يخضن حرباً أخرى
عن العنف الجنسي في سياق حرب الخامس عشر من أبريل
ملاذ حسن
صاحبَت الأحداثَ العسكريةَ في الخرطوم وبقية أرجاء وسط وغرب السودان عملياتُ عنفٍ جنسيٍّ مُمنهجة تجاه النساء. ومع تمدُّد الصراع يوماً عن يوم دَوّتْ صرخات النساء في منازل الخرطوم وأحيائها الفارغة من كل شيء سوى المظاهر العسكرية، وسمعت صداها الفارّات من جحيم اعتداءات الدعم السريع، ما بين شوارع الجنينة والحدود الغربية مع تشاد، فيما شاركتهنّ نساء الجزيرة بوسط البلاد المشاعر والبكاء في البلد المُصنَّف منذ ما قبل حرب 15 أبريل بأن أكثر من 3 ملايين امرأة وفتاة فيه مُعرّضات لخطر العنف المبني على النوع بما في ذلك العنف من قبل شركاء حيواتهن، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.
منذ اندلاع الصراع المُسلَّح في العاصمة الخرطوم، دفعت النساء في السودان أثماناً باهظة بدءاً من الخروج القسري من منازلهن، والنزوح لأكثر من مرة في عدة مناطق، وانتهاءً بتعرّضهن للعنف الجنسي المباشر كالاختطاف والاغتصاب.
ورغم تعدُّد أنواع العنف المُصاحبة لحرب 15 أبريل في السودان، إلا أن اغتصاب النساء والفتيات والطفلات في المناطق التي تشهد اقتتالاً في البلاد، يأتي في مقدمة الجرائم التي ارتُكبت وما زالت تُرتكب بحقهن.
وثقت تقارير أممية وصحفية عديدة، منذ الأشهر الأولى في الحرب، عمليات عنف جنسي بحق النساء في العاصمة الخرطوم بواسطة الدعم السريع، غير أن الإحصائيات المرصودة لا تمثل الأرقام الحقيقية بسبب صعوبة الوصول إلى جميع الضحايا وتوثيق الحالات دورياً، إضافة إلى أنه لا توجد آلية بلاغات موحدة فيما يتعلق بحوادث العنف، وأغلب القصص التي تصل إلى جهات متخصصة مثل وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، تعدُّ شكاوى أكثر من كونها بلاغاتٍ رسمية تُسجَّلُ في أقسام الشرطة، فأغلب الفتيات اللائي يتعرَّضْنَ للاغتصاب، يرفضن المُجاهرة به خشيةَ المجتمع والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاعتداء.
بعد مرور أقلِّ من شهرين على اندلاع الحرب، وثّقت تقارير الأمم المتحدة 21 حادثة عنف جنسي مُرتبط بالنزاع ضد ما لا يقل عن 57 امرأة وفتاة، فيما تزايدت تلك الحالات يوماً بعد يوم مع استمرار الصراع، واعتبرت أن الروايات المفزعة عن العنف الجنسي ليست سوى نزرٍ يسير من تلك التي تتكرر على نطاق واسع من البؤر الساخنة في جميع أنحاء البلاد.
كيف ينظر طرَفَا النزاع إلى النساء؟
لقوات الدعم السريع – شبه العسكرية – والقوات المسلحة السودانية، تاريخٌ قديم فيما يتعلق بانتهاكات الحروب في السودان. وأمثلُ شاهدٍ على ذلك، الاعتداءات التي صاحبت حرب دارفور المُشتعلة منذ العام 2003. بالنسبة للدعم السريع، فذاكرة الشعب السوداني تحفظ لها أرشيفاً شاسعاً في استهداف النساء على وجه الخصوص، إذ ظلت تمارس عمليات قتل واغتصاب طوال 20 عاماً في دارفور، وبعد نشوب حرب 15 أبريل العام الماضي امتدَّ عنفُها إلى ولايات ومناطق أخرى في الجزيرة والخرطوم ودارفور.
شملت المنهجية التي تستخدمها الدعم السريع خارج ميادين القتال العسكرية، اعتداءاتٍ على المدنيين عن طريق اقتحام منازلهم، وغالباً ما كان يُصاحب ذلك عمليات تهديد للنساء وترهيب واعتداء؛ فيما لم تُميِّز الاعتداءات بين الفتيات والنساء ولا المتقدمات في العمر.
