سرديات مُقاوِمة – حياة السودانيات في المِهجر

سرديات مُقاوِمة 

حياة السودانيات في المِهجر

سلمى الهادي

 

تتجاوز الحرب أن تكون وصفاً لحالة النزاع المسلح، لأعداد الخسائر المادية وخسائر الأرواح، للعلاقات الجيوسياسية، للنخب السياسية المشاترة، ولأنماط الانتهاكات وتبعاتها، تتجاوز كل ذلك لتكون تجربة حية لمن يتواجدن/يتواجدون ضمنياً في وصفها/أتونها. ونحاول نحن النساء بإستمرار وصف التجربة من موقع غير ثابت، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع البناء الاجتماعي للنوع – وهو بذاته موقع مليء بالتفاوتات والتناقضات – نحاول أن نضيفها إلى اللغة والمعرفة، لأن اللغة والمعرفة تمركزتا حول الذكورة منذ زمن بعيد، مستثنية النساء من أن يكن صانعات للمعنى، وتُعيد النساء الآن صياغة ذلك في مقاومة مستمرة لكل ما/من يسلبهن الحق في التعبير عن واقعهن.

أول ما يُلاحظ ويُنتقد في هذا الصدد هو إدعاء تمركز النسوية حول هوية النساء في مقابل الرجال، لكني أرفض أن أسمي النساء جماعة هوية¹ وأشكك في مقدرة سياسات الهوية على تحقيق العدالة النوعية، لأسباب عدة جوهرها أن النوع هو بنية اجتماعية تتجاوز ما يحيط بها من قيم ثقافية إلى علاقات القوى وتوزيع السلطة والموارد، أي أن ما نعتبره أنثوياً أو ذكورياً ليس في الحقيقة بيلوجياً أو طبيعياً أو ثقافياً بحتاً، بل تُشكله علاقات القوى في المجتمع، كالذي يُنتظر من النساء أن يقمن به مقابل ما يعهد به إلى الرجال. وأفهم بذلك أن الثقافة هي أداة أخرى للهيمنة، ولكنها كذلك نتيجة لأنماط العلاقات القائمة، كالطريقة التي يُعاد بها إنتاج أدوار النساء² داخل الأسرة ووسائل الإعلام. والنسوية ليست سوى محاولة لفهم كل ذلك وإعادة ترتيبه بما يحقق العدالة للنساء وللرجال وللمجتمع بكل مكوناته التي قد تتجاوز هذه الثنائية.

يمر هذا المقال عبر تجربة إنتاج الوثائقي: ”السودانيات في يوغندا – يعملن“. وابدأ من إيضاح أن محتوى هذا الفيلم أريد به توثيق مواقع مختلفة من تجارب النساء والبنات في اللجوء لدولة يوغندا بعد حرب 15 أبريل 2023، فبعضهن يعملن عملاً مأجوراً، وأخريات ربات منازل، والكثيرات منهن يحملن الصفتين معاً، وجميعهن يعملن على تحويل مفاهيم السلطة الأسرية وموازنات علاقات القوى داخل البيت. وعُنوِن إسم الفيلم خصوصاً بلفظ ”العمل“ إجابةً عن تساؤلات تداولها الناس على منصات التواصل الاجتماعي عن ماذا تفعل السودانيات اللاتي لجأن إلى دول الجوار، مقصوداً بذلك احاطتهن بقيود ثقافية قديمة ومتوارثة في سياقات جديدة قد لا تستجيب لها.

