من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي: ملاحظات من حرب السودان
ميادة عبد العظيم حسنين
سيراف صديق
ترجمة: سارة حيدر أحمد صديق
حكت سيدة سودانية مقيمة في المملكة العربية السعودية، في إحدى المجموعات المخصصة للنساء على منصة فيسبوك، عن معاناتها عقب انتقال والدتها و(نسيبتها) للإقامة مع أسرتها الصغيرة، وما ترتب على ذلك من اختلال في موازين السلطة داخل الأسرة، وفقدان تدريجي للسيطرة، وتصاعد التوترات. ترك سرد تجربتها أثراً عميقاً لدى العديد من النساء السودانيات النازحات ضمن المجموعة، وكان التعليق الأكثر تداولاً (الله يلعن البرهان وحميدتي)، الأمر الذي يعكس تجربة جماعية وفهماً مشتركاً للجهة التي يجب إلقاء اللوم عليها في معاناتهن، ليس فقط في السرد الشامل لتجربة النزوح، بل في التغيرات الطفيفة لحياتهن اليومية. وقد أظهرت المناقشات إجماعاً على أن الحرب فرضت واقعاً مضطرباً لم تتحدد معالمه بعد، مع إبراز الدور المحوري والحيوي للنساء في مواجهة هذا الواقع.
وعلى نحو مشابه، تتجلى قضية أخرى في مجموعات التواصل الاجتماعية الخاصة بالسودانيات/ين في مصر، حيث تتزايد المنشورات حول الأطفال والطفلات التائهين الذين يواجهون صعوبة في العودة إلى مساكنهم بعد اضطرارهم للعب خارج الشقق المكتظة، وغالباً ما يتجسد الرد في تساؤل يوجه اللوم للأمهات: (الأولاد ديل أمهاتهم وين؟)، تبرز هذه الأمثلة بوضوح أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تواجهها النساء السودانيات في خضم موجة النزوح المستمرة.
منذ اندلاع الحرب في السودان، تمحور الخطاب المتعلق بالمرأة في المصاعب الجسيمة التي تكبّدتها، ابتداءً من العنف الجنسي الممنهج ووصولاً إلى النزوح الجماعي. حيث دمّر الصراع الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلاد، والتي يُعدّ إعادة الإنتاج الاجتماعي أحد أركانها الجوهرية. ويشمل هذا المفهوم تقديم أعمال الرعاية للأطفال وكبار السن داخل الأسرة، إضافة إلى جميع الأعمال المنزلية والخارجية المرتبطة بإعادة إنتاج القوى العاملة وتنشئة المجتمع (كما سيُوضّح بشكل أدق لاحقاً).
بينما يظل تسليط الضوء على معاناة النساء أمراً جوهرياً، وهو ما يفعله هذا المقال إلى حدّ ما، نذهب أبعد من ذلك لنؤكد أن فهم تأثير هذه الأزمة واستجابة النساء لها يتطلب تجاوز الإطار الذي ينظر إلى أعمال الرعاية كبديل لإعادة الإنتاج الاجتماعي، أو اعتبارها عملية محايدة، سلبية، أو أكثر قسوة واستغلالاً تحت الضغط. بل ينبغي دراسة كيفية قيام الأزمة نفسها بإعادة إنتاج الظروف التي تخلق طرقاً جديدة ومحددة لأداء أعمال الرعاية. فهذه الطرق تولّد تعلما جديدًا وتوترات متجددة، بينما تستجيب لها جميعاً في خدمة الهدف الأوسع والدائم: استمرارية إعادة إنتاج الحياة والعمل.
تنامى الاهتمام بأعمال الرعاية خلال السنوات الماضية، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والكتابية والصحفية ومنابر المناصرة، مما دفع مسألة الرعاية لتصبح محوراً رئيسياً في الخطاب النسوي العالمي خلال جائحة كوفيد-19 وفترات الإغلاق المصاحبة لها.
