هل كانت ورطة أن تكوني أماً؟

هل كانت ورطة أن تكوني أماً؟

أمومات فردية في زمن الحرب

براءة أحمد

عندما كنت أصغر سناً نظرت الى الأمومة، كما بقية البشر عبر عدسات المثالية والعطاء المطلق بلا كلل أو ضجر، من خلال الاحتفاء وترديد أغاني عيد الأم في الحادي والعشرين من شهر مارس كل عام، غير مكترثة لما تعنيه الأمومة بعيداً عن التمجيد والقدسية المطلقة.

إن أحد أسباب ملاحظتي وتفكيري المستمر بالأمومة هو واقع تجربتي كأخت كبيرة، تنوب عن الأم في أغلب الأحيان حين تتغيب لسبب صحي أو لتواجدها خارج المنزل، فأجد نفسي أماً صغيرة أمام مهام متعددة كأدوار الرعاية وتحضير وجبات مُرضية للجميع، والاستماع لشكاوى ورغبات الأطفال المتكررة، بلا شك كنت أتضجر وامتعض كثيراً من تلك الأمور خصوصاً في أوقات متأخرة من الليل، فاستعجب حيال الأمهات وخوضهن المستمر لتجارب كبيرة وشاملة للكثير من التضحيات، ابتداءاً من حمل جنين لمدة قد تصل إلى 40 أسبوعاً مع كثير من المضاعفات، مروراً بولادة تشبه الموت كما تحكي النساء مع بعضهن البعض، ليصبحن بعدها عرضة لاكتئاب ما بعد الولادة، ولاحقاً حمل هموم الأطفال وحمل أعباء تربيتهم/ن منفردات على الأغلب، مما يجعل هذه المرحلة تشبه ( قرش الحصى) لصعوبتها وثِقلها المفرط.

نعم الأمومة عظيمة ولكن

تُصَور المجتمعات والأنظمة الاجتماعية والسياسية وظيفة ربة المنزل، كوظيفة عظيمة وفي الغالب تحتفي بها، ولكني رأيت فيها جوانب مخفية ومغيبة عن الجميع، فهي وظيفة مستمرة بدوام كامل، بلا عطلات أو إجازات أو حتى حوافز وأجور. وقد دفعني هذا التفكير حول ثقل الأمومة للملاحظة و الاستماع لقصص أمهات من حولي، ابتداءاً من أمي وأخريات يشاركنها التجارب، وبحثت بين الحين والآخر عن مصادر أخرى تتحدث عن الأمومة غير تلك الفكرة المثالية والرائجة مجتمعياً، التي تكرست عبر جميع الأعمال الأدبية والكتابات الفلسفية على مر العصور، سالبة بتلك النظرة المُكرسة والمُحتفِية وحسب، سالبة لحق الأمهات في كونهن عاديات ولا ضير في امتعاضهن وشكاويهن من التجارب التي قد تكون أحياناً مؤلمة وقاسية بالفعل، لتكبل في النهاية تلك الأفكار المُحتفية الأمهات ومشاعرهن بقيود وأصفاد الشعور بالذنب المتكرر حيال مشاعرهن المشروعة في الشكوى والامتعاض.

وفي رحلة بحثي القصيرة عن مصادر غير مثالية حول الأمومة، لفت نظري وشد انتباهي كتاب بعنوان “كيف تلتئم: عن الامومة وأشباحها” للكاتبة والشاعرة المصرية إيمان مرسال تتناول فيه الأمومة من منظور مختلف، تسرد فيه أحداث تجربتها الشخصية، مصطحبة معها قصص أخريات لهن مشاعر كثيرة غير مرئية وتجارب فردية بعيدة عما تكرس له المجتمعات عن تجربة الأمومة.