الإنتاج المعرفي النسوي البديل

اللغة هي حجر الأساس في عملية التواصل، وتكون صفتها الذكورية -كما أشرت في المقدمة- ملازمة لكل أشكال التواصل الأخرى التي تقام عليها، بما في ذلك عمليات التدوين والتوثيق وصناعة الأفلام والقصص، فيبقى التاريخ مكتوباً ومفهوماً ومنظوراً من الموقع الذي يقف فيه الرجال، وخصوصاً في الغرب الحضاري، إما بتشييء النساء وتصويرهن على أنهن كائنات جنسية أو وصفهن باعتبارهن غير فاعلات دائمات، مع البقاء في مربع الضحية أو غير ذلك. ويستوقفني هنا طرح الكاتبة النيجيرية أوييرونكي أوييومي³، فقد أشارت لأن الجندر كمفهوم غربي قد لا ينسحب بنفس الشكل على السياقات الأفريقية، مما يفتح المجال أمام إعادة تعريف النوع من داخل السياق الثقافي نفسه. ومنذ اخترقت النساء عالم الكتابة⁴ وطرحن الأسئلة حول من يُنتج المعرفة؟ ولأي غاية؟ ومن أي موقع اجتماعي وسياسي وثقافي؟ صار بإمكانهن إعادة تشكيل السرد، بل وتحدي السرديات الذكورية، ليس فقط في وصف التجربة، بل في تحديد من يمتلك شرعية الوصف والتأريخ. وتستمر إعادة الصياغة هذه رويداً رويداً عبر كل أشكال التواصل والصحافة والفن، غير متناسية للذاكرة كمعرفة نسوية⁵ تتناقلها النساء عبر الأجيال، من خلال القصص الشفوية، الطقوس، والأهازيج. وبذلك أعتبر إنتاج الفيديو والإنتاج السينمائي مجالاً حيوياً وأداة ذكية تُمكن النساء من توظيف استراتيجيات نقل المعرفة النسوية القديمة كالحكي في أسلوب مستحدث يمكن الاستشهاد به والاستناد إليه.

ضمن أنشطة مشروع القيادات الشابة لمؤسسة فريدريش، مكتب السودان – في دفعته السادسة والأخيرة – أتيحت لي فرصة اختيار وتصميم مشروع يهدف للانخراط والاشتباك مع المجتمع وقضاياه، تقاطع ذلك مع خبرة جيدة اكتسبتها من العمل والتدرب في منصة مطمورة التي توثق انتهاكات حقوق الإنسان في السودان عبر الحكي والقصص، وبالطبع مع مظلة أكبر من الاهتمام بالتنظير النسوي نافذةً للعلوم الاجتماعية والسياسية. كل ذلك شكّل المنتج النهائي للفيلم الوثائقي، وإذ هو كشكول من خبرات سابقة له، كان لي خبرةً جديدة تماماً في توصيف علاقتي بالمعرفة. وهنا جاء إدراك الكيفية التي تتغير بها علاقتنا كنساء بالمعرفة عندما ننتجها نحن، من موقع الحياة ومن موقع التنظير سوياً، من خلال الممارسة الجماعية والتجريبية للحياة. حيث أضحى ممكناً أن ندمج بين ما يُعاش وما يُوثق عنه. ويمكن أيضاً التساؤل والإجابة بحرية عن من يُسمح له بسرد القصة؟ وما هو الشكل المقبول للقصة؟ ومن هو الجمهور المستهدف؟.

ولما كان الوثائقي كله إجابة على سؤال ”البنات السودانيات بٍيعملن في شنو في يوغندا؟“ كان أيضاً محاولةً لتصحيح السرديات الثقافية الذكورية عن النساء اللاجئات، والأهم أنه كان مجهوداً من النساء وعبر النساء، لأن المعرفة لا تُنتج فردياً، بل جماعياً، ضمن سياق اجتماعي.

كيف تحاول الثقافة الحفاظ على النساء في موقع يعرضهن لمزيد من العنف؟

المعلوم أن وصم النساء اللواتي يرفضن الأدوار التقليدية بأنهن ”متمردات“ أو ”غير أخلاقيات“ أو ”مطلوقات“ سائد في المجتمعات الذكورية، ومن المعلوم أن ذلك يصب في صالح الحفاظ على قوتهن العاملة في المنازل بدون أجر. لكني أتساءل ما جدوى ذلك في الوضع الذي يدرك فيه الجميع أن عمل النساء هو ضرورة بقاء للأسرة؟ لأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد خارج تهديد الحرب المباشر ولمن استطاع اللجوء، هو واقع مملوء ومفعم بالتحديات والصعوبات.

