القابلات في السودان
إرث المعارف المحلية الممتد
روح ناصر
رغم الحرب الدائرة، والعنف الجاري في ولاية الخرطوم، ورغم شح الموارد الصحية وقلة العائد المادي، تواصل سيرفينا، في إحدى المراكز الصحية جنوب الخرطوم، عملها كقابلة صحية لتقديم المساعدة للنساء العالقات بالولاية. روت لي سيرفينا قصتها، وهي جنوب سودانية، جاءت للخرطوم في عام 1973، بعد أن تعلمت في احدى مدارس القبالة في مدينة بحر الغزال بجنوب السودان. يمتد إرث سيرفينا لتاريخ طويل من جهود القابلات في السودان منذ عشرينات القرن الماضي، حيث تم افتتاح اول مدرسة قبالة في السودان في مدينة امدرمان بالعاصمة الخرطوم من قبل الاستعمار البريطاني في السودان انذاك.
العمل في المنزل، وفي مكان العمل، لا يتوقف
عملت كل من جندية صالح وبتول محمد عيسى، المقيمتان في مدرسة امدرمان لمدة خمسة عشر عاما، على تعليم وتدريب النساء على العمل باحترافية، وفتحن ورفيقاتهن أفقاً لحياة أفضل للنساء السودانيات، واليوم، في الخرطوم تخطو سيرفينا على خطى رائدات التمريض في السودان، حيث بقيت سيرفينا في منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم تعمل لأكثر من ثلاثين عاما في إسعاف النساء ومساعدتهن على تخطي فترة المخاض حتى يصلن إلى الولادة الآمنة.
تحكي سريفينا عن مساعدة النساء في المنطقة حتى خارج نطاق المركز الصحي وساعات العمل الرسمية، تقول: “معظم الناس في المنطقة بعرفوني، وبجوني الناس المحتاجين اكتر، والناس الما عندهم قروش لعمليات الولادة، لكن ما مشكلة، أنا برضو ما عندي قروش كتيرة و بديهم نص العندي”. وتتابع قائلة ” الشغل من قبل الحرب صعب، وفي الحرب بجونا ناس تعبانين ما عندهم قروش، بكونو محتاجين، النسوان بجو للولادة وما بدفعو، مرات واحدات بدفعو شوية، حاجة رمزية بس، مافي مواد طبية، زمان ناس الوزارة كان بدونا مجاني هسه مافي نهائي، كان زمان الناس بساعدو بي مواد طبية بسيطة، بناتي برضو كان برسلو لي مواد من برة، ما عندي أدوات الولادة حاليا، المقصات الابرة المعكوفة وباقي المواد”.
تعمل سيرفينا في منزلها في حال وصلتها حالات ولادة أو حمل غير مرغوب فيه في بعض الأحيان، ويشمل ذلك حالات الاغتصاب أيضًا. حكت سيرفينيا عن أوضاع النساء في جنوب الخرطوم، ورغم عدم توفر أي مواد طبية إلا أنها لا يتم اعطائها المال الكافي أو حتى القليل منه لتتمكن من تغطية احتياجاتها اليومية. وما يجدر ذكره أن هناك مركز صحي واحد ومستشفى واحدة يعملان لخدمة كل جنوب الخرطوم ومناطق كبيرة من مدينة الخرطوم.
الفاشر تحديات أمنية، أذى جسدي ونفسي
في الفاشر، وهي عاصمة شمال دارفور، تعمل القابلة نعمات علي الحاج الملقبة ب”حبشية” في المستشفى السعودي، الذي يعد من المستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل في ظل حصار الفاشر من قبل قوات الدعم السريع. تقول نعمات انها لم تبارح المستشفى منذ بداية الحرب بالرغم من التحديات التي تواجهها، إلا أنها ترى في عملها قيمة انسانية تجعلها تواصل بالرغم من التهديدات المستمرة، وترى أنها جزءاً لا يتجزأ من حياتها اليومية، وتوصف أهميتها كأهمية بيتها وبناتها/ابنائها.
