معسكرات الاستنفار مِرآة للهشاشة

معسكرات الاستنفار مِرآة للهشاشة

سارة الخضر*

 

منذ اعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان التعبئة العامة والاستنفار في يونيو 2023، فتح باب التجنيد للرجال تحت مسمى “المقاومة الشعبية”، ثم امتدت الدعوة لاحقًا إلى النساء من خلال انشاء معسكرات تدريب خاصة بهن. افتتحت المعسكرات في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، وكانت البداية في ولاية نهر النيل في أغسطس 2023، حيث انضمت نحو 200 امرأة، قبل أن تشمل التجربة ولايات أخرى.

تُعيد دعوة تسليح النساء وفتح معسكرات تجنيدهن إلى الذاكرة الحقبة الأولى من حكم الإنقاذ، حيث  أنشئت معسكرات لتجنيد النساء في اوائل التسعينات عرفت بـ (أخوات نسيبة). كان هدفها رفد الجيش بمقاتلات خلال حرب الجنوب بين الجيش السوداني والحركة الشعبية. وفي المقابل، اهتمت الحركة الشعبية أيضًا بتجنيد النساء، وأطلق على المجندات (كتيبة بنات). شهدت تلك الفترة أيضًا تجنيد النساء في صفوف المعارضة، ممثلة في (التجمع الوطني الديمقراطي)، حيث أقيمت معسكرات التدريب في دولة اريتريا مقر إقامة جزء كبير من منتسبيه.

انضممت للمعسكر لأحمي نفسي واسرتي إذا جاء الجنجويد

في سياق الحرب الحالية، ما الذي يدفع النساء للإنخراط في معسكرات الاستنفار العسكري؟

أجريت عدد من المقابلات مع نساء أنضممن لهذه المعسكرات في ولاية كسلا، لفهم الدوافع التي قادتهن للإنخراط فيها.

انضمت رانيا، 22 عام، طالبة جامعية في المستوى الثاني، إلى معسكر التجنيد في الحي الذي تسكن فيه في اغسطس 2023 و تخرجت في اكتوبر 2024. وعن سبب انضمامها تحكي رانيا: “دخلت المعسكر عشان أحمي نفسي واسرتي اذا الجنجويد جونا. التسجيل بتم في مدرسة الأساس في حينا، وهي نفس المدرسة التم فيها التدريب. ساعدتنا على التسجيل واحدة من الحي، يقال إنو ليها علاقة بالنظام السابق وبالمؤتمر الوطني”. تضيف رانيا: “كان عددنا 88 ومعانا 5 بنات لسه في المدرسة، في الأساس والمتوسطة. في الأول كان معانا نسوان وبنات كتار، أكتر من مية لكن لم عرفو مافي قروش انسحبوا. القائمين على المعسكر قالو لينا ح نطلع ليكم بطاقة تجنيد وحنشغلكم في جهاز الأمن، أو حرس في المستشفيات والحتات التانية”.

تضم معسكرات التدريب نساء من أعمار مختلفة، نجد طفلات مازلن يدرسن في مرحلة الأساس، وتقدم لهن تدريبات رياضية جسدية، لكن يتم استبعادهن من حمل السلاح. كما تم اخطار المجندات بالتبليغ عن أي مشتبه به في الحي.

لكل معسكر مشرفة تقوم بإنشاء مجموعة عبر تطبيق واتساب أو فيسبوك للمجندات، وهي مجموعات مغلقة. تحكي رانيا أن التدريب يومي، عدا الجمعة. ويتكون الزي من عبائة سوداء وطرحة. يشرف على التدريب صول ونقيب من الجيش، كما ينضم اليهم كل إسبوعين ضابط من رتبة أعلى للإشراف على المعسكر. وعند التخريج يتم اختيار عشرة مستنفرات من كل معسكر وإخطارهن بأنهن سوف يقمن بتدريب النساء في المعسكرات القادمة بدلًا عن الرجال. وتأتي قوات العمل الخاص لزيارة المعسكرات وشرح أنواع التدريب، كما قامت منظمة الصليب الاحمر بزيارة المعسكرات وتحدثوا عن الأسلحة وبعض القوانين الدولية.

