عزيمة لم تنكسر
حياة النساء في ظل الحرب
رفقة عبد الله
في حي المنارة بأمدرمان تقطن الشابة العشرينية مي عز الدين مع أسرتها منذ عام كامل تحت أصوات الرصاص والدانات، درست مي الصحافة وعملت في مجال الإعلام لسنوات، لكن مع بدء الحرب توقفت حياتها المهنية التي احبتها. رفضت أسرة مي مغادرة منزلهم في الحي الذي يحمل ذكرياتهم وكان ملاذهم الآمن رغم اشتداد القتال. ويقع حي المنارة غرب النيل وشرق صينية كبري الحلفايا مع شارع الوادي وهي تعتبر منطقة عمليات عسكرية نسبة لقربها من قاعدة “وادي سيدنا” الجوية وهي قاعدة تابعة للجيش السوداني.
وفي ولاية الخرطوم التي تشهد حرباً عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل ٢٠٢٣ وحتى الآن، هنالك نساء يصارعن من أجل البقاء بعد رفضهن مغادرة منازلهن في العاصمة الخرطوم التي تحولت إلى مدينة أشباح وانعدمت في أحياء عديدة منها مظاهر الحياة.
رفض النزوح
رفضت مي مغادرة منزلها وظلت مع أسرتها منذ بداية الحرب، جربوا الحياة تحت أصوات الرصاص والتدوين العشوائي، في منطقة تعتبر وحدة عمليات عسكرية، عاشت “مي” عامين من المعاناة والخوف من مصير مجهول، عامين من الصبر والشجاعة والتجارب وتحمل المسؤولية. لقد صمدت تلك الأسرة وهي تعايش مشاهد الحرب المروعة والخراب والدمار الذي لحق بالعاصمة، شاهدت الأسرة تدمير الكباري والمنشآت وهي تحت رحمة الرصاص. ورغم الآلاف من الجرحى والقتلى والدمار الذي لحق بالخرطوم لكنهم رفضوا سيناريو النزوح واللجوء إلى أي بلد آخر، كان بالنسبة لهم سيناريو يشبه رحلة البحث عن المجهول، وقد قال الكثيرين عنه بأنه جحيم من نوع آخر، ولكن بعض السودانيين/ات اختاروا النجاة بحياتهم/ن والبحث لأولادهم عن فرص أخرى عادلة للحياة أو أقل قسوة، وهناك من رفضوا النزوح مثل أسرة “مي”.
رغم قبح الحرب وآثارها السلبية إلا أن الإنسان السوداني استطاع خلق نوع من التعايش السلمي في بعض ولايات السودان الأمنة، ولأن السودان الان يمثل واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم سواء داخل السودان بالإضافة للاجئين/ات في دول الجوار، خاصة النساء والأطفال، حيث يفر الملايين بسبب الهجمات المروعة التي تسببها الأطراف المتحاربة، فبحسب مفوضية اللاجئين، فأعداد السوداني/ين/ات المجبرين على الفرار تجاوز الآن الـ(١١.٥) ملايين، لتعد أزمة النزوح إحدى أسوأ الأزمات التي لازمت السودان عبر تاريخه، وليس فقط من حيث الانتهاكات والتبعات التي نالت من النازحين/ات خلال نزوحهم، ولكن الوضع ذاته ألقى بظلاله على ملايين النازحين الذين باتوا أمام حياة جديدة لم تكن في حسبانهم مما جعل العديد من الأسر تفضل البقاء في الخرطوم خوفاً من حياة مجهولة.
خطر الموت أو الفقدان
ومنذ بداية الحرب، تتعرض النساء والفتيات في السودان لخطر الاشتباكات العنيفة بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، تحكي مي أنها عاشت أياماً صعبة من حياتها خصوصاً في الشهور الأولى للحرب، فكانت أصوات الرصاص والدانات تعم المدينة، ففي تلك اللحظات لم يكن أمام “مي” وأسرتها إلا النزول ارضاً أو تحت طاولة لتكون لهم درعاً واقياً من الرصاص أو “دانة طائشة” على حد تعبيرها.
لا يزال الخطر قائما على المرأة في مناطق النزاعات، حيث هناك اعداداً من الفتيات على قائمة الاختفاء القسري، واعدداً أخرى من حالات الاغتصاب وغيرها من الانتهاكات التي يطول شرحها، حيث تقف النساء في الصفوف الأمامية لتقديم الرعاية، لذلك فإنهن يخاطرون بالخروج من المنزل لتلبية احتياجات أسرهن، ليتعرضن لمخاطر فقدان حياتهن. تقول مي إن أصعب اللحظات عندما تخرج من المنزل لجلب أغراض “البيت” فهي تتوقع في أي لحظة عدم العودة مرة أخرى إلى المنزل، خصوصاً عندما تسمع اصوات الرصاص أو وقوع الدانات أثناء الطريق، في إحدى بيوت الجيران كانت تلك أصعب اللحظات التي عاشتها بحسب وصفها.
