إعادة تخيُل التمويل
ثريا صالح
يجادل هذا المقال بأن الأدوات المالية — التي تستهدف النساء — تزيد من هشاشتهن، إذ إن الهدف الرئيس للتمويل قد تحوّل عبر السنوات من معالجة الفقر إلى تأجيله تحت مسمّى «التمكين». كما يسعى المقال إلى تسليط الضوء على التعقيدات التي تصاحب الاقتراض أو التمويل في ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والسياسية للنساء. وكبديل، يقترح المقال الارتكاز بشكل أكبر على الأساليب التقليدية والمعرفة المحلية الأصيلة في التمويل الجماعي، مثل «الصندوق» أو «الختّة».
الصندوق كأداة مالية مجتمعية
دائماً ما كانت النساء في عائلتي يمتلكن «ختّة» أو «صندوق»، وهي طريقة جماعية لتكوين صندوق طوارئ، حيث يجتمع الناس (ليس حصرًا ولكن في الغالب النساء) ويتفقون على مساهمة أسبوعية أو يومية، أو كما في حالة عائلتي مساهمة شهرية. وفي كل شهر يُمنح المبلغ المُجمَّع لشخص واحد من المجموعة وفق ترتيب متفق عليه أو بحسب الحاجة؛ وفي حالات أخرى يُستخدم المال الجماعي لتغطية نفقات تتعلق بالمجموعة نفسها، مثل شراء المستلزمات اللازمة للمناسبات الاجتماعية.
خلال نشأتي، كنت أراقب أمي وجدتي وخالتي وهن يلتزمن بالمشاركة في الصندوق بانتظام. في الأدبيات، يُطلق على هذا السلوك «الاقتصاد/الادخار» حيث يقتطع الأفراد مبالغ من نفقاتهم ويضعوها جانبًا لحالات الطوارئ (بارثاساراتي، 2012). حيث يُعد «الصندوق» أداة يستخدمها الناس من طبقات اجتماعية وثقافات ومناطق مختلفة داخل السودان وخارجه، ويُعرف أكاديميًا باسم «جمعية الادخار والائتمان الدوّارة» (ROSCA)، وهو شكل من أشكال التمويل الصغير غير الرسمي.
تختلف شروط الائتمان من منطقة إلى أخرى، كما تتباين بحسب النشاط الاقتصادي للمجموعات، وقد تتضمن فوائد مالية. وفي حالة عائلتي، فإن معظم المشاركات في الصندوق—إن لم يكن جميعهن—نساء وربات بيوت من أم درمان. ويتمثل الدافع الرئيسي لمشاركتهن في هذا النظام في بناء مدخرات قصيرة وطويلة الأجل، سواء أكانت هذه المدخرات تُستثمر في الذهب أو العقارات أو أشكال أخرى من الاستثمارات المتاحة لهن، إضافة إلى مواجهة الأعباء المالية الطارئة مثل حفلات الزواج، والوفيات، والسفر، وغيرها.
وفي المجتمعات الزراعية، على سبيل المثال، تُستخدم مثل هذه الأدوات الائتمانية الجماعية من قبل المجتمع للاستعداد للموسم الزراعي والحراثة وغيرها من الأنشطة، أو لتخفيف الأعباء المالية عن الأسر خلال الفترة التي تسبق الحصاد مباشرة، حين يكون الناس قد أنفقوا كل مدخراتهم على عملية الزراعة ولم يجنوا بعد ثمارها. كما يمكن أن يُجمع الائتمان من داخل المجتمع نفسه أو يُدار من قبل مقرضين صغار، أو مؤسسات مالية غير مصرفية، أو بنوك.
إدارة الشؤون المالية للأسر
تاريخيًا، وفي معظم مجتمعات السودان، لا تُعد النساء مقدّمات الرعاية الأساسيات لأسرهن فقط، بل هن أيضًا المنظّمات الرئيسيات للشؤون المالية؛ فهن من يضعن الميزانيات الأسرية، ومن المتوقع منهن ضمان توفير الغذاء والملبس للأسرة وفق الموارد المتاحة، وبالتالي يتحملن أيضًا عبء «تدبير الحال». وبعد اندلاع حرب أبريل 2023، وجدت كثير من النساء—فوق واقعهن القاسي أصلًا—أنفسهن في أوضاع أكثر هشاشة، سواء في معسكرات النزوح والملاجئ المؤقتة داخل السودان، أو كلاجئات في دول الجوار. وغالبًا ما كنّ من دون أزواجهن، الذين قُتلوا أو اعتُقلوا أو اختُطفوا على يد أحد أطراف القتال، أو قرروا البقاء في مناطق النزاع. فمثلًا، ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن نحو 77% من اللاجئين السودانيين الواصلين إلى شمال تشاد هم من النساء والأطفال (UNHCR، 2025). وبالمثل، قدّرت الحكومة المصرية أن نحو 75% من اللاجئين السودانيين المسجلين الذين وصلوا إلى أراضيها بين أبريل 2023 وديسمبر 2024 كانوا من النساء والأطفال (Refugee International، 2025).