وزادت قوات الدعم السريع من وحشية أساليب العنف التي تستخدمها ضد النساء، إذ باتت تُمارس عمليات إخفاء قسري واختطاف أمام أعين ذويهن أو قتلهن، فيما تحدثت تقارير صحفية عن حالات استغلال للنساء والفتيات وبيعهن في أسواق للرق في إقليم دارفور غربي البلاد.
أما الجيش السوداني، ورغم عدم توثيق ما يثبت ارتكابه عمليات عنف جنسي تجاه نساء في ظل الحرب الحالية، إلا أنه يمكن القول إنه مارس نوعاً من العنف النوعي المجتمعي، مُمثلاً في عمليات مضايقة وتشديد تجاه النساء اللائي يشتبه بانتمائهن للدعم السريع بناء على خلفياتهن الإثنية خاصة في تفاتيش وارتكازات المناطق التي تقع تحت سيطرته خارج العاصمة الخرطوم.
والتاريخ القريب يحفظ للطرفين عمليات اغتصاب واعتداء ارتكباها بحق النساء الموجودات في ميدان القيادة العامة، أثناء قيامهما بفض اعتصام المتظاهرات والمتظاهرين وسط العاصمة الخرطوم يونيو 2019، وانتهاكات بحق النساء اللائي شاركن في الاحتجاجات الواسعة ضد الانقلاب الذي نفَّذاه أيام تحالفهما ضد السلطة المدنية في حكومة ثورة ديسمبر 2018.
تاريخ العنف الجنسي في حروب السودان
تلجأ الجماعاتُ المُسلَّحةُ والقواتُ المتحاربةُ إلى العنف الجنسي في خضم النزاعات للسيطرة على المجتمعات المحلية وتخويفها، أو إجبارها على الانتقال من مكان إلى آخر، ويُستخدم بوصفه استراتيجيةً لتحقيق أهداف عسكرية، كما يعتبر الجنود الاغتصاب من غنائم الحرب.
ولا يقتصر العنف الجنسي على النساء والفتيات، فقد يطال عوائل هؤلاء المُعنّفات، ويُوقع ضحايا في صفوف أفرادها، إلى جانب ما يُسفر عنه من إصابات جسدية وصدمات نفسية يعاني منها الناجون والشهود. وقد يتسبب أيضاً في انقسامات إثنية وطائفية، وأغلب الناجيات منه، لا تتحقق لهن العدالة أبداً، كما أن الرجال والأطفال الذكور لم يسلموا أيضاً من العنف. ورغم قلة المعلومات الرسمية المتداولة والموثقة حول ما تعرضوا له، يُشار إلى أن رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، محمد شندي عثمان، قال في تصريح يونيو الماضي، إن فريق بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق التي أنشئت مؤخراً يتحقق من تقارير عن استعباد وتعذيب جنسي في مراكز احتجاز بما في ذلك لرجال وفتيان، فيما وثق التقرير السنوي الخامس عشر للأمين العام للأمم المتحدة حول العنف الجنسي المتصل بالنزاع أمام مجلس الأمن أواخر أبريل الماضي، تعرُّضَ رجلٍ وفتىً للاغتصاب في السودان، كما أشار التقرير الإحصائي الخامس لحملة معاً ضد الاغتصاب والعنف الجنسي مطلع يونيو الماضي إلى تسجيل حالة اغتصاب لرجل.
ويندرج العنف الجنسي في ظل الحروب والنزاعات المُسلَّحة، ضمن جرائم الحرب وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية – من بينها الاتفاقية الرابعة من جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 – التي تحظر بشدة الاعتداءات والجرائم الجنسية القسرية أثناء الحروب.
لم يكن العنف الجنسي في السودان وليداً لحرب 15 أبريل 2023 فحسب، إذ أطلقت حكومة الرئيس المخلوع، عمر البشير، أيادي الدعم السريع، التي كانت عبارة عن مليشيات بدوية صغيرة وقتها، على المجتمعات المُستقرّة في ولايات دارفور، وتعرّضت النساء والفتيات لعمليات اغتصاب وتهجير واسعة جراء ذلك.
