط  تقرير منظمة العفو الدولية 2004

4. القانون الدولي والعنف الجنسي ضد النساء في الحرب، سامية صديقي رابط

5. تعريف يونسكوا للحمل القسري رابط

6. القانون الجنائي السوداني 1991

7. القانون الجنائي السوداني 1991

8. منظمة العفو الدولية : السودان دارفور “الاغتصاب سلاحاً في الحرب-العنف الجنسي و العواقب المترتبة عليه” رابط

9. شهادة منسقة برنامج السودان في المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي نعمات ابوبكر- الحرة- بعضهن حاولن الانتحار.. كيف وضعت الحرب نساء سودانيات في “أمومة قسرية”؟رابط

10. المرجع السابق

11. المرجع السابق

12. اسم “سمية” هو اسم مستعار لحماية الخصوصية

13. منظمة العفو الدولية : السودان دارفور “الاغتصاب سلاحاً في الحرب-العنف الجنسي و العواقب المترتبة عليه”

14. اسم مستعار لإحدى الناشطات العاملات بإحدى غرف الطوارئ- اجرينا معها مقابلة بشان الانتهاكات الجنسية التي يتم التبليغ عنها أو تصل معلومات حولها لغرف الطوارئ.

15. تقرير أطباء بلا حدود رابط.

16. اورنيك 8 هو استمارة جنائية تستخدمها الشرطة بموجب قانون القومسيون الطبي لإثبات الأذى الظاهر على المصاب, على ان يترك الأذى الداخلي للطبيب.

17المحامية انعام عتيق لسودافكتس رابط

18. راجع قانون الإجراءات الجنائية المادة (29).

19. لا يوجد مصدر مؤكد لهذه التوجيهات بصيغة رسمية ولكن ذكرت في عدد من التقارير الصحفية في سياق اجتماع النائب العام مع حملة “معاً ضد الاغتصاب” صحيفة رابط 

20. إجهاض ١٢ امرأة تعرضن للاغتصاب و اخريات ينتظرن الموافقة القانونية

21. الحرب تضع النساء السودانيات في أمومة قسرية

22. المرجع السابق

فاطمة الزهراء محمد
المقالات +

طالبة تدرس القانون، منخرطة في قضايا
النساء والفتيات وفي العمل النقابي والطلابي