ويظهر هذا النمط أيضًا بين المهاجرين، حيث هاجرت العديد من النساء والأطفال إلى دول أخرى غير مستقبِلة للاجئين، مثل السعودية وقطر والإمارات وعُمان وغيرها، إما بحثًا عن فرص عمل أو للإقامة مع أفراد الأسرة المباشرين هناك. ويمكن عزو هذا النمط إلى الارتفاع الكبير في معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال الحرب، مع الاستهداف المباشر للنساء؛ إضافة إلى أن «الوفيات والإصابات المرتبطة بالنزاعات تؤثر بصورة أكبر على الرجال، ما يؤدي إلى زيادة عدد الأسر التي تعيلها نساء» (IFPRI؛ UNDP، 2024). كما يشير مسح «الأثر الاجتماعي والاقتصادي للنزاع المسلح على الأسر الحضرية في السودان» إلى أن «بعض [الرجال] قد يختارون البقاء [في مناطق النزاع] بدافع تطلعات لمستقبل أفضل أو ارتباطهم بوطنهم» (المصدر نفسه). وقد يكون انخراط الرجال في أنشطة ريادية وانتهازية شاعت بفعل اقتصاد الحرب عاملًا آخر؛ إذ «أصبح العمل الحر أكثر شيوعًا أثناء النزاع، لا سيما بين رؤساء الأسر من الذكور» (المصدر نفسه). ويذهب آخرون إلى أن الحرب أسهمت في أزمة هوية عميقة لدى الرجال السودانيين، الذين كان دورهم الأساسي في الأسرة هو الإعالة والحماية، وهو ما عجزوا عن القيام به بعد الحرب، ما أدى إلى اغترابهم—وهو طرح لن أتطرق إليه هنا. وخلاصة القول إن كثيرًا من النساء، داخل السودان وخارجه، أصبحن المسؤولات الوحيدات عن الأسرة؛ بعضهن يتلقين تحويلات مالية من الأزواج أو أفراد الأسرة المباشرين أو الممتدة، بينما تُترك أخريات لتدبير كل شيء بمفردهن.
المرونة الهرمية الطبقية
في حين نهضت كثير من نساء الطبقة الوسطى هنا في القاهرة بهذه المسؤولية، وحظيت أنشطتهن بدعم واحتفاء واسعَين من المجتمعات السودانية وغير السودانية تحت شعار «المرونة». وهذا ليس زائفًا؛ غير أن لهذه المرونة «ضريبة»، تتمثل في توفر رأس المال للانطلاق في رحلة المرونة. وفي الوقت نفسه، بينما تُقام للنساء السودانيات في مدينة الرحاب1 بازارات فاخرة قد يصل متوسط سعر القطعة الواحدة فيها إلى ما يعادل 100 دولار أمريكي أو أكثر، نجد نساءً أخريات يحملن عشر ربطات من الخبز السوداني من المخبز المحلي ويجلسن قربه لساعات في شوارع بولاق الضيقة لكسب ثلاثين جنيهًا مصريًا يوميًا. ومع ذلك، تقتنع منظمات المجتمع المحلي والمنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية التي تعمل مع هؤلاء النساء بأن لا شيء سيُخرجهن من فقر الأحياء العشوائية سوى امتلاك مشروع صغير، متجاهلةً تمامًا الأسباب البنيوية للفقر، وعلى رأسها نقص رأس المال الاقتصادي والاجتماعي. وهكذا، فإلى جانب الجلوس في الشوارع لساعات لكسب دخل دون خط الفقر بكثير، يُطلب منهن أيضًا حضور كل ورشة عمل متاحة حول التسويق والبيع واكتساب مهارات وحِرَف جديدة، ثم العودة إلى المنزل لرعاية أسر يعتمد أفرادها اعتمادًا كاملًا عليهن ماليًا ورعائيًا، بما في ذلك ذوو الإعاقة والأطفال وكبار السن.