وقبلها وثقت تقارير أممية وصحفية تنفيذ القوات المسلحة عمليات اغتصاب بحقِّ النساء في حرب الجنوب، ومشاركتها في عمليات العنف ضد النساء في دارفور.
ولأجهزة الدولة الأمنية في نظام الرئيس المعزول، عمر البشير، تاريخ طويل من الانتهاكات بحق النساء المُناهضات للسلطة، إذ مارست سياسات عنف عديدة على الناشطات السودانيات بينها الاعتقال والتهديد والترويع وغيرها من الأساليب التي عايشتها النساء المدافعات عن حقوق الإنسان، ودائماً ما كانت تجري محاولات إسكاتهن وإبعادهن عبر استغلال كونهن نساء.
بذلك، فإن العنف الجنسي المُمَارس من قِبَلِ طرفي النزاع ليس رهيناً بحرب 15 أبريل التي تتخذ سِمة الوحشية والدموية وانتهاك حقوق الإنسان، بل أقدم من ذلك بكثير.
جغرافيا العنف الجنسي في ظل الحرب
“رصدنا عدد 108 حالة عنف جنسي في مواجهة نساء وفتيات في الخرطوم، ونيالا والجنينة، 56 حالة منها موثقة في الخرطوم، و31 بجنوب دارفور و21 في الجنينة غرب دارفور خلال مائة يوم من الحرب”، قالت مديرة وحدة مكافحة العنف الجنسي ضد المرأة والطفل، سليمى إسحق، في تصريح صحفي يوليو العام الماضي، مشيرةً إلى أن أغلب إفادات الناجيات في معظم الحالات التي تم توثيقها أكدت أن الجناة كانوا من عناصر الدعم السريع.
ويوضح التصريح السابق وقوع حالات عنف جنسي مع دخول الحرب شهرها الرابع في مناطق أخرى غير الخرطوم، حيث تركزت عمليات الاغتصاب بدايات الصراع في العاصمة فقط، لكن مع توسع رقعة الحرب إلى ولايات أخرى جرت اعتداءات مشابهة في بقاع (الجزيرة، دارفور، ولاية سنار، كردفان).
“قوات الدعم السريع اغتصبت وأرهبت النساء والفتيات وأجبرتهن على الزواج في المناطق السكنية في العاصمة الخرطوم”، قالت نائبة مديرة قسم إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش، لاتيشيا بدر، في تقرير أصدرته المنظمة أواخر يوليو بعنوان: (الخرطوم لم تعد آمنة للنساء: العنف الجنسي ضد النساء والفتيات في عاصمة السودان). وكشفت فيه عن توثيقها إفادات 18 فرداً من مقدمي الرعاية الصحية لضحايا عنف جنسي، مُشيرةً إلى أنهم أكدوا تعرض 262 ضحية تتراوح أعمارهم بين 9 أعوام و60 عاماً منذ بداية النزاع وحتى فبراير الماضي.
في ولاية غرب دارفور استخدمت الدعم السريع العنف الجنسي أداةً لتصفية حسابات عرقية وتنفيذ عمليات إبادة جماعية بحق نساء قبيلة المساليت وتهجير السكان، إذ أشارت تقارير أممية وصحفية إلى أن المنطقة وقعت بها حالات اعتداء بحق عشرات النساء، هذا إن لم يكن بالمئات.
وتُعدُّ الجنينة التي انتقلت إليها الحرب بعد عشرة أيام من اندلاعها في الخرطوم، من أكثر المناطق التي شهدت عمليات عنف جنسي مُروعة في الفترة من 24 أبريل وحتى 12 يونيو العام الماضي، إذ وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش تعرّض 78 ضحية أو ناجية من الاغتصاب للعنف الجنسي في عاصمة غرب دارفور وفي الطريق إلى تشاد.
أيضاً وثقت الأمم المتحدة أعمال عنف جنسي ضد ما لا يقل عن 53 امرأة وفتاة أغلبهن من قبيلة المساليت، وكشفت على لسان مفوضها، فولكر تورك، أن ما بين 18 و 20 امرأة اغتُصبن في هجوم واحد على يد قوات الدعم السريع.
وفي يوليو الماضي قالت منظمة أطباء بلا حدود، إنها وثقت 135 حالة عنف جنسي في مستشفى بشرق تشاد، مُوضحةً أن جميع الناجيات من النساء والفتيات تتراوح أعمارهن ما بين 14 عاماً و40 عاماً، 50% منهم تعرضن للاعتداء في منازلهن.
