من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي: ملاحظات من حرب السودان
ميادة عبد العظيم حسنين
سيراف صديق
ترجمة: سارة حيدر أحمد صديق
حكت سيدة سودانية مقيمة في المملكة العربية السعودية، في إحدى المجموعات المخصصة للنساء على منصة فيسبوك، عن معاناتها عقب انتقال والدتها و(نسيبتها) للإقامة مع أسرتها الصغيرة، وما ترتب على ذلك من اختلال في موازين السلطة داخل الأسرة، وفقدان تدريجي للسيطرة، وتصاعد التوترات. ترك سرد تجربتها أثراً عميقاً لدى العديد من النساء السودانيات النازحات ضمن المجموعة، وكان التعليق الأكثر تداولاً (الله يلعن البرهان وحميدتي)، الأمر الذي يعكس تجربة جماعية وفهماً مشتركاً للجهة التي يجب إلقاء اللوم عليها في معاناتهن، ليس فقط في السرد الشامل لتجربة النزوح، بل في التغيرات الطفيفة لحياتهن اليومية. وقد أظهرت المناقشات إجماعاً على أن الحرب فرضت واقعاً مضطرباً لم تتحدد معالمه بعد، مع إبراز الدور المحوري والحيوي للنساء في مواجهة هذا الواقع.
وعلى نحو مشابه، تتجلى قضية أخرى في مجموعات التواصل الاجتماعية الخاصة بالسودانيات/ين في مصر، حيث تتزايد المنشورات حول الأطفال والطفلات التائهين الذين يواجهون صعوبة في العودة إلى مساكنهم بعد اضطرارهم للعب خارج الشقق المكتظة، وغالباً ما يتجسد الرد في تساؤل يوجه اللوم للأمهات: (الأولاد ديل أمهاتهم وين؟)، تبرز هذه الأمثلة بوضوح أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تواجهها النساء السودانيات في خضم موجة النزوح المستمرة.
منذ اندلاع الحرب في السودان، تمحور الخطاب المتعلق بالمرأة في المصاعب الجسيمة التي تكبّدتها، ابتداءً من العنف الجنسي الممنهج ووصولاً إلى النزوح الجماعي. حيث دمّر الصراع الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلاد، والتي يُعدّ إعادة الإنتاج الاجتماعي أحد أركانها الجوهرية. ويشمل هذا المفهوم تقديم أعمال الرعاية للأطفال وكبار السن داخل الأسرة، إضافة إلى جميع الأعمال المنزلية والخارجية المرتبطة بإعادة إنتاج القوى العاملة وتنشئة المجتمع (كما سيُوضّح بشكل أدق لاحقاً).
بينما يظل تسليط الضوء على معاناة النساء أمراً جوهرياً، وهو ما يفعله هذا المقال إلى حدّ ما، نذهب أبعد من ذلك لنؤكد أن فهم تأثير هذه الأزمة واستجابة النساء لها يتطلب تجاوز الإطار الذي ينظر إلى أعمال الرعاية كبديل لإعادة الإنتاج الاجتماعي، أو اعتبارها عملية محايدة، سلبية، أو أكثر قسوة واستغلالاً تحت الضغط. بل ينبغي دراسة كيفية قيام الأزمة نفسها بإعادة إنتاج الظروف التي تخلق طرقاً جديدة ومحددة لأداء أعمال الرعاية. فهذه الطرق تولّد تعلما جديدًا وتوترات متجددة، بينما تستجيب لها جميعاً في خدمة الهدف الأوسع والدائم: استمرارية إعادة إنتاج الحياة والعمل.
تنامى الاهتمام بأعمال الرعاية خلال السنوات الماضية، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والكتابية والصحفية ومنابر المناصرة، مما دفع مسألة الرعاية لتصبح محوراً رئيسياً في الخطاب النسوي العالمي خلال جائحة كوفيد-19 وفترات الإغلاق المصاحبة لها.