تتحرك نعمات “حبشية” من خارج الفاشر-30 كيلومتر – الى المستشفى السعودي، حيث روت لي أنها نزحت عند اندلاع الحرب في الفاشر، وخلال الأيام الاولى من الحرب كانت تواجه تهديدات من القوات المتصارعة، إلا انهم باتو يعرفونها الآن، ويجعلونها تمر لتصل للمستشفى كل يوم. بيد أنهم يطلبون منها في بعض الأحيان مواد إسعاف كالقطن ومعقم الجروح، من أجل المصابين، وتمنحهم إياهم بالمقابل لتتمكن من المرور.
تواصل نعمات “حبشية” رواية المعاناة في العمل اليومي في المستشفى، رغم استهدافه عن طريق “التدوين” وإصابته في العديد من المرات تقول: “يواصل المستشفى السعودي، رغم استهدافه، العمل. وقبل كده اتضربت واتجرحت لمن اتضربت المنطقة، في رايش ضرب يدي في 8 مناطق مختلفة، وانا كنت في غرفة الولادة بعد عملية ولادة مباشرة، وطلعت عشان انادي المرافق جمب الصهريج وصادفني تدوين وضربت يدي وكراعي وبالرغم من كده ما اتأخرت”. كما حكت لي عن معاناة النساء في الفاشر المحاصرة، والتي تقع في ولاية شمال دارفور. حيث يأتي الحصار المفروض على المنطقة، مصحوباً مع عدم توفر رعاية صحية. ما يضطر النساء الحوامل إلى المشي لمسافات طويلة للوصول للمستشفى السعودي، تواجههن أثناء رحلاتهن هذه الكثير من المصاعب. حكت لي نعمات قصة إحدى نساء منطقة الكركر خارج الفاشر، ومحاولتها الوصول للمستشفى، حيث تم توقفيها ونهبها في الطريق من قبل قوات الدعم السريع، قالت: “في مرا جات من بين الكركر والفاشر حوالي 70 كيلو من الفاشر راكبين حمير وكارو، دقوهم الدعامة وشالو منهم البطانية، و200 ألف، وتوبين، وقميص وبنطلون”.
رغم الأوضاع الاقتصادية بالغة السوء التي يعشنها القابلات، نتيجة لعدم توفر مرتبات وحوافز لعدة شهور من قبل إدارة المستشفى، إلا أنهن لا يتوانين عن مساعدة النساء القادمات من مناطق بعيدة. تتابع نعمات قصصها في هذا السياق، حيث قالت: ” في زولة جات من معسكر زمزم للنازحين، وحكت ظروفها، وهي ظروف صعبة شديد، وراجلها رفض يجي معاها، وصلت نقطة عساكر وساقوها وصلوها هنا، ولدت ولادة طبيعية، والصباح دفعنا ليهم قروش المواصلات، لمينا ليهم حوالي 22 ألف ، كل زول دفع 500 جنيه من دايات وممرضات”.
شح إمداد المعدات الصحية والمورد البشري
أثرت الحرب الحالية في البنية التحتية للنظام الصحي في السودان، حيث دمرت المستشفيات والمراكز الصحية. بيد أنه، وقبل اندلاع الحرب حتى، كان القطاع الصحي في السودان غير مؤهلاً لتلبية احتياجات المواطنات والمواطنين. وبالرغم من الزيادة في إنتاج الموارد البشرية الصحية فإن أعداد الممرضين والقابلات هي أقل من 2.3 كادر لكل ألف من السكان، وهي العتبة التي حددتها منظمة الصحة العالمية كمؤشر لأداء النظام الصحي في العالم. الأمر الذي يعني أن ربع سكان السودان لديهم مشكلة في الوصول للخدمات الصحية، وتعتبر ولايات شمال كردفان، وجنوب وشمال دارفور، الأقل حظاً في نسبة الوصول للمؤسسات الصحية.