وأواخر العام الماضي، اجتاحت الدعم السريع ولاية الجزيرة وانسحب الجيش منها دون قتال. وشهدت الولاية عمليات استباحة واسعة بحق المواطنين، لم تسلم منها النساء. وتحدثت لجان المقاومة الحصاحيصا عن حالات اعتداء مصاحبة لهجماتها في قرى الجزيرة.
واضطرت أعمال العنف التي نفذتها الدعم السريع في ولاية الجزيرة الأهالي إلى ترحيل بناتهم وزوجاتهم خارج الولاية المنكوبة منذ أكثر من نصف عام، تجنباً لحوادث العنف الجنسي، بعد أن عملت الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها على استخدامهن وسيلةً لإذلال أقاربهن وأزواجهن.
وفي 22 يوليو الماضي، كشفت شبكة صيحة في تقريرها: (ولاية الجزيرة حيث الفظائع الجنسية)، عن توثيقها 14 حالة حمل غير مرغوب فيه، ضمن 75 حالة اغتصاب وعنف جنسي بولاية الجزيرة وسط السودان، من أصل 250 حالة سجلتها في بقاع أخرى من البلاد منذ اندلاع الحرب. وأصدرت شبكة صيحة في الثامن من يوليو بياناً أشارت فيه إلى تلقيها تقاريرَ حول جرائم عنف جنسي بما في ذلك الاغتصاب في مدينتي سنجة وسنار، وأوضحت أنها بصدد الوصول إلى الضحايا. وتمددت قوات الدعم السريع منذ التاسع والعشرين من يونيو الماضي، بولاية سنار جنوب شرقي السودان.
طالت عمليات العنف أيضاً عشرات النساء من جنوب السودان، وكن مقيمات في الخرطوم، مما اضطرهن للعودة إلى الجنوب. ووفق تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للإسكان في يوليو الماضي، فقد أدلت عدد من النساء الجنوبسودانيات الموجودات في مركز عبور بولوكات المجاور لميناء ملكال على الحدود الجنوبية السودانية، بعد فرارهن من الحرب في الخرطوم، بشهادات حول تعرّضهن وتعرّض أقارب لهن للعنف الجنسي في أم درمان والخرطوم.
وفي أواخر مارس الماضي، قالت شبكة نساء القرن الأفريقي (صيحة)، إنها رصدت حزمة من الانتهاكات التي وقعت في جنوب كردفان وإقليم جبال النوبة، مُؤكدةً تورط قوات الدعم السريع في تلك الأحداث المُتكرِّرة، ووصفتها بـ “الشكل المنهجي الذي يهدف إلى تهجير المزارعين والقضاء على وجودهم”.
أيضاً كشفت، المديرة الإقليمية للشبكة، هالة الكارب، في تصريح لـ “سودان تربيون”، عن تفشي ظاهرة اختطاف البنات من مجتمعات العمال الزراعيين والزواج القسري للطفلات من قبل أفراد الدعم السريع، ومن ثم اخفائهن عن أسرهن.
كما أفادت الشبكة في تقرير لها بتاريخ 22 مارس الماضي بعنوان “جنوب كردفان وجبال النوبة، مليشيا الدعم السريع تواصل ارتكاب الفظاعات”، بأن قوات الدعم السريع هاجمت نهاية ديسمبر الماضي محلية هبيلا في جنوب كردفان وعدداً من القرى، مما تسبَّبَ في مقتل ونزوح آلاف النساء، فيما أشار التقرير إلى هجوم للدعم السريع على مجتمعات المُزارعين المُسالمين في مناطق التنقل والزلطاية، بجنوب كردفان في التاسع من فبراير الماضي، نتج عنه اختطاف ثلاث عشرة فتاة أعمارهن بين 17 و 30 عاماً، وجرى اقتيادهن إلى محلية القوز التي تسيطر عليها الدعم السريع.
أبرز الحالات خلال الحرب
ـ في 16 مايو 2023 أكدت غرفة طوارئ أم درمان القديمة ومجموعة محامو الطوارئ وقوع حالتي اغتصاب لفتاتين من ذوات الجنسية الأجنبية بواسطة قوات الدعم السريع، كانتا تقيمان في السكن الداخلي لهيئة التدريس بجامعة الأحفاد، بعد اقتحامها لمقر الجامعة في 13 مايو.