وقد سلطت الجائحة الضوء بشكل واضح على إعادة الإنتاج الاجتماعي وأعمال الرعاية، وأطلقت نقاشات بالغة الأهمية أسفرت عن نتيجتين أساسيتين: أولاً، بروز الأهمية الجوهرية لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، التي ظهرت ضرورتها أثناء الإغلاق، وثانيًا، استمرارية إلقاء العبء غير المتوازن لأعمال الرعاية على عاتق النساء، حتى في الشمال العالمي حيث يُفترض تراجع الأدوار التقليدية المستندة على النوع الاجتماعي، ورغم صحة هاتين الملاحظتين وأهمية أثرهما، فإن الخطاب السائد خلال الجائحة في الأوساط النسوية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات (بما في ذلك البنك الدولي وغيرها) قد حصر أعمال الرعاية ضمن إطار ثنائي ضيق يفرّق بين العمل مدفوع الأجر وغير المدفوع. وعليه، يسعى هذا المقال إلى إبراز محدودية هذا الإطار وعدم ملاءمته للسياق السوداني.
تُسَلِّط أطروحة أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر الضوءَ على الكيفية التي تُرسِّخ بها الهياكلُ الأبويةُ تقسيمَ العمل بين الجنسين فيما يتعلق بأعمال الرعاية، فإنها تُعتبر في المقام الأول مسؤولية النساء (حضَانة الأطفال، والأعمال المنزلية، ورعاية المسنين/ات) وما ينتج عن هذا التوزيع غير المتكافئ من اختلالٌ واضح في موازين القوة بين الجنسين، مما يُقَيِّدُ حرية النساء ويَحُدُّ من فرصهن في الأعمال مدفوعة الأجر في السوق، والاستقلال المالي.
يُمكن تخفيف هذا العبء عن كاهل النساء عبر مسارين: إعادة التوزيع العادل للمسؤوليات (سواء بالتشارك بين الأزواج أو بالتقاسم بين الأشقاء)، وبالمقابل قد يشكّل الرفض الصريح من جانب المرأة لهذه الواجبات المفروضة سبيلًا نحو التحرر.
يوسع تحويل التركيز من (أعمال الرعاية) إلى (إعادة الإنتاج الاجتماعي) دائرة النقاش؛ إذ لا تقتصر إعادة الإنتاج الاجتماعي على المهام المادية فحسب (سواء كانت مدفوعة أو غير مدفوعة الأجر) بل تشمل كذلك منظومة المعتقدات والممارسات والقيم المُنظَّمة التي تضمن استمرارية بنية المجتمع وتجددها. وغالبًا ما تبقى هذه العملية خفية، غير مُوثَّقة، ومُستخفًّا بقيمتها. فهي لا تقوم فقط على إعادة تجديد قوة العمل عبر توفير الغذاء والمأوى وسواهما، بل تُسهم كذلك في تشكيل آليات سوق العمل وأنماط العلاقات بين الأفراد. والأهم من ذلك، فإن إعادة الإنتاج الاجتماعي عملية مرنة ومتغيرة، وليست مجرد مجال ينبغي السعي إلى (التحرر) منه.
إن تأطير تحرر المرأة من خلال منظور التحرر من هذا الدور- عمل الرعاية غير مدفوع الأجر- كان السبب وراء حقيقة أن العمالة المنزلية لم تدرج مطلقاً ضمن مطالب حقوق المرأة منذ نشأة الحركة النسوية السودانية.
في الواقع، لم تتمكن النساء الحضريات في السودان من تحقيق سوى لحظة عابرة من التوازن، عبر المواءمة بين أدوارهن داخل المنزل وخارجه، وذلك بفضل وجود إمداد مستمر من العمالة النسائية منخفضة الأجر، وفَّرت لهن هذا الهامش من الاستقرار. وترسخت هذه المعادلة في سياق تصاعد الخصخصة وانسحاب الدولة من تقديم الخدمات العامة، وتفاقم فجوات اللامساواة بسبب الصراعات والنزوح، والتدهور الاقتصادي في المناطق الطرفية، متزامناَ مع نمو الطبقة الوسطى الحضرية بعد الطفرة النفطية.
إن تحطم هذا الإطار بفعل الحرب والنزوح الإجباري يفرض علينا التساؤل عن مدى صلاحيته، ويستدعي الانتقال نحو فهم أعمق لأعمال الرعاية بوصفها جهداً جوهرياً مرتبطاً بشكل وثيق بالإنتاج، والتراكم وصناعة الحياة.
