شريطة حمراء – من يعتني بالمتعايشات/ين مع الإيدز؟

شريطة حمراء

من يعتني بالمتعايشات/ين مع الإيدز؟

رشيد حسن

 

تُعد الشريطة الحمراء رمزاً عالمياً للتضامن مع الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشري (HIV) أو المتعايشين معه. أما مصطلح الإيدز (AIDS)، الذي بدأ استخدامه عام 1982، فيشير إلى متلازمة نقص المناعة المكتسب.

في السودان، خلف واجهة المسكوت عنه، توجد قصص كثيرة لا يتم التحدث عنها كثيراً، أبطالها أشخاص عاديون وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع صعب فرضه المرض والحرب معاً. في هذا العمل، نحاول الاقتراب من عالم المتعايشين مع فيروس (HIV)، وكشف جانب من حياتهم خلال فترة الحرب، حيث تتقاطع التجربة الإنسانية مع التحديات الصحية والاجتماعية.

قبل اندلاع الحرب، كانت ولاية الخرطوم تسجّل أعلى معدلات الإصابة بالمرض مقارنةً ببقية ولايات السودان. ومع اشتعال الصراع، تغيّرت الأوضاع بالنسبة للمتعايشين مع الفيروس؛ فبعضهم اضطر للبقاء وسط ظروف الحرب القاسية، بينما نزح آخرون إلى ولايات مختلفة بحثًا عن الأمان والاستقرار.

تسكن نون في أم درمان، المدينة التي لم تغادرها منذ أن اندلعت الحرب قبل أكثر من عامين. تتعايش مع مرض الإيدز منذ نحو خمسة عشر عامًا، وخلال تلك السنوات كانت حريصة على تناول أدويتها بانتظام. لكن مع اشتداد الحرب، أصبحت رحلة الحصول على الدواء مغامرة؛ كانت تقطع المسافة من غرب المدينة إلى مستشفى السلاح الطبي في أقصى الشرق، عند مقرن النيلين، وهو المكان الوحيد الذي ما زالت تتوفر فيه العلاجات الخاصة بالإيدز. في طريقها، كانت تمر بنقاط التفتيش التي أقامتها قوات الدعم السريع، وبطبيعة الحال لم يكن عبور تلك النقاط آمناً، فالمضايقات والاعتقالات كانت جزءاً من الخطر الذي تواجهه في كل مرة تخرج فيها بحثاً عن علاجها.

تحكي نون عن المشكلة الصحية التي بدأت في أواخر شهر نوفمبر من العام الماضي، حين بدأت تفقد قدرتها على الرؤية تدريجياً حتى أصبحت تواجه صعوبة كبيرة في الإبصار. ذهبت إلى المستشفى والتقت طبيبة متخصصة، وأخبرتها بأنها متعايشة مع فيروس نقص المناعة البشرية وتلتزم بتناول أدويتها بانتظام. بعد الفحوصات، أكدت الطبيبة أنه لا مانع من إجراء عملية جراحية، وحددت الموعد في الثلاثين من يناير، أي بعد نحو شهرين.

مرت الأيام ببطء شديد، وكانت حالتها تزداد سوءًا مع كل يوم انتظار. وحين جاء موعد العملية، ذهبت نون صائمة كما طُلب منها، ودخلت غرفة التحضير. لكنها فوجئت برفض إجراء العملية، بحجة عدم توفر طقم الأدوات الجراحية المخصص لحالتها، وانهم يعملون على توفيره.

اليوم، تتحدث نون عن صعوبة التكيف مع ضعف بصرها، واعتمادها على ابنتها في القراءة ومتابعة شؤونها اليومية. تقول إنها تحاول التأقلم مع هذه المرحلة الجديدة، التي أصبحت تعتمد فيها على السمع أكثر من النظر، وتتجنب كل ما يرهق عينيها.

تمثل قصة نون ما يواجهه كثير من المتعايشين مع الفيروس في ولاية الخرطوم، حيث تسببت الحرب في تعطيل الخدمات الصحية وانقطاع الأدوية وتراجع فرص الوصول إلى العلاج.

في الجانب الآخر من العاصمة، تعمل سين في مركز مختص برعاية مرضى الإيدز والدرن ملحق بمستشفى بشائر في جنوب الخرطوم. في منتصف مارس الماضي، قامت بنشر رسالة صوتية تستنجد فيها لحماية الجهاز المخصص لاختبار الأجسام المضادة، وهو الوحيد في محلية الخرطوم، بعد أن أصبح العاملون يتعرضون لاعتداءات متكررة من قوات الدعم السريع داخل المستشفى. تقول سين: ”أصبح الوضع صعباً بصورة لا تُطاق. نعيش في تهديد حقيقي بفقدان حياتنا كل يوم. أتوا ووضعوا سلاحاً في رأس أحد زملائي اليوم.“

لاحقاً، قررت التواصل مع عدة جهات وابلاغهم بانها ستقوم بإخفائه في مكان آمن خوفاً من سرقته أو تخريبه، كما حدث مع العديد من الأجهزة الأخرى.