كيف نلتئم؟

تسمي مرسال تلك النظرة أو التصوير للأمومة ب “أمومة المتن” وتضعها في مقارنة مباشرة أو مغايرة عن حقيقة الأمومة أو “أمومات الهامش” وتعني بأمومة المتن أمومة هاتيك اللواتي يتوافقن مع المعايير السائدة والمثالية للأمومة، كما يحددها المجتمع و يتم الاحتفاء بهن في وسائل الإعلام وفي السياسات الاجتماعية، إذ يُعتبرن “النموذج الأمثل” للأمومة. أما أمومة الهامش فهي عكس تلك الامومة لا تحظى بالتمجيد أو الاعتراف لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، نفسية أو بسبب الهجرة واللجوء والنزوح. وتعزو إيمان ندرة تبادل التجارب الحقيقية بين الأمهات إلى خوفهن من أفكار وسرديات المتن العام، والخوف من الحكم عليهن وإدانتهن بسبب مشاعرهن وتجاربهن الحقيقية كأمهات.

تفكك الكاتبة الصورة المثالية للأمومة وتكشف عن الجانب المظلم للأمومة، مثل الشعور بالوحدة، الانفصال النفسي، وعدم الاعتراف بمعاناة الأم. وفي هذه الجوانب تتقاطع مع “أمومة الهامش”، حيث يُهمَّش صوت الأمهات اللواتي لا يستطعن تحقيق هذه الصورة المثالية. و ما لفت نظري في كتابة إيمان هو استفاضتها في الكلام حول الشعور بالذنب، لأنه الشعور الأكثر شيوعاً خصوصاً مع وضع أمومة المتن في قالب جامد ومثالي أكثر من اللازم، مما يجعلهن في موضع الشعور بالذنب أو أنهن أمهات غير جديرات بالثقة. ويتلاحق شعور الذنب عند الأمهات حيال طرق رعايتهن للأبناء وخياراتهن الخاصة واستطاعتهن، في حالة اختلافهن عما هو سائد أو نمطي في المجتمع. ومع تجارب العمل غير المنزلي، يتضاعف ذلك الإحساس، بمجابهة سؤال التوفيق بين كونهن أمهات وموظفات واقعات بين مطرقة ضغط حمولات أمومة المتن وسندان ضغط العمل. لتقول إيمان مرسال: ( الأم التي لا تشعر بالذنب تجاه أطفالها، هي تلك التي أتاها ملاكٌ في لحظة الولادة وشقّ صدرها، استأصل النقطة السوداء التي هي منبع الشرّ، حرّرها من هويّتها السابقة وشفاها من العدميّة أو الطموح، تماماً كما يحدث مع الأنبياء في عمليّة تجهيزهم للنبوّة).

لكل أم تجربتها وليس هناك كاتالوج مُحدد

إن قراءتي لكتاب؛ كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها، جعلتني أكثر طمأنينة حول عادية أن تكون لكل أم تجربة خاصة بها، تخوضها أثناء رحلتها وأنه ما من كتيب أو كاتالوج محدد للأمومة. إن مهمة أو وظيفة، كما هي حقيقة الأمر، مثل الأمومة يتضاعف ثِقلها في أوقات غير اعتيادية، كحالة الحرب والنزوح و في سياق الهجرة والتنقل لمكان جديد ذي ثقافة جديدة، وتتضاعف مع عبء المهمة/الوظيفة، مشاعر كثيرة جديدة مثل الخوف والرعب، ومحاولات النجاة والبقاء على قيد الحياة في خضم حالة هلع الحرب، ومع أن الأم والأب هنا يتقاسمان المسؤولية تجاه الأبناء إلا أن النصيب الأكبر تَحمِل ثِقله الأم، لأن أدوار الرعاية أثناء النزوح تزداد ثِقلاً.