ـ مطلع يوليو العام الماضي، أعلن المكتب الإعلامي لغرفة الطوارئ المشتركة بحلفاية الملوك في مدينة بحري، عن اختطاف فتاتين في الحلفايا من قِبَلِ قوات الدعم السريع، قبل أن ينخرط أهالي المنطقة في جهود شعبية لاستعادتهن أسفرت عن إرجاعهن بعد خمس ساعات.
ـ بتاريخ 28 أغسطس الماضي استقبل مستشفى بشائر جنوبي الخرطوم حالتَي اغتصاب لفتاتين إحداهما تبلغ 15 عاماً والأخرى 29 عاماً وفق ما ذكر إعلام غرفة طوارئ جنوب الحزام.
ـ في 13 سبتمبر، أكدت لجان مقاومة امتداد ناصر اغتصاب ثلاث فتيات بواسطة قوات الدعم السريع، ودعمتها تقارير صحفية أفادت بوقوع حالتين بمنطقة السريحة بناصر والثالثة في مربع 5 ببري.
ـ أواخر سبتمبر الماضي حصلت صحيفة القدس العربي على شهادات من ناشطين وحقوقيين تؤكد وجود أسواق للرق في مناطق بشمال وغرب وجنوب دارفور، يجري فيها بيع النساء المختطفات قسراً من قِبَلِ قوات الدعم السريع أو طلب فدية لإرجاعهن بحوالي مليون جنيه سوداني. وكشف التقرير عن إجبار المختطفات على أداء مهام مُختلفة، منها الطبخ وغسل ثياب الجنود وعلاج الجرحى في ظروف صحية وأمنية رديئة للغاية.
ـ في 28 سبتمبر 2023 اتهم متطوعون عناصر الدعم السريع باغتصاب عضوة في غرفة طوارئ الخرطوم بحري تحت تهديد السلاح أثناء عملها في حصر احتياجات المتضررين من النزاع العسكري في المنطقة.
ـ في أكتوبر الماضي كشف موقع “سودان تربيون” الإخباري نقلاً عن مصادر موثوقة، تعرُّض طبيبة للاغتصاب في الخرطوم بحري على يد أفراد من الدعم السريع، وهي في طريقها إلى المنزل بعد نهاية دوام العمل. وأوضح الموقع أنها تلقت علاجها في أحد مراكز الإيواء بود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، قبل أن يجري ترحيلها إلى أقاربها.
ـ في الثاني من أكتوبر العام الماضي، وثّقت غرفة طوارئ الجريف غرب اغتيال قوات الدعم السريع للناشطة الطوعية، سهام حسن مصطفى، وقالت إن الدعم السريع نفذت مداهمة لمنزلها وقتلتها أثناء محاولتها حماية أسرتها، فيما كشفت عن اغتصاب سيدة أخرى في ذات الحي.
ـ في مارس الماضي تعرَّضت مُمرِّضة في مستشفى الحصاحيصا للاغتصاب بواسطة الدعم السريع، مما دفع الأطباء لتنفيذ إضراب لثلاثة أيام، اعتراضاً على الحادثة.
ـ منتصف مارس الماضي اتهمت غرفة طوارئ بحري، طرَفَي النزاع بارتكاب حالات اغتصاب جماعي – لم تحدد أرقام – يتعرّض لها النساء والرجال من سن 10 إلى 17 عاماً، فيما قالت إن حالات الانتحار وسط السيدات في تزايد.
ـ في 11 أبريل الماضي خلّفت جريمة اغتصاب نفذتها الدعم السريع لفتاة في جزيرة توتي المحاصرة، موجة احتجاجات واسعة وسط المواطنين والمواطنات بعد صلاة عيد الفطر، وفتحت الدعم السريع النار عليهم مما تسبب في مقتل طفل وإصابة 6 آخرين.
يُضاف إلى ذلك التقارير التي صدرت من منظمات محلية وعالمية معنيَّة برصد العنف الجنسي ضد النساء حتى يوليو الماضي والتي أشار إليها التقرير مُسبقاً.