تاريخيًا، كانت النساء الفئة المستهدفة المفضلة للمنتجات المالية بسبب «إدارتهن الكفؤة للمال» (بارثاساراتي، 2012). وتدعم كثير من الأدبيات الرأي القائل إن النساء غالبًا ما يكنّ منضبطات، ما يؤدي إلى انخفاض مخاطر الائتمان. وتجادل د. بارثاساراتي أيضًا بأن هذا التصور تعزز عبر تفويض الأمم المتحدة لتمكين المرأة، الذي فتح الباب لوصم الائتمان الموجّه للنساء على أنه «تمكين»، مجادلةً بأن هذا النهج يُلقي بعبء التنمية على عاتق النساء الفقيرات (المصدر نفسه). ويضعهن ذلك في موقع الفئة المثالية المستهدفة والمستفيدة المحتملة من المنتجات المالية مثل التمويل الأصغر (MF) والائتمان الأصغر (MC)، لا سيما ذوات المهارات الحِرَفية أو المقيمات في المجتمعات الزراعية أو المنحدرات منها.
الفرق بين الائتمان المؤسسي والائتمان المجتمعي
تتمثل المشكلة الرئيسة للائتمان الأصغر المؤسسي في غياب الاستدامة. إذ يقوم هيكل هذا النظام بأكمله على خلق دورات اعتماد تُبقي المستفيدين في حالة دين ودورة من الاعتماد المتبادل. ويظهر ذلك بوضوح في المجتمعات الزراعية، حيث تحصل التعاونيات والجمعيات التي تقودها النساء أو المجتمع على ائتمان أصغر، إما نقدًا أو على شكل مدخلات زراعية، ليُسدَّد في نهاية الموسم، بزعم أنه يدعم هذه المجتمعات ويحافظ عليها. غير أن الواقع مختلف تمامًا؛ إذ تواجه هذه المجتمعات نقصًا في الدخل عند موعد السداد، خاصة إذا تأثر الموسم بالظروف المناخية أو الاقتصادية.
وتذكر جيهان عبد الله في دراستها لقرية الدقّاق بولاية شمال كردفان (2009–2010) أن مُحاوريها لم يفضلوا عمومًا الحصول على أموال أو ائتمان لأنهم «يخشون الإذلال الذي قد يواجهونه عند طلب المال أو عند عدم قدرتهم على السداد» (المصدر نفسه). ويفضلون أساليب الائتمان المحلية—مثل الصناديق، والشِّيل2 ، والاقتراض من الدكاكين المحلية، أو الائتمان من الأسرة والأصدقاء—على الائتمان المؤسسي، كالبنك الزراعي ومشروع الإيفاد للتنمية الريفية بشمال كردفان، الذي ثبت—بحسبها—عدم استدامته. ويتمثل العامل الرئيس الذي يقود للحاجة إلى الأدوات المالية في اعتماد المجتمع على الزراعة المطرية، ما يخلق هشاشة كبيرة مرتبطة بنجاح موسم الأمطار الذي يحدد نجاح الموسم الزراعي، إضافة إلى تعقيدات مرتبطة بتغير المناخ مثل الجفاف. وفي السياق الراهن، يمكن إضافة النزاع وعدم الاستقرار السياسي إلى قائمة التعقيدات.
وعند طلب ترتيب الخدمات المالية المتاحة في قرية الدقّاق، ذكر الناس أن الائتمان من الدكاكين المحلية هو خيارهم الأول، إذ يُنظر إليه كائتمان قصير الأجل بلا فائدة ويلبي الاحتياجات العاجلة، يليه الائتمان من الأقارب والأصدقاء، بوصفه أداة تضامن تعزز العلاقات الاجتماعية. وما يميز هذه وأشكال المساعدة المتبادلة المشابهة هو غياب الفائدة، غير أنها حساسة جدًا، إذ قد تتعطل العلاقة بتأخر السداد أو التعثر (المصدر نفسه).
وجاء «الشِّيل» في المرتبة التالية، ويُسدَّد عادة عينيًا. وخلال إجراء الدراسة، ذكر المشاركون أنهم كانوا يقترضون 50 جنيهًا سودانيًا من تجار الشِّيل في سبتمبر لتغطية احتياجات عاجلة، ويضطرون إلى سدادها في أكتوبر–نوفمبر على شكل جوال سمسم3 كان سعره آنذاك 105 جنيهات سودانية، ما يعني أن الشِّيل ينطوي على فائدة تتجاوز 100%. كما يتضمن ضامنًا يكون عادة أحد أفراد الأسرة (المصدر نفسه). وبسبب ارتفاع الفائدة والمخاطر المرتبطة بعدم ضمان الظروف الزراعية،لا يفضله المجتمع. والمفارقة أن الإيفاد حاولت جاهدة الحد من حاجة المجتمع إلى الشِّيل؛ غير أن جهودها أسفرت عن أن «أنجح المستفيدين من مشروع الإيفاد في الدقّاق أصبحوا الآن أشهر تجار الشِّيل» (المصدر نفسه).