من خلال متابعتهن للأوضاع في ولاية شمال دارفور، تحكي القابلات لمجلة فريدة النسوية عن وجود حالات نزيف ووفاة للنساء الحوامل بسبب عدم إمكانية وصولهن للمستشفى السعودي، قالت القابلة نعمات “حبشية” : “منطقة الكفوت – 50-60 كيلو شمال الفاشر- في الأيام الفاتت حصلت فيها 17 وفاة بحالة نزيف خلال شهر واحد، ولمن يجو داخلين الفاشر الدعامة برجعوهم، في حالة جاتني بعد الولادة بي 11 يوم، لمن وصلت المستشفى رقدت يومين واتوفت بي نزيف، والطفل برضو مات”. تتابع القابلة نعمات حديثها عن عدم توفر المواد لإجراء عمليات الولادة داخل المستشفى: “مافي أي مواد في المستشفى” وتضيف أنهن يقمن بشراء المواد الصحية من أموالهن الخاصة، بالإضافة لقيامهن بإسعاف بعض الحالات وهن في طريق قدومهن أو عودتهن من المستشفى : “عشان تشتغل تجيب حاجاتك براك، المقصات والقطن وكل شي، واحيانا بتقابلني حالات في الشارع وانا جاية على المستشفى، وطوالي بقوم بسعف الحالة”.
وفي منطقة جنوب الخرطوم، كانت وزارة الصحة توفر المواد الصحية الهامة في أداء عمليات الولادة، إلا أنه ومع اندلاع الحرب وتهدم البنية التحتية، توقفت الوزارة. كما تعمل بعض المنظمات وبعض الأجسام القاعدية (غرف الطوارئ) على توفير بعض ما ينقص، إلا أن الحاجة أكبر من القدرة التي يمكن أن تغطيها مختلف المبادرات.
موقع القِبالة في تقاطعية الإثنية والطبقة
على الرغم من أن 70% من القطاع الصحي في العالم مكون من النساء في مختلف المهن الصحية، لكن حالهن كحال جميع النساء في المجال العام، نجدهن يواجهن العديد من الإشكالات وانعدام المساواة في الفرص.
بدأت القبالة مع الاستعمار البريطاني للسودان، حيث كان هدف الاستعمار منها هو إنهاء ختان الإناث، والارتقاء بعمليات الولادة آنذاك وفقاً لما رأه وقتها من ممارسات وصفها بأنها “بربرية”، فبدلا من ولادة “الحبل” أراد الاستعمار أن يتم استبداله بالولادة “الصحيحة” بحسب وصفه، بالاضافة لهدف عام وهو إدخال قيم النظافة في ممارسات وسلوكيات القابلات في ذلك الوقت، يُقدم الاستعمار نفسه هنا بوصفه، طبعاً، راعي الإنسانية، والحريص على حيوات المستعَمرات/ين. كان الاستعمار البريطاني قد أصدر عبر المجلس الاستشاري لشمال السودان قانوناً لإنهاء ختان الإناث، حيث لقى معارضة كبيرة من الحزب الجمهوري بقيادة محمود محمد طه، فيما يعرف ب”ثورة رفاعة آنذاك”، حيث أوضح الحزب الجمهوري في بيان له، “أن الاستعمار لا يريد كرامة النساء بل يريد الاستمرار في حكم السودان”.*
