البيت كذات مُهجّرة

البيت كذات مُهجّرة

سحر الام في تشكيل الهوية والانتماء

محمد ود السك

البيت، كمفهومٍ وجودي وثقافي، ليس مجرد مأوى مادي نعود إليه بعد يوم طويل، إنه مكان يتشكل فيه شعور الانتماء والاستقرار، وبالنسبة للنازحين/ات الذين أُجبروا على مغادرة ديارهم بسبب الحروب والنزاعات، يصبح البيت فكرةً مشحونة بالحنين والتناقضات، كورطة عاطفية تحاصر الوعي في سياق النزوح والاقتلاع من الجذور، إذ يواجه النازحين في مثل هذه الظروف سؤالاً محورياً: كيف يمكن إعادة بناء البيت في ظل حالة الانقطاع والانهيار الاجتماعي؟

أعادت الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 تشكيل حياة الملايين، بعد نزوح الكثيرين داخلياً أو من عبروا الحدود إلى الدول المجاورة مثل يوغندا، مصر، وتشاد. ليصبح مفهوم البيت في هذا السياق معقداً ومليئاً بالتوترات، وهو هذا لا يعني فقط فقدان البيت/المأوى، بل فقدان الشبكات الاجتماعية، القرب من الأماكن المألوفة، وحتى الهوية التي تتجذر في المكان، والنازحون/ات اليوم يعيشون في مساحات مؤقتة مثل المخيمات أو المساكن المؤقتة التي تفتقر غالباً إلى الخصوصية، ليصبحوا في مواجهة مباشرة مع هشاشة حالتهم الراهنة.

وفي هذه المخيمات، غالباً ما تذوب الحدود بين الفضاءات العامة والخاصة، وتُختزل الحياة فقط في توفر الضروريات الأساسية مثل الغذاء والماء والصحة، وتُهمل احتياجات الراحة النفسية والاستقرار العاطفي. وفي هذه الظروف/الشروط تجد النساء، بشكل خاص، أنفسهن في قلب هذه الورطة، لأن أدوارهن التقليدية المتعلقة برعاية الأسرة ستُثقل عليهن أكثر، فبدلاً أن يكون البيت مكاناً يوفر الحماية والاستقرار، يصبح إيجاده عبئاً إضافياً، مع محاولاتهن إعادة إنتاج حياة يومية، كالتنقيب عن الطعام، رعاية الأسرة، تنظيف الأماكن، وإيجاد مساحات للأطفال للعب والتعلم إن وجدا. وهذه المحاولات ليست مجرد أدوار اجتماعية، بل هي أفعال مقاومة تتبدى فيها قدرة النساء على التكيف وإعادة بناء الحياة رغم القهر والموت والتحديات.

وعلى الصعيد الجسدي، قد تضطر النساء للعمل في أعمال شاقة تفوق قدرتهن، مثل السير لمسافات طويلة للحصول على الماء، أو العمل في بيئات غير آمنة ومهينة لتأمين الدخل. كما أن العيش في مخيمات مكتظة أو مساكن غير مهيأة يُفقدهن الخصوصية والكرامة، مما يزيد من إحساسهن بالاستغلال والضعف. وإلى جانب الأعباء الجسدية هناك تحديات نفسية كبيرة، تتمثل في تحمل عبء الحفاظ على استقرار الأسرة العاطفي، وسط شعور دائم بعدم الأمان والخوف من المستقبل، الشعور بالعجز والضغط النفسي الناتج عن المسؤوليات المتراكمة، كلها عوامل تزيد من التحديات التي تواجهها النساء في اللجوء. وبالنسبة للكثيرات يتحول البيت، في شروط النزوح، إلى عبء نفسي يثقل عليهن، خاصة مع غياب الدعم الكافي من المجتمع أو المنظمات. ويزيد من هذا العبء النفسي حدة، الصعوبات اليومية مثل توفير الغذاء، المياه النظيفة، والرعاية الصحية، حتي ليصل بها الحال للشعور بالعجز أو الذنب، خاصة عندما تعجز المرأة عن توفير احتياجات الأسرة أو تأمين مستقبل أطفالها.