وقد سلطت الجائحة الضوء بشكل واضح على إعادة الإنتاج الاجتماعي وأعمال الرعاية، وأطلقت نقاشات بالغة الأهمية أسفرت عن نتيجتين أساسيتين: أولاً، بروز الأهمية الجوهرية لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، التي ظهرت ضرورتها أثناء الإغلاق، وثانيًا، استمرارية إلقاء العبء غير المتوازن لأعمال الرعاية على عاتق النساء، حتى في الشمال العالمي حيث يُفترض تراجع الأدوار التقليدية المستندة على النوع الاجتماعي، ورغم صحة هاتين الملاحظتين وأهمية أثرهما، فإن الخطاب السائد خلال الجائحة في الأوساط النسوية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات (بما في ذلك البنك الدولي وغيرها) قد حصر أعمال الرعاية ضمن إطار ثنائي ضيق يفرّق بين العمل مدفوع الأجر وغير المدفوع. وعليه، يسعى هذا المقال إلى إبراز محدودية هذا الإطار وعدم ملاءمته للسياق السوداني.
تُسَلِّط أطروحة أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر الضوءَ على الكيفية التي تُرسِّخ بها الهياكلُ الأبويةُ تقسيمَ العمل بين الجنسين فيما يتعلق بأعمال الرعاية، فإنها تُعتبر في المقام الأول مسؤولية النساء (حضَانة الأطفال، والأعمال المنزلية، ورعاية المسنين/ات) وما ينتج عن هذا التوزيع غير المتكافئ من اختلالٌ واضح في موازين القوة بين الجنسين، مما يُقَيِّدُ حرية النساء ويَحُدُّ من فرصهن في الأعمال مدفوعة الأجر في السوق، والاستقلال المالي.
يُمكن تخفيف هذا العبء عن كاهل النساء عبر مسارين: إعادة التوزيع العادل للمسؤوليات (سواء بالتشارك بين الأزواج أو بالتقاسم بين الأشقاء)، وبالمقابل قد يشكّل الرفض الصريح من جانب المرأة لهذه الواجبات المفروضة سبيلًا نحو التحرر.
يوسع تحويل التركيز من (أعمال الرعاية) إلى (إعادة الإنتاج الاجتماعي) دائرة النقاش؛ إذ لا تقتصر إعادة الإنتاج الاجتماعي على المهام المادية فحسب (سواء كانت مدفوعة أو غير مدفوعة الأجر) بل تشمل كذلك منظومة المعتقدات والممارسات والقيم المُنظَّمة التي تضمن استمرارية بنية المجتمع وتجددها. وغالبًا ما تبقى هذه العملية خفية، غير مُوثَّقة، ومُستخفًّا بقيمتها. فهي لا تقوم فقط على إعادة تجديد قوة العمل عبر توفير الغذاء والمأوى وسواهما، بل تُسهم كذلك في تشكيل آليات سوق العمل وأنماط العلاقات بين الأفراد. والأهم من ذلك، فإن إعادة الإنتاج الاجتماعي عملية مرنة ومتغيرة، وليست مجرد مجال ينبغي السعي إلى (التحرر) منه.
إن تأطير تحرر المرأة من خلال منظور التحرر من هذا الدور- عمل الرعاية غير مدفوع الأجر- كان السبب وراء حقيقة أن العمالة المنزلية لم تدرج مطلقاً ضمن مطالب حقوق المرأة منذ نشأة الحركة النسوية السودانية.
في الواقع، لم تتمكن النساء الحضريات في السودان من تحقيق سوى لحظة عابرة من التوازن، عبر المواءمة بين أدوارهن داخل المنزل وخارجه، وذلك بفضل وجود إمداد مستمر من العمالة النسائية منخفضة الأجر، وفَّرت لهن هذا الهامش من الاستقرار. وترسخت هذه المعادلة في سياق تصاعد الخصخصة وانسحاب الدولة من تقديم الخدمات العامة، وتفاقم فجوات اللامساواة بسبب الصراعات والنزوح، والتدهور الاقتصادي في المناطق الطرفية، متزامناَ مع نمو الطبقة الوسطى الحضرية بعد الطفرة النفطية.
إن تحطم هذا الإطار بفعل الحرب والنزوح الإجباري يفرض علينا التساؤل عن مدى صلاحيته، ويستدعي الانتقال نحو فهم أعمق لأعمال الرعاية بوصفها جهداً جوهرياً مرتبطاً بشكل وثيق بالإنتاج، والتراكم وصناعة الحياة.
وفي هذا الإطار، تعمل إعادة الإنتاج الاجتماعي كرابط محوري بين الحياة و(الإنتاج). فهي ليست مجرد موقع يمكن التحكم فيه عبر السياسات أو الخطاب الشعبي (النظام الأبوي)، ولا مجال يستجيب بشكل سلبي فقط للتغيرات الرسمية أو الاقتصادية، بل هي عملية نشطة ومنهجية يشارك الممارسون بها كفاعلين في تشكيل العالم وإعادة تشكيله، بالتوازي مع القوى الاقتصادية الكلية والقوى الجيوسياسية.