إجهاض بشروط
لا تُعاني الضحايا من غياب الهياكل القانونية والقضائية في مناطق النزاع واستحالة الحصول على العدالة والحماية فحسب، بل يُفاقم القانون الجنائي السوداني أزمة اللائي تعرضن لحوادث اغتصاب، فقد أشار محاميات ومحامون في تصريحات صحفية، إلى أن القانون السوداني يُجرم الإجهاض بعد مرور 90 يوماً وفق المادة 135 المعنية بالإجهاض في القانون الجنائي للعام 1991.
ويُعد الإجهاض في القانون السوداني جريمة يُحاسَبُ عليها، ويُمنح استثناء الإجهاض القانوني في حالتين هما الحمل نتيجة للاغتصاب أو عند تقديم تقرير طبي يثبت خطورة الحمل على الأم من طبيبها، وكلتا الحالتين في مدة لا تتجاوز 90 يوماً.
ودفعت حوادث العنف الجنسي بعضَ النساء الموجودات في الخرطوم إلى أخذ وصفات منزلية تمنع الحمل، تحسباً لتعرضهن للاغتصاب في ظل صعوبة وصول المسعفين والمتطوعين لمناطق الحوادث بسبب المعيقات الأمنية والمخاطر التي تواجههم، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات لإسعافهن وشح المعدات والعقارات الطبية، مما يجعلهن يعلمن بالحمل بعد فترة طويلة، وفي بعض الحالات يضحي من المستحيل الوصول لمعينات الإجهاض قبل مرور الـ 90 يوماً.
وتجدر الإشارة هنا، إلى ضعف إمكانيات الدولة وشح التمويل الدولي المُخصَّص لتوفير بيئات آمنة للمُعنّفات اللائي أُجبرن على الإجهاض أو من اخترن الإنجاب وتحمل مسؤولية الأطفال، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، أو إتاحة أنشطة مُدرَّة للدخل، وتوفير أوراق ثبوتية لهوية الأولاد.
فرغم تصريح ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان، محمد الأمين، حول وجود 41 شريكاً يعملون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان لمساعدة الناجيات وتوفير الدعم اللازم للمُعنَّفات؛ إلا أنه عاد وقال إن مجال المنظمات التي تعمل في مكافحة العنف ضد النساء يعتبر أقلَّ المحاور تمويلاً في خطة الاحتياجات التي يجري اعتمادُها سنوياً من المنظمات الإنسانية في السودان، ونوه إلى أن التمويل الآن ضعيف جداً ويُقارب حدود 18% من الحاجة المالية فقط.
تحركات نسوية رغم التحديات
“لا تؤخذ حيوات النساء وما يحدث لهن بالجدية الكافية، ويجري التعامل مع النساء باعتبارهن أضراراً جانبية”، هذا ما قالته المديرة الإقليمية للمبادرة الاستراتيجية للمرأة في القرن الأفريقي، هالة الكارب، أثناء مشاركتها في جلسة لمجلس الأمن بمناسبة الذكرى السنوية للقرار رقم 1325 بشأن المرأة والسلم والأمن نوفمبر الماضي.
ووصفت في إضاءتها ما يحدث في السودان بالانتهاك الصارخ الذي تُستخدم فيه أجساد النساء وحيواتهن كتكتيك للحرب، قائلة إن ما جرى ارتكابه في الحرب يرقى للإبادة الجماعية داعية المجتمع الدولي للتحرك لحماية النساء السودانيات من العنف الجنسي.
في منتصف أبريل الماضي عقدت مجموعات ومنظمات نسوية عدة لقاءات مع الاتحاد الأوروبي، انتهت بتقديمها مقترحات بقيام مؤتمر عام يُناقش أوضاع المرأة في ظل الحرب، وإنشاء منصة نسوية لطرح أجندة المرأة والالتفاف حولها وتوثيق الانتهاكات التي طالتها بالتركيز على جرائم العنف الجنسي والخطف القسري فيما أمنت مندوبة الاتحاد الأوروبي، أمينة الرشيد، على إقامة مؤتمر نسوي شامل يُراعي التنوع الجغرافي والثقافي، ويعكس الانتهاكات التي طالت النساء في الحرب.