وفي هذا الإطار، تعمل إعادة الإنتاج الاجتماعي كرابط محوري بين الحياة و(الإنتاج). فهي ليست مجرد موقع يمكن التحكم فيه عبر السياسات أو الخطاب الشعبي (النظام الأبوي)، ولا مجال يستجيب بشكل سلبي فقط للتغيرات الرسمية أو الاقتصادية، بل هي عملية نشطة ومنهجية يشارك الممارسون بها كفاعلين في تشكيل العالم وإعادة تشكيله، بالتوازي مع القوى الاقتصادية الكلية والقوى الجيوسياسية.
تُظهر الملاحظة اليومية لحياة النساء السودانيات في الداخل والمهجر تحوّلات عميقة في آليات استدامة وإعادة الإنتاج للأسر، وهي مهام تقع بالأساس على عاتق النساء. ومع الحِراك المتسارع والضغوط المتزايدة على الاقتصاد والمؤسسات المحلية، تغيّرت آليات ‘إعادة الإنتاج الاجتماعي’، بما في ذلك معارفه ووظائفه، بشكل جوهري. وتختلف مظاهر هذه التغييرات حسب التناقضات البنيوية في السودان، التي تشكّل أساس نموذجه الاقتصادي والسياسي، وتؤثر مباشرة على عمليات إعادة الإنتاج الاجتماعي.
في حين أن هجرة نساء الطبقة الحضرية العليا والمتوسطة داخل السودان وإلى دول الجوار أعادت، في كثير من الحالات، إعادة تعريف الحدود المادية والاجتماعية للأسرة، فإن الغالبية العظمى من النساء السودانيات، اللواتي كنَّ يعيشن بالفعل في ظل ندرة الموارد الاجتماعية قبل حرب أبريل في السودان، سواء كعضوات في أسر تعمل ضمن اقتصاد ريفي محدود الإنتاجية أو ضمن الفئات الاجتماعية المتمركزة في أطراف المدن، يشهدن الآن ضغطًا اقتصاديًا مستمرًا يهدد قدرتهن على الصمود، ويدفعهن أكثر فأكثر نحو اقتصادات الحرب، مما يجعل حياتهن نفسها عرضة لإعادة الإنتاج الاجتماعي ضمن هذا الإطار الاقتصادي والاجتماعي المضطرب.
شكلت الحرب في السودان واحدة من أكبر موجات النزوح والهجرة في العصر الحديث، ما أفضى إلى تحوّلات ديموغرافية عميقة وإعادة تشكيل واضحة للبناء الاجتماعي للأسرة. وقد أسهم هذا الحراك السكاني في رسم ملامح جديدة لعمليات إعادة الإنتاج الاجتماعي والرعاية. وفي العديد من الحالات، أدّت التغيّرات التي طرأت على النسيج الأسري (خاصة مع نزوح العائلات الممتدة بأكملها) إلى تقليص مؤقت للهامش الضيّق من السيطرة التي كانت النساء قد انتزعنها داخل الأسرة، وهو هامش تَشكَّل تدريجيًا مع مسار التحضّر الذي تسارع منذ خمسينيات القرن الماضي.
تُسلّط قصص النساء السودانيات في مصر الضوء على التوترات الحادة الناجمة عن المسؤوليات المتزايدة المفروضة على كاهل الأسرة، ومواجهتها لتغيّر الالتزامات الاجتماعية والأعراف، وذلك في خضمّ ضغط الموارد وندرتها.
ففي إحدى الحالات التي تمت مشاركتها داخل مجموعة استشارات مخصصة للنساء في منصة ”فيسبوك“، طلبت أم لطفلين دعماً يخفّف حدّة الخلاف بين والدتها ونسيبتها اللتين تقيمان معها في منزل عائلتهم الصغير المعتمد اعتماداً كاملاً على دخل زوجها. وفي مثل هذا السياق، يتحوّل التوازن الدقيق بين توقعات إرضاء النسيبة، والواجبات تجاه الأم، واعتمادهن المشترك على دخل الزوج، إلى بؤرة صراع، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى إدارة الحياة اليومية فوق أعباء الأسرة الحالية.
وبدلاً من الاقتصار على إعالة أسرهن، تواصل النساء السودانيات المهاجرات واللاجئات الانخ