تُظهر الملاحظة اليومية لحياة النساء السودانيات في الداخل والمهجر تحوّلات عميقة في آليات استدامة وإعادة الإنتاج للأسر، وهي مهام تقع بالأساس على عاتق النساء. ومع الحِراك المتسارع والضغوط المتزايدة على الاقتصاد والمؤسسات المحلية، تغيّرت آليات ‘إعادة الإنتاج الاجتماعي’، بما في ذلك معارفه ووظائفه، بشكل جوهري. وتختلف مظاهر هذه التغييرات حسب التناقضات البنيوية في السودان، التي تشكّل أساس نموذجه الاقتصادي والسياسي، وتؤثر مباشرة على عمليات إعادة الإنتاج الاجتماعي.
في حين أن هجرة نساء الطبقة الحضرية العليا والمتوسطة داخل السودان وإلى دول الجوار أعادت، في كثير من الحالات، إعادة تعريف الحدود المادية والاجتماعية للأسرة، فإن الغالبية العظمى من النساء السودانيات، اللواتي كنَّ يعيشن بالفعل في ظل ندرة الموارد الاجتماعية قبل حرب أبريل في السودان، سواء كعضوات في أسر تعمل ضمن اقتصاد ريفي محدود الإنتاجية أو ضمن الفئات الاجتماعية المتمركزة في أطراف المدن، يشهدن الآن ضغطًا اقتصاديًا مستمرًا يهدد قدرتهن على الصمود، ويدفعهن أكثر فأكثر نحو اقتصادات الحرب، مما يجعل حياتهن نفسها عرضة لإعادة الإنتاج الاجتماعي ضمن هذا الإطار الاقتصادي والاجتماعي المضطرب.
شكلت الحرب في السودان واحدة من أكبر موجات النزوح والهجرة في العصر الحديث، ما أفضى إلى تحوّلات ديموغرافية عميقة وإعادة تشكيل واضحة للبناء الاجتماعي للأسرة. وقد أسهم هذا الحراك السكاني في رسم ملامح جديدة لعمليات إعادة الإنتاج الاجتماعي والرعاية. وفي العديد من الحالات، أدّت التغيّرات التي طرأت على النسيج الأسري (خاصة مع نزوح العائلات الممتدة بأكملها) إلى تقليص مؤقت للهامش الضيّق من السيطرة التي كانت النساء قد انتزعنها داخل الأسرة، وهو هامش تَشكَّل تدريجيًا مع مسار التحضّر الذي تسارع منذ خمسينيات القرن الماضي.
تُسلّط قصص النساء السودانيات في مصر الضوء على التوترات الحادة الناجمة عن المسؤوليات المتزايدة المفروضة على كاهل الأسرة، ومواجهتها لتغيّر الالتزامات الاجتماعية والأعراف، وذلك في خضمّ ضغط الموارد وندرتها.
ففي إحدى الحالات التي تمت مشاركتها داخل مجموعة استشارات مخصصة للنساء في منصة ”فيسبوك“، طلبت أم لطفلين دعماً يخفّف حدّة الخلاف بين والدتها ونسيبتها اللتين تقيمان معها في منزل عائلتهم الصغير المعتمد اعتماداً كاملاً على دخل زوجها. وفي مثل هذا السياق، يتحوّل التوازن الدقيق بين توقعات إرضاء النسيبة، والواجبات تجاه الأم، واعتمادهن المشترك على دخل الزوج، إلى بؤرة صراع، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى إدارة الحياة اليومية فوق أعباء الأسرة الحالية.
وبدلاً من الاقتصار على إعالة أسرهن، تواصل النساء السودانيات المهاجرات واللاجئات الانخراط في سوق الرعاية المُسلعة. ففي يوغندا، على سبيل المثال، تسهم هؤلاء النساء في الحفاظ على رائحة ودفء المنزل السوداني عبر توفير جميع مستلزماته، بدءاً من إعداد ”الكِسرة“ وصولاً إلى ”البخور“.
أما في دول أخرى، مثل دول الخليج، فتجد المهاجرات السودانيات حديثًا (اللواتي كن يعملن سابقًا في القطاعين الرسمي وغير الرسمي في السودان) أنفسهن مندمجات بعمق أكبر في اقتصاد خدمات ورعاية الأطفال والخدمات المنزلية، سواء بالعمل كمربيات، أو معلمات خاصات، أو عاملات منازل.
