مركزة صحة النساء
مبادرات الصحة الإنجابية والجنسية في حرب السودان
هديل بنداري
منذ اندلاع حرب 15 أبريل في السودان، تحولت الحياة اليومية للمواطنين خاصة النساء والأطفال إلى صراع مستمر من أجل البقاء والكرامة. وفي خضم هذا الواقع القاسي، حيث تنهار البنى التحتية وتتلاشى الخدمات الأساسية وتغيب الدولة، برزت مبادرات الصحة الإنجابية والجنسية كشكل حيوي من أشكال الاستجابة الإنسانية الطارئة. هذه المبادرات لم تكن مجرد استجابة لضرورات صحية ملحة، بل تجسدت كفعل مقاومة عميق، وممارسة سياسية واجتماعية تؤكد على مركزية اقتصاد الرعاية كبديل يعيد تعريف أولويات البقاء والكرامة.
تتجاوز أهمية هذه المبادرات مجرد تقديم الخدمات الطبية؛ فهي تمثل تجسيدًا حيًا لأخلاقيات الرعاية، المرتكزة على العلاقات الإنسانية، والتعاطف والمسؤولية المتبادلة (غليغان 1982). في سياق النزاعات، حيث تتزايد هشاشة الأفراد وتتفاقم معاناتهم، تصبح مجموعات الرعاية هذه بمثابة شبكات أمان اجتماعي، تعيد بناء الثقة والتضامن بين أفراد المجتمع. حيث إنها لا تقدم فقط الدعم المادي والمعنوي، بل تعزز الشعور بالانتماء والكرامة (سوتنيك وآخرون، 2024). هذه المجموعات، من خلال عملها الدؤوب، تبرهن على أن الرعاية ليست مجرد واجب، بل هي قوة تحويلية قادرة على إحداث تغيير إيجابي عميق في حياة المتضررين، وتشكيل أساس لمجتمعات أكثر مرونة وتماسكًا.
لذلك، وفي ظل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي، وتزايد الاحتياجات الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بالصحة الإنجابية والجنسية، وجدت المنظمات الدولية، والمبادرات المحلية وغرف الطوارئ النسوية نفسها مضطرة للتدخل لسد هذا الفراغ الهائل، فبدأت بتوزيع حقائب الكرامة (Dignity Kits) التي تحتوي على مستلزمات النظافة الشخصية للحيض، بالاضافة إلى توفير الرعاية الصحية الإنجابية الطارئة، بما في ذلك خدمات ما بعد الاعتداءات الجنسية للناجيات والناجون في مناطق النزاع. كما تم إنشاء عيادات متنقلة في بعض دور الإيواء لتقديم الاستشارات الطبية والنفسية، وتوفير وسائل تنظيم الأسرة لمنع الحمل غير المرغوب فيه. مع ذلك، بقيت هذه الخدمات غير كافية بسبب نقص التمويل، وضعف البنية التحتية، والعوائق الأمنية التي تعيق وصول المساعدات إلى المحتاجين. رغم ذلك، استمرت المنظمات والمبادرات السودانية في الدعوة إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية الإنجابية كحق أساسي، خاصةً للنازحات والناجيات من العنف الجنسي.
هذه المبادرات وإن بدت في ظاهرها عمل إغاثي أو إنساني، تكشف وجهًا آخر للاقتصاد الرعائي الذي يعني بمفهومه النسوي هذه الانشطة والخدمات التي تعيد توزيع الموارد لتحسين الحياة الاجتماعية وإعادة بناء شبكات التضامن واستجابة لمتغيرات العنف والنزاع. وهنا سنستعرض بعض هذه المبادرات التي تعكس ممارسات عملية للمقاومة والصمود.
مصنع السلام السوداني: نموذج للتمكين والاستدامة
يُعد ”مصنع السلام السوداني“ أول مشروع اجتماعي تجاري في السودان متخصص في إنتاج فوط الحيض القماشية الصديقة للبيئة، والتي يمكن إعادة استخدامها. بدأ المصنع نشاطه في عام 2020 بإنتاج الكمامات القماشية، وتوسع في مارس 2023 ليشمل خطًا جديدًا لإنتاج فوط الحيض والحفاظات القماشية للأطفال. بعد حرب 15 أبريل، انتقل مقر المصنع إلى مدينة بورتسودان لضمان استمراريته.