وجاءت الصناديق في المرتبة الرابعة، وتُستخدم أساسًا من قبل النساء في الدقّاق، حيث تتوفر مجموعة من الصناديق وفق القدرات الاقتصادية للنساء، وتُستعمل لتحقيق قدر هامشي من الاستقلال المالي يضمن لهن مواجهة نقص الدخل الأسري مستقبلًا (المصدر نفسه).
بينما جاء مشروع الإيفاد والبنك الزراعي في ذيل القائمة، مع أنهما يقدمان خدمات مالية أكبر من الأساليب المحلية. وقد رأى عدد معتبر من المستجيبين أنهما الأفضل للاستثمار بسبب غياب الضمانات وسهولة الإجراءات؛ غير أنهما لم ينجحا في انتشال الناس من الفقر، واعتُبرا ضعيفين في استهداف الفئات الأكثر هشاشة. وانتهى المشروع في عام 2007 مع انسحاب الإيفاد، مخلفًا قصص نجاح قليلة لا تتناسب مع عدد المستفيدين.
وذكر جوليوس أحمد، الكاتب والباحث، أنه لا تتوافر حاليًا أدوات ائتمان في إقليم كردفان سوى مشروع صغير يديره المجلس النرويجي للاجئين (NRC) يقدّم مساعدات نقدية محدودة للأفراد لإجراء عمليات زراعية، ويستخدمها الأفراد —في الغالب— لتغطية نفقات المعيشة اليومية (مقابلة مع المؤلف، 2026). كما أن الائتمان الذي يقدمه البنك الزراعي في المنطقة—ومقره تقلي—يقتصر على بذور محسنة أو وقود، ويُسدَّد بعد الحصاد على شكل محاصيل (الذرة الرفيعة أو السمسم). إضافة إلى ذلك، ارتفعت تكلفة السَلَم4 من 56 ألفًا إلى 70 ألفًا، مقترنة بانعدام الأمن والسلامة، ما يدفع الناس إلى إهمال أراضيهم الزراعية والاكتفاء بزراعة الكفاف في ساحات منازلهم أو الأراضي القريبة منها. ويضيف أحمد أن هذه الهشاشة تفاقمت بسبب تغير المناخ؛ فالذرة الرفيعة تتطلب كثيرًا من المياه، ويبدأ موسم الأمطار عادة في منتصف مايو، وتبدأ الزراعة من يونيو حتى يوليو، ويمكن أيضًا زراعة السمسم في منتصف يوليو. وفي عام 2025 لم تهطل الأمطار بانتظام حتى يوليو، ما أعاق نجاح الموسم وحجم الإنتاج. كما يجادل أحمد بأن الزراعة في مشروع هبيلا الزراعي الكبير بجبال النوبة—الذي يغطي عادة أكثر من 70% من احتياجات الحبوب في إقليم كردفان الأكبر خلال الموسم الصيفي—قد توقفت (مقابلة مع المؤلف، 2026)، وهو ما أسهم في المجاعة بالمنطقة.
ويؤكد ذلك أن الأدوات المالية المتاحة سواء مشروع الإيفاد الذي انتهى قبل نحو عقد، أو نظام السَلَم في البنك الزراعي فشلت ولا تزال تفشل في انتشال الناس من الفقر، ويتجلى ذلك في الهشاشة الشديدة لسكان كردفان أمام الموسم الزراعي، وتضخم نسبة السَلَم، وكذلك في المجاعة المرتبطة مباشرة بنجاح الموسم الزراعي، المرتبط بدوره بتغير المناخ.
لماذا يفشل التمويل؟
وُجّه كثير من النقد إلى التمويل الأصغر، أساساً لأن هدفه الرئيسي تحوّل من معالجة الفقر البنيوي إلى تعميقه عبر التركيز على ربحية النظام ذاته (هولم 2008؛ شيرات 2016أ؛ رودمان 2011أ، كما ورد في بيتيلاينن 2019). وذهب بعضهم إلى حد القول إن «التمويل الأصغر يمنع الحد المستدام من الفقر والتنمية الاجتماعية» (باتمان، كما ورد في بيتيلاينن، 2019). كما تحوّل هدفه من خفض الفقر إلى «الشمول المالي» (المصدر نفسه).