تتلقى المتدربات ضمن وجودهن في المعسكر محاضرات يومية بعضها ديني، وبعضها توعوي، لكن هدفها الأساسي سياسي، وهو التعبئة العسكرية.

أما في معسكر حي السوق الشعبي، فيتم تدريب النساء في المركز النسوي، وهو المكان الذي تتم فيه كل نشاطات الحي الخاصة بالنساء. يبدأ التدريب في الثانية ظهرًا وحتى الخامسة مساءًا. في السابق، قبل الحرب، كانت تُقام دورات تدريبية في الاسعافات الأولية والتمريض لنساء الحي، ومع فتح باب التجنيد تم ايقاف تلك الدورات ليتركز كل العمل على تدريب المجندات.

تحكي مروة، 19 عام، طالبة المرحلة الثانوية، والتي انتهت من التدريب للتو، وفي انتظار التخريج الآن، أنها امضت أكثر من ست أشهر  في التدريب. وكانت المجندات في معسكرها وعدن بمرتب ورتب عسكرية بنهاية التدريب، لكنهن لم يستلمن شيئًا حتى الآن. كما أنهن سمعن عن مبالغ استلمها المدربون لأجل توزيعها كمكافأة على المجندات وهو ما لم يحدث.

القوات المشتركة على خط الاستنفار

بدأت القوات المشتركة (التي تتكون من عدة حركات مسلحة من إقليم دارفور، أشهرها حركة العدل والمساواة جناح جبريل أبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي)، في تجنيد النساء في صفوفها مع وعود برتب عسكرية ورواتب عالية.

تقول نجاة، 46 عام، والتي تأتي إلى معسكر التدريب من حي بعيد: “أنا بركب مواصلتين عشان أصل المعسكر، وجيت هنا لأنه ما في معسكر قريب مننا، لمن أرجع البيت، بكون العشا أذن. قضيت ستة شهور في معسكر الاستنفار بتاع الجيش، وكملت التدريب لغاية مرحلة استخدام السلاح، لكن ما اتخرجنا من المعسكر لسة. حسي بديت التدريب تاني مع القوات المشتركة، ونحن أول دفعة من النساء تنضم للقوات المشتركة. وعدونا بمرتبات شهرية ورتب عسكرية، وامبارح ادونا الزي العسكري”.

نجاة أم لثلاث أطفال نزحت من الخرطوم قبل عام، وتسكن مع أهلها في بيت الاسرة، وتعزو سبب انضمامها إلى معسكر القوات المشتركة، أنها تبحث عن عمل وليس لديها شهادة جامعية، فهي لم تكمل تعليمها. أما حليمة فهي امرأة ستينية تسكن بالقرب من معسكر التدريب، تقول: “بديت التدريب عشان أحمي أسرتي، كملت تدريب مع الجيش وبعداك سمعت من جاراتي أنو القوات المشتركة فتحت باب التجنيد وحيدونا مرتبات، لكن بعد ما انتهى التدريب ما أدونا حاجة”.

أما سارة، الفتاة الجامعية، التي انضمت لمعسكر التدريب التابع للقوات المشتركة، فتحكي عن تجربتها عندما وصلت إلى التدريب متأخرة بسبب محاضرات الجامعة، وكيف أنها وبعض الفتيات عوقبن بالوقوف في الشمس طوال فترة التدريب. وتقول عن سبب انضمامها إلى معسكر التدريب: “ما حصل اتلقيت أي تدريب دي أول مرة، ودافعي الاساسي انو أتعلم أستخدام السلاح عشان أحمي نفسي واخواتي من الاغتصاب لو وصلت قوات الدعم السريع لمنطقتنا”. تقول إنها عرفت عن معسكر التدريب هذا عندما زارت المركز بغرض الانضمام لتدريب يخص الاسعافات الاولية، حينها علمت أن تدريب الاسعافات الأولية متوقف، وأن الفرصة الأن هي للتدريب العسكري فقط، بحيث تتمكن النساء من حماية أنفسهن من قوات الدعم السريع، بحسب ما قال لها المسؤولون عن التسجيل في المعسكر.