تروي لي (أ) قصتها وبقية الأمهات في أسرتها عن الأيام التي عِشنها مع أطفالهن، فذكرت إن أول أيام في مرمى النيران كانت صعبة مع الخوف والاختباء تحت الاسرة، وعدم توفر غاز الطبخ ومياه الشرب، كان إلحاح الأطفال الجوعى هَماً كبيراً، لأنهم لم يستوعبوا خطورة الوضع، فما كان في أيديهن إلا تطمينهم بأن ينتظروا لحين انتهاء الاشتباك أمام المنزل. بعد تلك الأحداث بدأت رحلة البحث عن مخرج من مكان القصف العنيف بالحي. كما لم تكن رحلة النزوح ايضاً أمراً سهلاً عليها، وهي في تلك الحالة من الذعر والصدمة، كان لزاماً عليها أن تقوم ببث الطمأنينة في نفوس أطفالها وتعتني بهم طوال الرحلة، تقول: “كنت مرعوبة ولكن لا أستطيع البوح بخوفي لكي لا يخاف الأطفال”.

(عزة) ناشطة في غرفة طوارئ حيها، تطوعت هي وزوجها لتقديم الخدمات والإسعافات لأهالي المنطقة، وقد اضطرت أول أيام الحرب لترك والدها الكبير في السن وطفليها في المنزل لساعات، حتى تلبي نداء غرفة الطوارئ بالحي، ورغم شعورها، في تلك الساعات، بالسوء والخوف تجاه أطفالها، لكنها كانت تستودعهم الله وتخرج. وتروي عزة إنها سمعت عن الاغتصابات التي يرتكبها الدعم السريع في كل منطقة يدخلها، كما تُخبر عن شعورها بالخوف والقلق عندما وجدت رصاصاً في مكان لعب ابنائها ولكنهم لم يصابوا لحسن الحظ. قررت عزة الرحيل، فالمنطقة لم تكن آمنة اطلاقاً لأطفالها ولولاهم لما غادرت المنزل.

وخاضت (شريفة) تجربة السفر إلى مصر عبر الصحراء، في رحلة مخيفة ومجهولة حملت فيها هَم بناتها وحفيداتها، فلم يغمض لها جفن أثناء الرحلة وظلت في قلق مستمر، بسبب خطورة وسرعة الطريق والقصص التي سمعتها عن أشخاص سقطوا أثناء الرحلة ولم ينقذهم أحد، واوضحت شعورها بالمسؤولية التامة نسبة لأنهن كن جميعاً نساء (الرحلة كانت أصعب لأنه لم يكن بصحبتنا رجل نعتمد عليه في بعض المهام).

الأمومة المهمة الصعبة

بلا شك في وقت الحرب تصبح الأمومة مهمة صعبة، فبدلاً أن تهرب وتنجو وحيداً يتوجب عليك حمل هموم أشخاص آخرين ورعايتهم/ن. وأوضاع الأمهات النازحات في السودان في مراكز اللجوء أو خارجها سيئة ومرهقة، ويلاحقهن دائماً الشعور بالسوء و بالذنب كلما تضجر الأطفال أو مرضوا/ن أو شعروا/ن بالخوف، يحملن ثِقل شعور أسرهن بالجوع في ظل المجاعة والفقر المطبق. وفيما يختص بالصحة الإنجابية فالأمهات دائما حيواتهن مهددة بسبب عدم توفر الرعاية الصحية اللازمة للولادة وما بعدها، وعدم توفر الاحتياجات الصحية الضرورية مثل الفوط الصحية، تكاد تخلو الولايات من خدمات للنساء وأحيان كثيرة تلجأ الامهات للقابلات لإنقاذ حيواتهن في ظل ظروف سيئة.

وبين فردانية التجارب المهمشة ونيران الحروب، هناك قصص كثيرة لأمهات مكلومات بسبب الفقد والموت والنزوح واللجوء اقتسمن التجارب المشابهة والصبر حين اشتداد الألم، صمتن عن شعورهن الحقيقي حيال الأطفال والأمومة، تَشارَكْن مرارة أمومتهن في زمن الحرب، بكين ومسحن دموع الأطفال، وحيدات ومع أزواجهن، وفي كل الاحوال هي تَجارِبهُن الفردية التي لن يشعر بها سواهن.

براءة أحمد
المقالات +

طالبة  بكلية الأداب جامعة الخرطوم قسم اللغات  "الانجليزية والالمانية" ، مهتمة بالكتابة الصحفية  وقضايا النساء وناشطة مجتمعية