ومن الناحية النفسية تأخذ فكرة البيت في تجربة اللجوء أبعاداً رمزية، فهو يمثل الحنين إلى الماضي والأمان المفقود، كما يحمل أيضاً تذكيراً قاسياً بالاقتلاع والحرمان، وبالنسبة لكثيرين/ات، تتحول فكرة البيت، إلى عبء نفسي يُثقل على الذاكرة والوجدان. لكن النزوح من جهة أخرى، يساهم في إعادة تشكيل مفهوم البيت بطرق غير متوقعة، في سياق البحث عن الاستقرار، حيث تنشأ روابطاً جديدة وتتحقق أشكالاً مبتكرة من التعايش الجماعي، فالنازحون غالباً ما يجدون أنفسهم مضطرين لتوسيع مفهوم الأسرة أو المجتمع، ليشمل زملاء النزوح أو أفراداً من المجتمعات المضيفة، وفي هذه الحالات، يتحول البيت من مكانٍ مادي إلى حالة شعورية قائمة على الروابط الاجتماعية والتضامن.

التحدي الأكبر في هذا السياق يكمن في غياب السياسات الداعمة التي تتيح للنازحين إعادة بناء حياتهم، إذ تركز الدول المضيفة والمنظمات الدولية في الغالب، على تقديم المساعدات الطارئة دون الالتفات إلى الاحتياجات طويلة الأجل، مثل بناء منازل دائمة أو توفير الخدمات الأساسية، وهذا التركيز على الإغاثة الفورية يعمّق الشعور بعدم الاستقرار، ويؤجل إمكانية استعادة معنى البيت كفضاء آمن ومستدام. عليه فالحلول لهذه الإشكالية تتطلب تحولاً في مقاربات التعامل مع النزوح/اللجوء، بأن تركز السياسات على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين، مع ضمان الوصول إلى سكن لائق يحترم الخصوصية والكرامة الإنسانية، كما يجب تمكين النازحين من المشاركة في تخطيط وتنفيذ الحلول السكنية، حتى يشعروا بالملكية والارتباط بالمكان الجديد، إذ يمكن أن تساعد هذا المقاربة أو هذا النهج في تحويل تجربة النزوح من مأساة إلى فرصة لإعادة بناء الحياة بطريقة أكثر شمولية وعدالة.

يلعب الفن والثقافة، إلى جانب ماسبق ذكره عن السياسات، دوراً محورياً في إعادة تعريف مفهوم البيت، فالأدب والسينما والموسيقى يمكنهم أن يكونوا وسيلة للتعبير عن المشاعر المعقدة المرتبطة بالنزوح، وخلق مساحة للتأمل الجماعي حول معاني الانتماء والجذور. وفي السودان تظهر مبادرات فنية كالتي تقودها شبكات الفنانين السودانيين في مدينة بورتسودان، عاصمة الحرب البديلة، تعمل على خلق فضاءات آمنة لثقافة السلام وبذر المحبة وتنفس الحرية عبر الفنون التي يستثمرها الشباب خاصة، كوسيلة لإعادة إحياء الروابط المجتمعية وتقديم سرديات بديلة حول تجربة النزوح وبشاعة الحرب.