يساهم هذا المشروع في حل مشكلة نقص المنتجات الصحية وتكلفتها العالية، ويقلل من الفقر المرتبط بالدورة الشهرية، خاصة في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاعات. كما تمكن المصنع قبل اندلاع الحرب من توفير فرص عمل وتدريب للعديد من النساء، ما ساعدهن على تحقيق استقلالية مالية وتعزيز الوعي حول الصحة الإنجابية. بعد تصاعد الأزمة، نقل المصنع إلى بورتسودان، حيث واصل عمله بالشراكة مع مبادرات محلية لتوزيع الفوط القماشية بأسعار رمزية. جمع المشروع بين الابتكار الاجتماعي وتمكين المرأة، حيث لا يقدم منتجاً مستداماً صحياً وبيئياً فحسب، بل أيضاً يدعم كرامة النساء والفتيات في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
توسع المشروع/المصنع وافتتح فرعًا جديدًا بجمهورية مصر العربية، متيحًا فرصًا للعمل والتدريب للسودانيات اللاجئات. تُعد هذه الخطوة محورية في اقتصاد الرعاية الذي تقوده السودانيات، حيث يعزز توفير هذه الفرص الاستقلالية الاقتصادية ويضمن فرص دخل جيد. حيث أصبح المصنع مساحة تمكينية تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، وإنتاج يلبي حاجة مجتمعية ويعيد توزيع الموارد بطريقة تعزز التضامن وتبني شبكات دعم بين النساء اللاجئات في المهجر. ويبرهن أن بإمكان اقتصاد الرعاية عبور الحدود الجغرافية في ظروف اللجوء والنزوح.
فوطة تسد الخانة: تعزيز الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية
فوطة تسد الخانة، هي مبادرة مجتمع مدني تأسست في عام 2020، تعمل على تعزيز الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، مع التركيز على الحيض وخفض الفقر المرتبط بالدورة الشهرية، حيث ساهمت هذه المبادرة في تعزيز الصحة والحقوق الإنجابية والجنسية وتقليل أعباء الحيض على النساء.
تستجيب فوطة تسد الخانة للكوارث البيئية المختلفة مثل الفيضانات وغيرها. بجانب تعزيز الوعي تقوم (فوطة تسد الخانة) بتوزيع الفوط الصحية ذات الاستخدام الواحد لمناطق مختلفة في السودان، تعمل هذه المبادرة منذ نشأتها على تحسين حياة السودانيات الإنجابية والجنسية، وما زالت تخفف أعباءهن أثناء الحرب بجهود ذاتية تمامًا.
تحدثت لينا، منسقة المشاريع في مبادرة فوطة تسد الخانة، عن تجربتها مع المبادرة والتي وصفتها بـ”الملهمة جداً“، إذ كانت أولى تجاربها في العمل العام والقاعدي والنسوي، وكان لهذه التجربة أثر كبير على المستويين الشخصي والعام، معربة عن فخرها الكبير بها. حكت لينا عن أن بداية فوطة تسد الخانة كانت من خلال بازار نظمته فاطمة أوشيك ومجموعة من الشابات النسويات السودانيات، حيث كانت تذكرة الدخول عبارة عن فوطة صحية، وهو ما شكّل (صدمة حميدة) دفعت إلى انطلاق المبادرة. ومن هناك بدأت الحملات والمشروعات، وظهرت أشكال الدعم، وفتح باب التبرعات الذي كان من أهم أسباب استمرارية العمل.
نفذت المبادرة عدد من الحملات، منها حملة (دورة السجون) التي هدفت إلى التثقيف الصحي وتوزيع الفوط الصحية للفتيات والنساء في سجن النساء بأم درمان، ثم جاءت كارثة السيول والفيضانات التي استجابت لها المبادرة عبر حملة (فوطة فائضة) لتوزيع الفوط الصحية على المتضررات. وبعد اندلاع الحرب أطلقت المبادرة حملة (فوطة سلام)، حيث فُتح باب التبرعات وتم التنسيق مع منظمات ومبادرات قاعدية. وفرت هذه الحملة دعماً مادياً مباشراً، إذ كانت الفتيات يرسلن احتياجاتهن، ويتم تحويل المبالغ لهن عبر تطبيق (بنكك( ليخترن ما يناسبهن، نظراً لصعوبة الأوضاع الأمنية وعدم إمكانية الوصول إلى جميع الولايات.