تركّز دراسة بيتيلاينن على بنغلاديش؛ أما في السودان فليس التمويل الأصغر سائدًا بالقدر نفسه كما في شبه القارة الهندية. يجادل أحمد ونورين بأن عدد المستفيدين من مشاريع التمويل الأصغر في السودان قد ازداد في السنوات الأخيرة، ما يدل على الاهتمام والشعبية، أي أن «التمويل الأصغر أدى إلى التوظيف وتوفير فرص العمل الذاتي وأسهم في تقديم خدمات عديدة مثل السكن (الشعبي والاقتصادي)، والنقل (تمويل الركشات والتكتك والتاكسي والقلوري)، والتعليم (تمويل الرسوم الدراسية)» (2025). كما أدى إلى انتشار «الثقافة المصرفية»، وهو «قفزة نوعية» كبيرة (المصدر نفسه). ومع أن ذلك قد يكون صحيحًا على المدى القصير، فقد أثبتت دراسات عديدة أن التمويل الأصغر لا يحقق أثرًا ذا دلالة في خفض الفقر. وقد استُخدمت التجارب العشوائية المضبوطة (RCTs)—وهي أداة يروّج لها البنك الدولي—لدراسة الأثر طويل الأجل للتمويل الأصغر في الهند وإثيوبيا والبوسنة والمكسيك ومنغوليا، وكلها أثبتت عدم تحقيق «أثر ذي دلالة» (بيتيلاينن، 2019). كما وجد مسح «الأثر الاجتماعي والاقتصادي للنزاع المسلح على الأسر الحضرية في السودان» (2024) أن 14.6% من الأسر تلقت مساعدات نقدية أو عينية من الأسرة والأصدقاء، مقابل 4.6% فقط من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية، ما يؤكد فشل المساعدات الجماعية والأدوات المالية في الوصول إلى المجتمعات وكسب ثقتها وتحقيق نتائج مستدامة. وحتى فرص التمويل التي تستهدف الأنشطة «الريادية» تبحث عن أشخاص يمتلكون رأس مال ثقافيًا قائمًا (تعليمًا ومعرفةً وخبرة)، ما يستبعد الفقراء تلقائيًا لعدم امتلاكهم هذه الامتيازات. ويعزز هذا النوع من التمويل الهرمية الطبقية والاجتماعية القائمة.
نقد نسوي
اكتسبت الحركة النسوية السودانية زخمًا كبيرًا في السنوات الأخيرة منذ انطلاقتها في خمسينيات القرن الماضي، ما أسهم في تحقيق أهداف عديدة مثل إجازة الأمومة والتمثيل البرلماني وغيرها. إلا أن التيار السائد حاليًا—لا سيما في الفضاءات العامة الرقمية—يميل إلى النيوليبرالية ذات النزعة الراديكالية. ويرى هذا التيار أن التمكين الاقتصادي للنساء هو الأداة المؤدية إلى الاستقلال والتحرر، مقرونًا بالحرية الاقتصادية والمالية للأفراد، متجاهلًا—أو متعاميًا—عن أسئلة جوهرية ناقشناها أعلاه، بما في ذلك السياق الاجتماعي والثقافي، خاصة أن معظم هذه الأصوات الليبرالية الراديكالية تنطلق من المراكز الحضرية حيث تختلف الديناميات والسياقات اختلافًا كبيرًا عن مناطق أخرى تلعب فيها عوامل متعددة دورًا كبيرًا في تحديد الأدوار والمسؤوليات الجندرية، مثل المجتمعات الزراعية (المستقرة) مقابل الرعوية (البدوية). وتسعى هذه الرؤية إلى حشر جميع النساء في قالب واحد للتحرر واليقظة والتقدم، هو قالب المرأة النيوليبرالية الديمقراطية العلمانية. ومع أن هذا قد يكون مناسبًا لبعض النساء، فإن هذا الخيال المحدود وقصير النظر لتعريف النسوية يمارس أشكالًا مختلفة من العنف عبر التهميش الطبقي والثقافي، وينتج خطابًا عامًا منفصلًا عن واقع ملايين النساء في أطراف البلاد، اللواتي يواجهن مجموعة مختلفة من التحديات تتطلب أدوات مقاومة مختلفة. ويتسارع هذا الوضع بفعل عمل المنظمات الدولية العاملة في التنمية وتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث تنفذ مشاريع لا تتجاوز «تأشير» أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وتغفل استدامة «تمكين المرأة»، غير مكترثة بما يحدث لهؤلاء النساء بعد تلقيهن تدريبات مكثفة وتمويلًا محدودًا، في ظل علاقاتهن الأسرية والقرابية وظروفهن الاجتماعية والسياسية الخاصة.