الأم كوجه انطولوجي للبيت

في سياقات النزوح والأزمات الإنسانية، يتحول البيت من كونه مكاناً مادياً يمثل الأمان والاستقرار إلى فكرة غامضة تنتقل من مكان لآخر مع العائلات المُهجرة قسرياً، ووسط هذا التحول تظهر الأم كبديل أنطولوجي دائم لمفهوم البيت، مما يجعلها العامل الذي يعيد تشكيل أسس الهوية والانتماء وسط العوائق الثقافية والمكانية، لأن دورها يمتد ليشمل أكثر من مجرد العناية البدنية، ليتجاوزها إلى حفظ الهوية والتقاليد في وسط هذه الظروف القاسية. فالبيت، كما يراه الفيلسوف مارتن هايدغر في سياقات مختلفة، ليس مجرد مأوى مادي بل هو “البيت الذي يوجد فيه الإنسان”. وهو يمثل مكاناً يقدم للإنسان الأمان ويعزز وجوده، لكن عندما يتلاشى هذا المعنى بسبب النزوح، يتحول البيت إلى غياب مادي يعكس الفقدان وغياب الاستقرار، ففقدان البيت يخلق شعوراً بالفراغ الوجودي، حيث تلتبس الحدود بين المكان والزمان، وتختلط اللحظات الحاضرة بالذكريات الماضية، وهذه هي اللحظات الوحيدة التي يحب فيها الإنسان الحر السجن؛ أن يُلقي بنفسه خلف أسوار الأمان المقنع بتكتيكات الذاكرة الدفاعية، ما يشكل ورطة لانهائية وضغطاً نفسياً هائلاً على الأفراد.

وفي ظل ذلك الفراغ الوجودي، تصبح الأم هي الرابط الثابت الذي يعيد تخليق مفهوم البيت. فمن خلال دورها الرمزي، تتحول الأم إلى مكان روحاني يقدم شعوراً بالأمان بعيداً عن الحدود المادية للمكان، كما يحمل هذا الدور قيمة إضافية في سياقات النزوح، حيث تصبح الأم رمزاً للثبات والانتماء، وذات دور محوري في إعادة تخليق الحياة اليومية لأفراد الأسرة. وفي المخيمات أو البيئات غير المستقرة، قد لا يكون هناك مكان خاص للفرد، لكن وجود الأم يوفر “فضاءً آمناً” يعيد للناس جزءاً من هويتهم ويؤسس لاستمرارية حياتهم رغم التقلبات. خاصةً ان الحفاظ على الهوية، في ظروف النزوح، يكون تحدياً كبيراً، إلا أن الأم تظل تحمل هذه الهوية الثقافية والوجدانية وهي التي تزرع في أطفالها القيم والتقاليد وتحيطهم بالدفء، وتحمي الذاكرة الجمعية للأسرة من الضياع من خلال سرد القصص والحكايات عن الأجداد والأماكن التي كانت ملاذاً لهم.

في المخيمات، يصبح دور الأم أكثر أهمية في الحفاظ على الثقافة المحلية وضمان استمرارها بين الأجيال الجديدة، من خلال ابتكار حلول جديدة للتكيف مع الظروف الصعبة، تصبح الأمهات في المخيمات أو في سياقات اللجوء قياديات لمجتمعات مصغرة، تجمع أفراد الأسرة والجيران في شبكات دعم جماعية، قد لا تكون قادرة على تغيير الواقع المادي للمكان أو تقديم حلول جذرية للوضع، لكنهن يقدمن رسالة قوية من خلال قدرتهن على مقاومة التفكك والضياع، وفي كل لحظة من لحظات الحياة اليومية، يظهر دور الأم في تشكيل الأسرة كخلايا مقاومة ضد فقدان الهوية والتشتت الاجتماعي. إن غياب البيت المادي في سياقات النزوح لا يعني بالضرورة فقدان مفهوم الاستقرار والهوية، إذ تظل الأم هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، وهي الكائن الذي يربط الأفراد بماضيهم وحاضرهم، ويعيد تعريف البيت كفضاء معنوي يتجاوز الجدران، في هذا السياق، تتحول الأم إلى “البيت” الذي يعيد بناء الهوية، ويحافظ على الاستمرارية، ويُمثل الجسر العاطفي بين الأفراد وسط التحديات والأزمات؛ لتكون جسر العزاءات البديع وسط هذه الحروب العبثية.

محمد ود السك
المقالات +

شاعر وقاص مهتم بالبحث العلمي والكتابة الصحفية