نجد في المعسكر نساء حوامل كماجدة، 34 عام، والتي علمت بأمر حملها بعد التحاقها بالمعسكر، لكن الضابط المسؤول أخبرها بضرورة الحضور يوميًا حتى بدون تدريب وأن تراقب فقط. كما نجد مرضعات مثل فاطمة، والتي تحضر إلى المعسكر رفقة طفلها الرضيع وطفلتها البالغة سبعة سنوات، والتي تقوم بحمل الرضيع أثناء التدريب، وفي فترة الاستراحة تقوم فاطمة بارضاعه. دافع فاطمة يشابه الكثيرات غيرها ممن رأين ضرورة حماية أنفسهن وأطفالهن، بجانب ايجاد فرص للعمل تساعدهن كنازحات أو معيلات وحيدات لأسرهن.

كيف يبدو المعسكر من الداخل؟

يتسم جو المعسكر بالانضباط والنظام، حيث يتم أخذ قائمة الحضور مع بداية التدريب، وممنوع الغياب إلا بإذن أو تقرير مرضي، وممنوع الكلام أثناء التدريب. يُسمح للمتدربات بإستراحة لصلاة العصر واستراحة قصيرة أخرى كل نص ساعة لمدة عشرة دقائق. يتخلل التدريب محاضرات دينية وأناشيد جهادية. أما المدربين فهم رجال من القوات المشتركة، وجهاز الأمن والشرطة، بالإضافة إلى مدربتان من الدفعة الأولى التي استنفرت مع الجيش يقمن بمساعدة الصول.

الملاحظ أن هؤلاء النساء بمختلف أعمارهن _ بعضهن أقل من ثمانية عشر عامًا وأخريات في الستين_ يعمل جُلهن في القطاع غير المنظم كبائعات شاي أو أطعمة، ومع أندلاع الحرب وتردي الوضع الاقتصادي أصبح دخلهن لا يسُد الرمق ولا يكفي لاحتياجاتهن، وأغلبهن يعلن أسرهن. بالإضافة إلى القليل من ربات البيوت اللاتي يرغبن في تحسين وضعهن المادي، إما لضعف دخل الزوج أو غياب المُعيل. كما نجد في هذه المعسكرات أيضًا بعضًا ممن نزحن لولاية كسلا وأصبحن بلا عائل، وإن وجد فهو أيضا يواجه أزمة غلاء الاسعار والوضع المعيشي الطاحن. واللاتي انخرطن في التدريب القاسي، في أجواء حارة وظروف صعبة، بسبب وعود الجيش والقوات المشتركة بتوفير رواتب وايجاد وظائف لهن.

الملاحظ أن معظم المجندات ينحدرن من اثنيات تنتمي إلى غرب السودان وأقليم كردفان، يدفعهن للإنضمام تصريحات القوات المشتركة في سياقاتهن أن النساء المنحدرات من هذه المناطق مستهدفات من قِبل الدعم السريع بغرض الاغتصاب والاسترقاق الجنسي حتى وإن كن يُقِمن في ولايات أخرى، فهن مستهدفات دونًا عن نساء القبائل الأخرى. وقد أضاف التدريب عبئاً اضافياً إلى أعمال الرعاية المضاعفة التي تقمن بها.

ما بين مطرقة الفقر والعوز وسندان العنف الجنسي الذي يُستخدم كسلاح حرب، وكذلك كخطاب للتعبئة العسكرية، تلجأ هؤلاء النساء إلى الاستنفار، حالمات بغد أفضل وواقع أجمل لهن ولأسرهن، وأن يختفي شبح الحرب، وتختفي معه معاناتهن اليومية في وطن يدفعن فيه من راحتهن مقابل حصولهن على طمأنينة ولقمة عيش كريمة.

*أسم مستعار

سارة الخضر
المقالات +

ناشطة تعمل في قضايا حماية النساء والفتيات