تركز عمل المبادرة في مدينة بورتسودان، لا سيما في دور الإيواء، حيث أُقيمت ورش للتثقيف الصحي حول الصحة الجنسية والإنجابية وانقطاع الطمث. كما تم تدريب 15 شابة من كل مدرسة، بمختلف الأعمار، للمساعدة في تيسير الورش، وتوزيع فوط صحية على المشاركات (بمعدل عبوتين لكل واحدة).
كما تمكنت المبادرة من تغطية مناطق طوكر وأربعات ونهر النيل، وقدمت التثقيف الصحي باللغات المحلية، إضافة إلى تدريب شابات من منظمات قاعدية في بورتسودان، قدمن الورش بلغة الإشارة في مناطق مختلفة. وفي طوكر وأربعات جرى التواصل باللغات المحلية مثل التقراي والبداويت.
أما عن التحديات، فقد أشارت لينا إلى أن المبادرة واجهت السخرية والهجوم، سواء تجاه الفكرة العامة أو المشاركات، إلا أن ذلك أدى إلى رد فعل عكسي، حيث زاد التعرف على المبادرة وارتفع حجم التبرعات. وضربت مثالاً بحملة (فوطة نازحة) التي أُطلقت استجابةً لاقتتال قبلي في الدمازين، والتي تعرضت لانتقادات وسخرية من بعض العاملين في المجال الإنساني بحجة أن الناس تموت والمبادرة تتحدث عن الفوط الصحية، إلا أن ذلك ساعد على نشر الوعي أكثر. كما أشارت إلى خطوة إيجابية سابقة حين تمت إضافة الفوطة الصحية إلى التأمين الصحي، لكنها أوضحت أن هذا الإجراء لم يستمر بعد الانقلاب.
وفي سياق الحرب، تواجه المبادرة بعض التحديات اللوجستية، والتي تتمثل في صعوبة الوصول إلى المناطق المختلفة، وعدم اعتبار الفوط الصحية أولوية لدى بعض غرف الطوارئ، فضلاً عن عدم استقرار أسعارها. بالإضافة إلى التحديات الأمنية في الحصول على تصاريح من المفوضية للعمل داخل المدارس، بيد أنهن تمكن أخيراً من الحصول على تصريح مفتوح مما سهّل استمرار العمل.
تعمل المبادرة حالياً على مشاريع جديدة تهدف إلى تفكيك السرديات الاستعمارية في سياق الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، لكنها مواجهة بتحديات خاصة بالتمويلات المشروطة، ما يجعل القائمات عليها يسعين إلى إيجاد مصادر دخل خاصة ومستقلة دون الاعتماد على تمويلات غير مستدامة. ومن المشاريع الجديدة التي تعمل عليه المبادرة، تطوير لعبة متخصصة في الحقوق الصحية والإنجابية. لم تتوفر اللعبة في السودان بعد، حيث أن أول معرض لها كان في مصر، حيث تم فتح باب التجريب، وشاركت به العديد من النساء والفتيات. تهدف اللعبة الجماعية إلى التوعية بالصحة الجنسية والإنجابية بلغة وسياق سوداني محلي، وتعمل بطريقة شبيهة بالكروت.
حملة المليون فوطة مستدامة (كرت أحمر)
تحت شعار ”الصحة الإنجابية حق وليست رفاهية“ تكونت حملة المليون فوطة مستدامة في ديسمبر 2023، استجابة للحاجات الإنجابية والجنسية للنساء بعد حرب 15 أبريل. تعمل الحملة على توزيع فوط الحيض المستدامة وتقديم تدريب للتثقيف الصحي بخصوص المفاهيم الأساسية في الصحة الإنجابية والجنسية، مما يساهم في الحد من فقر الدورة الشهرية ويقدم المعلومات الطبية المهمة حول استخدام الفوط والنظافة الشخصية.