وفي مايو الماضي شكَّلَت النساء حضوراً لافتاً في الورشة النسوية لمؤتمر تنسيقية القوى المدنية والديمقراطية “تقدم”، المُقام في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إذ اجتمعت 180 امرأة من جملة 600 مشارك، تساوي نسبة الـ40% من المشاركين وخرجن بـ 27 توصية عن بناء الثقة وقضايا المؤتمر.
غير أن هذا الحراك النسوي الذي تقوده كتلٌ نسائيةٌ عديدةٌ منذ بداية الحرب، لا يؤتي ثماره بالشكل المطلوب، بسبب عدم استجابة طرفي الحرب لدعوات إيقاف الحرب وانتهاكاتها، وعدم الاكتراث لحجم القضية والضرر الذي لحق بالنساء على وجه التحديد من الصراع.
وضمن جهودها لحظر العنف الجنسي في السودان، أعلنت حملة “معاً ضد الاغتصاب والعنف الجنسي”، عن طرحها صكّ التزام حظر العنف الجنسي بوصفه تعهّداً رسمياً وطوعياً لطرفي القتال والحركات المسلحة في مايو الماضي، وقالت إنها شرعت في الاتصال بأطراف القتال، بجانب الحركات المُسلَّحة للتوقيع.
لماذا يستمر العنف؟
ورغم كل التحركات التي تجري في السياق، ما تزال النساء تدفع ثمناً باهظاً لتواطؤ الطرفين، وتجاهلهما أهمية حمايتهن بجانب غياب القانون الذي يضمن لهن حقوقهن مما جعلهن هدفاً مستمراً لفوضى الجيوش تلك؛ إذ تستمر حالات الاعتداءات بحق النساء السودانيات حتى اللحظة. وذكرت مجموعة من الحقوقيين والمناهضين للاغتصاب المنضوين تحت لواء حملة “معاً ضد الاغتصاب والعنف الجنسي”، أن عدد الحالات الموثقة لديهم منذ 15 أبريل 2023 وحتى 30 مايو 2024 بلغت 423 حالة عنف جنسي في مختلف أنحاء السودان.
في الأثناء صرحت سليمى إسحق، مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، التي تنشط في رصد الانتهاكات ضد النساء والفتيات منذ ما قبل الحرب الحالية، في اليوم العالمي للعنف الجنسي 18 يونيو الماضي لصحيفة التغيير الإلكترونية بأن عدد الحالات المسجلة بالوحدة وصل إلى 191 حالة منذ بداية الحرب، مُشيرةً إلى أن الرقم لا يشمل الحالات غير المُبلَّغ عنها في مناطق مثل الجزيرة ودارفور ولا تغطي الفترة الأولى من الحرب في الخرطوم أو مناطق الجنينة ونيالا وشمال كردفان.
ويعود سبب استمرار معاناة النساء إلى اكتفاء المجتمع الدولي بمراقبة الوضع والتنديد فقط دون التحرّك وتقديم دعم فعلي على أرض الواقع، إضافة إلى عدم تمكن النساء، رغم محاولاتهن المستمرة، من حجز مقاعد تمثيل كثيرة في الجلسات السياسية للقوى المدنية والحزبية، وانعدام سُبل التواصل المباشر بينهن وبين طرفي النزاع، إضافة إلى استمرار الصمت حيال جرائم العنف الجنسي.
ولكن مع ذلك، ورغم العراقيل والتحديات، ينبغي بحكم الضرورة، أن تواصل النساء في مجهودات تغيير واقع العنف الجنسي والعنف المبني على النوع الاجتماعي، وذلك عبر توثيق الانتهاكات في الإعلام والمنصات المختلفة، وتسليط الضوء عليه على نحو مستمر، بالرصد والمتابعة واقتحام مراكز صنع القرار والانخراط في محادثات السلام والمفاوضات والسعي إلى معاقبة مرتكبي جرائم العنف الجنسي.
ولأن في الاتحاد قوة والقضية واحدة همها النساء، يجب خلق أرضية لتكوين التكتلات النسوية المشتركة، والخروج بأجسام تناهض الاعتداءات والعمل على تجهيز الانتهاكات الموثقة عن العنف الجنسي لعرضها في المحافل الدولية باستمرار، ولفت انتباه العالم لما تتعرض له النساء في السودان لدحر سنوات عديدة من تاريخ البلاد الطويل في إفلات الجناة من العدالة والمساءلة