في يوغندا مثالاً، ومن عدة مقابلات أجريتها مع لاجئات سودانيات هناك، تصطدم تجارب النساء أولا بحائط اللغة، الذي هو الأول في التفاعل مع المجتمع اليوغندي بصورة حية، تقف أمامه طويلاً من لم تكمل تعليمها أو لم تدرس اللغة الانجليزية، وتجتازه من كان لديها امتياز التعليم، لتجد أنها أمام حوائط أخرى من الثقافة السائدة. حدّثتني الكثيرات – وخصوصاً الأكبر سناً – عن صعوبة التنقل بإستخدام الدراجة النارية ”البودا بودا“ وهي الأكثر شيوعاً في يوغندا جبليّة التضاريس. يسفر ذلك عن قلة الحركة والبقاء في المنازل لفترات أطول تجنباً لحوادث السير واردة الإحتمالات. ومع صعوبة التنقل هذه، عبّرت أخريات عن اختلافات الثقافة الغذائية ومشقة الحصول على المنتجات السودانية التي تباع في مراكز وتجمعات محددة، فكان عليهن التكيف مع المكونات الجديدة في المطبخ، وصرن يخبزن الرغيف وبدائله السودانية كالقراصة والكسرة منزلياً بما يغطي استهلاك الأسرة، وتضاءلت فرص تناول الطعام بالخارج، فشدد ذلك على أعباء إدارة المطبخ وعملية الطبخ.

بالطبع تعاني الكثيرات في اختراق هذه الحواجز لما فوقها من مشكلات اقتصادية وقانونية، ومن يستطعن ذلك تواجههن مشكلة مصادر الدخل وإيجاد عمل مستدام وسخي الأجر يحفظ لهن حق الوجود بكرامة، لذلك توجهن بجانب العمل المأجور إلى مشاريع تجارية صغيرة ممولة ذاتياً، يعملن فيها بسواعدهن وأحياناً من منازلهن. وهنا أنقل عن تجربة الوثائقي مشاريع للعطور والبخور السوداني، وأخرى لتحميص البن وسحنه، بجانب صناعة الحلويات والكثير غير ذلك. ولا يكون لرجال الأسرة عادة إعتراض على ذلك، بل يتم تشجيعه واقتسام المسؤوليات المادية بين النساء والرجال، وفقاً للتباديل الجديدة، ولكن مجدداً وكثيراً – دون تقسيم مسؤوليات العمل الرعائي الذي يحملن عبئه وحدهن.

هذا الاشتباك الجديد لسؤال البقاء مع البنية الاجتماعية الاقتصادية المسماة نساء، ينتج بالضرورة عن تفكك بعض المفاهيم الخاطئة والمعتقدات الرجعية التي تتولد ثقافياً عندما يكون للذكور الهيمنة والسلطة في المجتمع. لتتلاشى بتفاوت وهدوء أسئلة ماذا تفعلن؟ وأين أنتن ذاهبات؟ ومتى ستعدن؟ تَخفُض أصابع الاتهام عندما يعملن بتشاركية في إدارة الأسرة.

ومن وعي بطبيعة النظام الرأسمالي، لا أجد أن تحرر النساء الاقتصادي وحده هو الحل للمعضلة، إذ تبقى السلطة قائمة به وبدونه، لكن أن تحرم النساء أساساً من حق الانخراط في إجراءاته وعملياته التي تكفل حداً أدنى من الحرية، هو بذاته عنف تأطر له ثقافة ”راجعة متأخرة ليه؟“. أتقطاع هنا مع أفكار سيلفيا فيدريتشي التي ترى أن العمل المنزلي غير المأجور هو أساس استغلال النساء في الرأسمالية⁶، وأن التمكين الاقتصادي لا يكون تحرراً ما لم يعاد تعريف قيمة العمل نفسه، ولذا أرى في التمكين الاقتصادي وسيلة انتقالية، لا غاية نهائية، تُتيح للنساء هامشاً من الحرية بانتظار بدائلاً أكثر عدلاً للنظام الرأسمالي القائم، والأهم، ما يستطعن به مقاومة العنف الذي سينتج عن هذه الأسئلة لاحقاً، وهن بالفعل يوظفن كل مدخلات الواقع في مقاومته وتحويله لواقع أفضل.