تجربة المرأة السودانية أثناء الحرب لها وجوه عديدة مثل ألم فراق الأهل أو فقد أحد أفراد الأسرة، أو حتى السبل التي تسلكها لكسب العيش، كذلك تُجبر الحرب النساء على تبني أدوار غير مألوفة وتقتضي منهن تعزيز ما لديهن من مهارات للتغلب على الصعاب واكتساب مهارات جديدة. بين ليلة وضحاها، أصبحت مي عاطلة عن العمل منذ الرصاصة الأولى في الحرب بعد أن كانت صحفية وأصبحت الآن غير قادرة على الخروج خارج حدود (المنارة) للبحث عن عمل وحالياً خياراتها مقتصرة على الصبر في ظل حياة خالية من أبسط المقومات والخدمات الأساسية مثل مياه، صحة، كهرباء، تعليم وشبكة اتصال مستقرة.
في ظل هذه الأوضاع، انخرطت الكثير من النساء والفتيات في العمل المجتمعي، مساهمات في تمتين استراتيجيات النجاة وسط الحرب والدمار، نراهن على المطابخ المجتمعية، وعلى المراكز الصحية، وفي تعليم الأطفال في المساحات الأمنة، وفي المستشفيات التي أعادت المجموعات القاعدية تأهيلها أيضا.
عزلة مع انقطاع شبكات الاتصال
انقطاع شبكات الاتصال في العاصمة الخرطوم استمر لشهور عديدة مما جعل الخرطوم ومناطق النزاع خارج التغطية، غطى انقطاع الإنترنت على الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في حق النساء والمدنيين، وحرمت المواطنين من التواصل مع العالم الخارجي. تقول مي: “بعد انقطاع الاتصال أصبحت الحياة خالية من الأصدقاء والأهل، كنا كمن يعيش في جزيرة معزولة أو فلم رعب، لا نرى ولا نسمع إلا أصوات الرصاص وتحليق الطيران ووقوع الدانات في الأحياء، وكان ذلك هو الموت البطيء”. عاشت مي وأسرتها حالة من العزلة المخيفة والمفتوحة على كل الاحتمالات وقتها. وفي خضم تجربتها هذه، تفكر مي في صمود النساء السودانيات وقدرتهن على إدارة الحياة في هذه الأوضاع الصعبة، تقول: “تعلمت أن المرأة السودانية قادرة على مواجهة كل التحديات والصعاب، وأن الصبر والأمل هو مفتاح النجاة وبعد انتهاء الحرب، أنا قادرة على خوض أي معركة أو تجربة أخرى.”
تجربة مي قد يراها البعض عادية وغير مؤثرة ولكن هذه التجربة، والتي لاتزال في خضمها، قد غيرتها، تقول مي إن تجربة الحياة في ظل الحرب، بالرغم من قسوتها، صنعت منها امرأة قوية غير قابلة للكسر وتستطيع أن تنهض من جديد، بأمل وتفاؤل بعد كل هذا الوقت تحت أصوات الرصاص. هذا نموذج واحد من مئات النساء المتواجدات في مناطق القتال مثل الخرطوم ودارفور والجزيرة وحياتهن تحت رحمة طرفي القتال في السودان.
النساء في الحرب كبش فداء
هنالك الكثير من النساء اللاتي يصارعن من أجل البقاء في الخرطوم، ففي بداية الحرب كانت النساء كبش الفداء الأول في الحرب، خاصة النساء في مناطق القتال مثل الحلفايا، والدليل على ذلك ما حدث في ضاحية الحلفاية بحسب شهادة مبادرة “مفقود” التي أفادت بأن القوات الخاصة في الجيش السوداني تمكنت من تحرير مجموعة من النساء والفتيات المفقودات من يد قوات الدعم السريع، في ضاحية الحلفاية، وبحسب المفقودات فإن قوات الدعم السريع كانت تجبرهن على علاج الجرحى وطهي الطعام. وبينت المبادرة أن بعض النساء، اللواتي عُثر عليهن بعد خطفهن، قد صرحن بأنهن قد أكرهن من قبل قوات الدعم السريع باستعمال العنف والترهيب على أداء مهام مختلفة، منها الطبخ وغسل ثياب الجنود في ظروف صحية وأمنية رديئة للغاية وفيما يوازي السُخرة.
نداءات بلا استجابة
وجهت العديد من المنظمات الحقوقية والنسوية جهدها على المطالبة بوقف الانتهاكات التي تمارس على النساء والفتيات في مناطق القتال بالإضافة للاحتجاج والادانات الواسعة ضد جرائم الحرب، لكن كل هذا لم يغير الوضع على الأرض. إذ لا توجد مؤسسات عدلية يمكن التعويل عليها، ولا طريقة لوصول النساء والفتيات للخدمات الصحية والقانونية والنفسية، ولهذا السبب كان خروج مي من المنزل صعباً في الفترة الماضية خوفاً من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في مناطق النزاعات بلا حماية.
ومع ذلك ككل قصص الحرب، تمتزج قصة “مي” بالأمل أيضا، لم تنتهي الحرب في السودان ويظل التدوين مستمراً على أحياء أمدرمان التي تحتضن الآلاف من الأسر الصابرة والنازحة، ولكن في خضم كل هذا تزوجت مي، وبدأت فصلا جديداً من حياتها. وختمت مي قصتها، تقول: أخطط للعودة لعملي بعد إجازة الزواج.
المصادر:
“ارتفاع عدد النازحين في السودان خلال العام المنصرم بنسبة 27 في المائة”. ٦ يناير ٢٠٢٥. راديو دبنقا
رفقة عبد الله
صحفية من ولاية سنار. تساهم الأن مع إرم نيوز و صحيفة اليوم التالي
- لا توجد المزيد من المقالات