تعارضت أهداف الاستعمار مع القيم المجتمعية السائدة في مناطق بعينها في ذلك الوقت، حيث كان المجتمع يُعلي من قيمة الختان، وبالتالي لقي التدخل الاستعماري في إنهاء ختان الإناث رفضاً من المجتمعات السودانية المحافظة. حيث أشار عبدالله الفكي البشير، في سياق حادثة رفاعة الشهيرة، أن رفض الحزب الجمهوري لا يعني وقوفه بجانب الختان، ولكن يعلم أن انهائه لا يجب أن يكون عبر عنف الدولة الاستعمارية بفرض قوانين لمنعه، بل يجب العمل على رفع حساسية القواعد الشعبية بدلا عن ذلك. ما يُقترح هنا هو التفاوض المجتمعي على الشروط العادلة لكرامة الناس وحيواتهن\م، وهذا السؤال مازال مطروحاً، وبعد جلاء الاستعمار، داخل شرط الدولة القومية، أين تبدأ، وأين تنتهي حدود الدولة/السلطة السياسية عندما يتعلق الأمر بالثقافة والتقاليد المجتمعية؟
أنشأت الاخوات وولف أول مدرسة قبالة في أمدرمان في بدايات القرن العشرين، مستندات على السلطة الاستعمارية الممنوحة لهن آنذاك، ولكن قبل ذلك كان دور القابلات في إجراء عمليات الولادة عن طريق “ولادة الحبل”، بالإضافة لختان الإناث، وإجراء عمليات تضييق المهبل “العدل” للنساء المتزوجات بعد الولادة.
عمل الاستعمار على تدريب وتعليم النساء شرط أن تكن متزوجات. وانخرطت نساء من خلفيات أدنى في هرم السلطة الاجتماعية. فبحسب التراتبية الاجتماعية، كان الفضاء العمومي مقسماً على أسس طبقية واجتماعية صارمة، فيما اصطلح على توصيفهن بالنساء “الحُرات”، أي اللاتي لم يعايشن تجربة الاسترقاق. وهن من يتواجدن داخل منازلهن “الحيز الخاص”، وهؤلاء نساء من طبقات اجتماعية تتوافر لديها امتيازات اقتصادية واجتماعية، أو يعيشن داخل منظومة قيمية تضع لهن قيوداً اجتماعية صارمة، بينما “النساء غير الحرات” هن من يتواجدن في المجال العام ويقمن بأعمال مختلفة، وبالتالي هن نساء من طبقات أدنى اجتماعيًا، ويندرجن من خلفيات أكثر تهميشاً.
أضفى هذا الوضع على مهنة القبالة تعقيداً إضافياً، فالفرصة لم تسنح لنساء الطبقة الوسطى انذاك للانخراط في هذه المهنة باعتبار الوصمة التي تم اضفائها عليها من قبل المجتمعات الأبوية المستندة على الأسس الثقافية. ومع اتساع رقعة النظام التعليمي في مناطق متعددة، استطاعت نساء من طبقات وخلفيات اجتماعية متنوعة الانخراط في المهنة بصورة أكبر.
أخيراً.. رغم انهيار القطاع الصحي، وعدم قدرته على تلبية الاحتياجات الصحية للسودانيات/ين، يظل عمل القابلات هو باب الحياة الأول. عملهن ليس مجرد مهنة، بل هو إرث حي، تناقلته الأمهات عبر الأجيال، من جدة إلى حفيدة، ومن يد إلى أخرى، ليس مجرد معرفة مكتوبة، بل تجربة تُعاش، حتى في أحلك الظروف التي مرت بالسودان. تقول سرفينيا إنها تناقلت وتعلمت المهنة عبر جدتها “سما”، وتحكي أن جدتها قالت : ” انتي يا سرفينيا حتكبري وتبقي داية، وبعد أنا اموت بتمسكي الشغل مني”. تلك لم تكن مجرد وصية، بل عهد بأن الحياة لا يجب ان تنقطع، فهن دائما يحمين الحياة، حتى وان تقاصرت يد الدولة المركزية عن فعل ذلك.
مراجع
* عبدالله الفكي البشير: الذكرى ال70 لاطلاق سراح الاستاذ محمود محمد طه قائد ثورة رفاعة من سجن الاستعمار