تمكنت الحملة من الوصول لأكثر من سبع ولايات بالسودان ومعسكر كرياندونقو للاجئين في دولة يوغندا. كما طورت الحملة أيضًا سياسة الاستجابة الطارئة، وهي تحويل مبالغ مالية للمبادرات القاعدية لتوزيع الفوط ذات الاستخدام الواحد أثناء موجات النزوح وامتداد رقعة العنف بالمناطق المختلفة في السودان.
تعتمد الحملة على موارد مالية محدودة، منها التبرعات التي تأتي من الأفراد والمجتمعات المحلية، والتي يتم الحشد لها عن طريق مواقع التواصل الالكتروني، بالإضافة إلى ذلك، عملت الحملة بالشراكة مع مصنع السلام السوداني على تخفيض أسعار فوط الحيض، والمساهمة في التنسيق للتوصيل للولايات المختلفة، كما ساهمت في سد فجوات النظام الصحي الموجودة من قبل وتفاقمت باندلاع الحرب.
بشكل شخصي تمثل الحملة تجربة استثنائية في مسيرة نشاطي وعملي في الصحة الإنجابية والجنسية والحقوق، والتي امتدت لخمس سنوات، منذ مرحلة التأسيس ووضع الخطط والهيكلة، وصولًا إلى إدارة مكتب البحوث والتدريب، حيث نقوم بتصميم وتنفيذ برامج تدريب المدربات، والإشراف على البيانات والبحوث المتعلقة بقياس الحاجات وتحليلها.
ومع اتساع نطاق وصول الحملة إلى مناطق واسعة، ناقش فريق الحملة ضرورة التوسع وزيادة مصادر التمويل لتحقيق وصول أكبر، ما أدى إلى تطور حملة المليون فوطة المستدامة لتصبح منظمة «كرت أحمر». وفي هذا السياق، قدمنا تدريبًا للفتيات في إحدى مدن غرب السودان في منطقة تعاني من انقطاع الإنترنت. خلال هذا التدريب نفسه، برز مفهوم «كرت أحمر» خلال تمرين تدريبي يهدف إلى كسر الحواجز المجتمعية، تمحور حول تسميات الحيض في المجتمع المحلي، وكانت الإجابة: ”بنسميها كرت أحمر“، توافقنا على التسمية، والتي رأيت فيها تعبيرًا عني وعن النساء السودانيات عمومًا، بوصفه موقفًا في وجه العنف والقمع. ورغم خبرتي الممتدة لسنوات في هذا المجال، لا سيما في التدريب ورفع الوعي، أجد أن العمل في مجال الصحة الإنجابية والجنسية والحقوق يظل بالغ الصعوبة، وقد تضاعفت هذه الصعوبات بعد الحرب.
لم تكن التجربة مجرد تطوع، إذ واجهت واقع اللجوء والنزوح، وشهدت كيف يمكن للفوطة الصحية أن تتحول من منتج إلى أداة لحفظ الكرامة. وأسهمت هذه التجربة في إعادة تشكيل وعي بمفاهيم الرعاية والتضامن، وفهمي لدور النساء في الاقتصاد وابتكار الحلول رغم الفقر والتهجير.
الصحة الإنجابية كحق لا كترف
رغم الإهمال الدولي وقلة التمويل، قادت النساء السودانيات مبادرات ملهمة في مجال الصحة الإنجابية والجنسية، مستخدمات الإبداع والتضامن المجتمعي لسد الفجوات التي تخلفها الأزمات. من توزيع فوط الحيض والتثقيف الصحي بخصوص الصحة الإنجابية والجنسية، ومن تقديم الدعم النفسي والقانوني للناجيات من العنف الجنسي إلى حملات التوعية حول تنظيم الأسرة والأمراض المنقولة جنسيًا، أثبتت النساء أنهن قادرات على تحسين حياة الآلاف رغم شح الموارد. هذه الجهود الذاتية، وإن كانت محلية وبسيطة أحيانًا، تُظهر كيف تحولت المعاناة إلى فعل مقاومة، حيث أصبحت الصحة الإنجابية حقًا يُناضل من أجله، وليس ترفًا يُنتظر من الخارج.
هديل بنداري
طبيبة وناشطة في مجال الصحة الإنجابية والجنسية والحقوق
- لا توجد المزيد من المقالات