تفكيك بُنى الهيمنة

أهم ما أردت ترجمته من خلال هذا الوثائقي، هو أن النساء وبرغم العنف الموجه ضدهن، لا يعملن فقط بالمفهوم الاقتصادي للعمل، لكنهن يحوِّلن العلاقات داخل الأسرة – بنشاط – من كونها سلطة رب أسرة على رعاياه إلى سلطة تشاركية بين أفراد الأسرة ولأجلهن/م، ومن خلال مشاركتهن الاقتصادية، والرعائية في الوقت ذاته، فالنساء يمارسن التواصل والتعاطف والتفكر الذاتي كإستراتيجية⁷، وحتى في الحرب والنزوح واللجوء تكون قيادتهن مدروسة في إدارة الأسرة ومواردها واتخاذ القرارات المستنبطة من تحليل الواقع وفرصه، فمعظم النساء اللاتي ظهرن في الوثائقي، لم يترددن لحظةً في اتخاذ قرار البحث عن الحياة في مكان آخر وإعادة بناءها ”من الصفر“ إقتباساً عن إحداهن. ويتجاوَزنْ ذلك، لأسقف أعلى من الفاعلية المجتمعية عبر النظر لما ولمن حولهن، بمظاهر تتجسد في تجارب الحياة اليومية مثل قعدة الجبنة، وختة الصندوق، والجمعيات، والبازارات التعاونية مثل بازار ”لمة حبان“ الذي أجريت فيه مقابلات الوثائقي، حيث يتم تبادل وتكوين فهم جماعي للعالم وممارسة التضامن عبر الأوجه المتقاطعة وعبر الأجيال، وهو ما تعتبره بيل هوكس⁸ أفعالاً سياسية في وجه أنظمة الهيمنة.

تبقى المقاومة فعلاً شخصياً وجماعياً، في اليومي والبسيط، وأعرفها من صميم تجربتي الشخصية التي تمتزج بذاكرتي وملاحظاتي، فيجيء تعريفي للمقاومة كما عبّرت في نهاية الفيلم، أنها :”رفض الاستسلام، الاستسلام للمعطيات، للصعوبات والتحديات، وهي أيضاً الرغبة المستمرة في الوجود والعطاء، وشايفة انو الناس هنا والنساء هنا قاعدين يعملوا الحاجة دي بشكل جماعي“.

علينا إن أردنا التساؤل عن ما تفعله النساء في مساحاتهن الخاصة – مع الأخذ بعين الاعتبار أن القيم التي تمارس داخل البيوت والمساحات الخاصة تنتج أيضاً في المجال العام – أن نتحرى ما إذا كان التساؤل مشروعاً للفهم أو كان بحثاً عن مشروعية للتمييز ضدهن. لأن ”الإجابات ليست بعيدة عن متناول الطارح/ة“ ولأن توظيف السؤال بما يخدم غرض الكراهية أو التحريض ليس سوى ممارسة لها، فجوهر العدالة يبدأ من صياغة الأسئلة، لا فقط من طبيعة الأجوبة. بالمقابل، علينا أن نوظف القلم والكاميرا كأدوات نسوية، تحكي من الداخل ولا تكتفي فقط بالرصد من الخارج، كجزء من استراتيجية أوسع لمقاومة هيمنة السرديات الذكورية على تمثيل النساء.

هوامش ومراجع: 

يمكن مشاهدة الوثائقي عبر هذا الرابط:
https://youtu.be/vHTf-P9dMiU?si=xtUh5W8j-vCDd-BB

¹ Butler, J. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. Routledge.

² Scott, J. W. (1986). Gender: A useful category of historical analysis. The American Historical Review, 91(5), 1053–1075.

³ Oyěwùmí, O. (1997). The Invention of Women: Making an African Sense of Western Gender Discourses. University of Minnesota Press.

⁴ Collins, P. H. (2000). Black Feminist Thought: Knowledge, Consciousness, and the Politics of Empowerment. Routledge.

⁵ Haraway, D. J. (1988). Situated knowledge: The science question in feminism and the privilege of partial perspective. Feminist Studies, 14(3), 575–599.

⁶ Federici, S. (2004). Caliban and the Witch: Women, the Body and Primitive Accumulation. Autonomedia.

⁷ Harvey, R., & Safier, C. (2021). Transformative Change for Gender Justice: Learning from Feminist Strategies. Friedrich-Ebert-Stiftung.

⁸ hooks, b. (2000). Feminism is for Everybody: Passionate Politics—South End Press.

سلمى الهادي
المقالات +

كاتبة وباحثة