إعادة تخيّل التمويل
لا تتطلب الأدوات والوسائل لانتشال النساء والمجتمعات من الفقر أي «قفزات نوعية»؛ بل تتطلب الانغماس والاستناد إلى المعرفة المحلية والثقافية للمجتمعات نفسها. فالمجاعات والجفاف والفيضانات ليست ظروفًا جديدة لم يختبرها السودانيون من قبل؛ بل هي أوضاع عاشتها المجتمعات وتجاوزتها على مدى عقود، ما أفضى إلى تطوير معرفة محلية وخبرات تقنية لكيفية التغلب عليها. والسؤال إذن: كيف يمكن التقاط هذه الحكمة المحلية/الثقافية وتطبيقها وقياسها وإعادة توظيفها على نحو سليم؟ وما أنواع المساندة الخارجية المطلوبة لنجاح مثل هذه المشاريع؟
كما أنني لا أدعو إلى «التقليدانية» بأي حال. فللنساء—في الريف والحضر—الحق في اختيار نمط الحياة الذي يتخيلنه ويشعرن بالارتياح معه من دون الشعور بالتنازل. ويبدأ ذلك، في رأيي، بالرفاه الاجتماعي. فإذا أرادت المرأة التي تعيش في جبال النوبة زراعة أرضها، فلها الحق في ذلك من دون المساس بحقها أو حق أسرتها في الحصول على رعاية صحية جيدة وتعليم وأمن وسلامة. وتتمثل العوائق الرئيسة أمام تحقق هذه التصورات في غياب الدولة التي يُفترض—في الحالة المُثلى—أن توفر هذه الخدمات. ومع ذلك، لا يعني هذا استحالة تحقق هذا السيناريو المتخيَّل؛ بل يعني أنه يتطلب تفكيرًا أكثر إبداعًا، ومعرفة محلية وثقافية أعمق.
الهوامش
-
مدينة مسوّرة مخصّصة للطبقة المتوسطة العليا إلى الطبقة العليا في القاهرة الجديدة.
-
«تلقي مبلغ صغير من المال عند الحاجة الماسّة في شهر سبتمبر» (عبد الله، 2009–2010)، حيث يُعدّ سبتمبر الشهر الذي يسبق الحصاد مباشرة.
-
لأن أسعار السمسم أكثر استقراراً مقارنة بالمحاصيل الأخرى (عبد الله، 2009–2010).
- عندما يدفع البنك الزراعي للمزارعين مبالغ مالية لتغطية العمليات الزراعية، ويسدّد المزارعون للبنك لاحقاً بعد الحصاد على شكل محاصيل بسعر متفق عليه.
قائمة المراجع
- Ahmed, M. Z., Norain, M., & Associate Professor of Economics – Faculty of Economics – Alzaeem Alazhari University – Sudan. (2025). The Economic and Social Impacts of the Microfinance Experience in Sudan. Journal of Economics, Finance And Management Studies, 08(11). https://doi.org/10.47191/jefms/v8-i11-22
- Fact-and-fiction-examining-microcreditmicrofinance-from-a-feminist-perspective. (n.d.). [Dataset]. https://doi.org/10.1163/2210-7975_HRD-9976-0008
- In Chad, refugee women shattered by war, surviving in makeshift tents—Chad | ReliefWeb. (2025, June 26). https://reliefweb.int/report/chad/chad-refugee-women-shattered-war-surviving-makeshift-tents
- Pietiläinen, S. (n.d.). The Failure of Microfinance to Reduce Poverty.
- The Socioeconomic Impact of Armed Conflict on Sudanese Urban Households, IFPRI & UNDP, 2024. https://www.undp.org/sites/g/files/zskgke326/files/2024-11
ثريا صالح
باحثة وكاتبة سودانية مقيمة في القاهرة، وتدرس حاليًا للحصول على درجة الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. تركز أبحاثها على الإسلام، والجندر، والهجرة، والثقافة، والإعلام، والتحول السياسي في السودان والمنطقة.