بسبب تلك الانتهاكات التي طالت مقدمي الخدمات الصحية، أوقفت منظمة أطباء بلا حدود نشاطها في مستشفى بشائر منذ يناير الماضي. ومع ذلك، واصلت سين الذهاب يومياً إلى عملها رغم المخاطر. قالت في تسجيل آخر: ”كنت أتخوف من أخذ هاتفي معي حين أخرج خوف سرقته، وأقوم بإخفائه حتى أصل إلى مكان عملي. كما أتذكر بغضب اليوم الذي قام فيه جنود الدعم السريع بالتحرش بنا بحجة تفتيشنا.“

في شرق السودان، وبعيداً عن مناطق القتال، واجه المتعايشون تحديات من نوع آخر. تقول نجلاء أوهاج من البرنامج القومي لمكافحة الإيدز بكسلا إن بداية الحرب شهدت انقطاعاً في الأدوية وكواشف الفحص، لكن الأزمة لم تستمر طويلاً، إذ تمكن البرنامج من تأمين مخزون كافٍ منها. وتوضح أن أبرز التحديات الحالية تتمثل في ارتفاع الوصمة الاجتماعية تجاه المرض، ما يؤثر على مدى تقبل المتعايشين القادمين من مناطق الحرب في الولاية. تضيف نجلاء إنه ورغم ضعف مرتبات مقدمي الخدمات، إلا أنهم يقومون بتقديم الدعم المتمثل في الرعاية والعلاج والتدريب، لكن الوضع الاقتصادي المتردي وبعد المراكز العلاجية يؤثر تلقائياً في عدم الالتزام بمواعيد العيادة وبالتالي الالتزام بالعلاج. وتشير إلى إن البرنامج القومي تواصل مع عدد من المتعايشين المنقطعين عن العلاج في مناطق الحرب، وتم إيصال الدواء إليهم عبر شبكة من العلاقات والموزعين في عدد من الولايات، كما نُفذت حملات للتثقيف والفحص الطوعي بالتعاون مع منظمات محلية.

قبل الحرب، كانت الرعاية الصحية – رغم محدوديتها – متوفرة إلى حد معقول، حيث كانت المراكز تعمل والأدوية تصل بانتظام، وتُقدم برامج الدعم النفسي والاجتماعي عبر الجمعيات والمراكز العلاجية. لكن مع تصاعد القتال في الخرطوم، انهار النظام الصحي وتوقفت الإمدادات الدوائية، كما نزح أغلب العاملين في المجال الطبي.

في منتصف أبريل الماضي، تواصل طبيب من مستشفى مكة مع نون وطلب حضورها لإجراء العملية الجراحية خلال ساعة من وصولها، بمشاركة فريق من أطباء الهلال الأحمر القطري. تقول نون: ”كنت مريضة في ذلك اليوم ولم أستطع الذهاب. كان رد الطبيب بأنه إذا لم أحضر خلال اليوم فلن يتمكنوا من توفير الأدوات المخصصة لحالتي. أحسست حينها أن إدارة المستشفى تعاملني كعبء يحاولون التخلص منه.“

يقول فتح الرحمن المبذّع، رئيس الجمعية السودانية للمتعايشين مع الإيدز، إن الجمعية تركز على الدعم الاجتماعي والعيني للمصابين رغم الصعوبات المالية الكبيرة. فحتى الآن لم يتمكنوا من دفع إيجار المقر أو رواتب العاملين، لكنهم أعادوا افتتاح الجمعية بعد أن تعرضت للنهب وسُرقت سيارتها الوحيدة. كما يوضح المبذّع إن الوصمة الاجتماعية ما زالت من أكبر العقبات التي تواجه المتعايشين، خصوصاً الذين اضطروا للنزوح، إذ يتجنب بعضهم الذهاب إلى المراكز الطبية خوفاً من انكشاف اصابتهم بالمرض، كما قد يتعرضون للتمييز حتى من قبل مقدمي الرعاية الصحية أنفسهم، مما يزيد من شعورهم بالعزلة. ويؤكد إن أولوية الجمعية حالياً هي ضمان توفير الدواء بانتظام لجميع المتعايشين في الخرطوم والعائدين من مناطق النزوح، إلى جانب استئناف ورش الدعم النفسي والاجتماعي التي توقفت مع الحرب.

اليوم، عادت سين إلى عملها في المستشفى بعد استئناف منظمة أطباء بلا حدود نشاطها، بينما ينتظر الجهاز الطبي فنياً متخصصاً لتشغيله مجدداً. أما نون، فما تزال تعاني من فقدان البصر التدريجي وتنتظر إجراء عمليتها الجراحية. وفي آخر زيارة لها لمستشفى الوالدين منتصف أغسطس، علمت أن المولد الكهربائي يتعرض لارتفاع في الحرارة ويُغلق بشكل متكرر ولفترات طويلة، مما يجعل إجراء العمليات أمراً صعباً.

اختارت الأمم المتحدة الأول من ديسمبر يوماً عالمياً للتضامن مع المتعايشين مع الإيدز، وجعلت الشريطة الحمراء رمزاً للتذكير بأهمية دعم هذه الفئة وتوفير بيئة خالية من الوصم والتمييز، تتيح لهم الحصول على الرعاية الصحية والعيش بكرامة.