ظلت شبكات المغتربين تشكل طوق نجاة حيوي للعديد من الأسر والمجتمعات السودانية. وقد تضاعف حجم التحويلات المالية، التي لطالما كانت ركيزة تاريخية للاقتصاد، فازدادت اتساعًا في النطاق وثقلاً في الأعباء على عاتق المغتربين. يواصل المغتربون (سواء كانوا وافدين جدد أو مقيمين سابقين) المساهمة بسخاء وتطوع لإعالة ذويهم، غالبًا على حساب راحتهم الشخصية، بل وكثيراً ما يتكفلون بأكثر من أسرة في آن واحد.
عشنا جميعنا تلك الاجتماعات العائلية المتوالية التي تُعقد للتشاور وضبط الموازنات المالية. فالمسألة لا تقتصر على تحديد أماكن استقرار الأفراد، بل تتتجاوزه إلى تحديد الشخص الذي سيقدم التضحية ليصبح ”مغترب العائلة“، ما يعكس إدارة دقيقة ومتقنة للموارد البشرية والعاطفية ضمن الأسرة. هذا الشعور الجامع بالترابط والهشاشة والمرونة يشكّل إعادة تنظيم للمنزل: التحويلات المالية، سواء الموجهة مباشرة إلى أفراد الأسرة أو إلى برامج مطابخ الأحياء والمجتمع، تحافظ على استمرار الحياة الأسرية، لكنها في الوقت ذاته تُرسّخ تسلسلاً هرمياً جديداً في تنظيم الحياة اليومية. ولتتمكن الأسر من تحمل هذه المسؤولية الإضافية، غالبًا ما تُقسَم بين المعيلين ومقدمي الرعاية، وذلك بهدف التوفير، مما يترك الأمهات وحيدات لإدارة جميع واجبات الرعاية داخل المنزل وخارجه.
في السودان، تواجه المجتمعات التي آثرت البقاء في مناطق النزاع الحضرية (سواء قسراً أو طوعاً) واقعاً أكثر تعقيداً وضغطاً فيما يتعلق بعمليات الاستدامة وإعادة الإنتاج الاجتماعي.
أما المشهد الريفي السوداني، فقد خلّفت فيه الحرب آثاراً كارثية وشاملة، تجلّت في انهيار النُظم الغذائية، وتدهور الخدمات الصحية، إلى جانب موجات نزوح متواصلة مع انتقال رقعة الحرب من منطقة إلى أخرى. بالنظر إلى الديناميكيات الدقيقة داخل الأسرة الممتدة، نجد أن الضائقة التي تعانيها الاقتصادات المحلية قد فاقمت الضغط على النظم الريفية عبر انهيار القطاعات الحيوية (القطاع الزراعي نتيجة نقص التمويل وتدمير البنية التحتية)، أو بسبب تدفق الأقارب والنازحين إليها.
كما أسهمت عملية الهجرة العكسية (من الحضر إلى الريف) في إضعاف الأسر وعرقلة آليات استدامة معيشتها. فقد تحملت العائلات، ولا سيما النساء في المناطق الريفية، مسؤولية مضاعفة لتوفير الغذاء والرعاية والمأوى للأقارب وحتى الغرباء، ما أدى إلى انعكاس ديناميكيات الاعتماد المتبادل بين الأقارب في الحضر والريف.
أما سكان المناطق شبه الحضرية، والذين كانوا يعتمدون سابقاً على الدخل المحدود للطبقة الوسطى السودانية (سواء عبر كسب معيشتهم من خلال الأعمال اليدوية، أو اعالة أنفسهم وأسرهم عبر العمالة المنزلية، سائقين، وطهاة)، فإنهم يجدون أنفسهم اليوم مرغمين على تقليص عملية إعادة إنتاجهم الاجتماعي لدرجة الاقتصار على الحدود الدنيا للبقاء.
في خضمّ الانشغال اليومي بتأمين الغذاء، تتصدر النساء الصفوف بوصفهنّ العمود الفقري الذي تنهض عليه استدامة الاحتياجات الأساسية، سواء في مناطق النزاع أو في البيئات المستقرة.
وقد تشابهت أدوار النساء داخل السودان مع نظيراتهنّ خارج البلاد، لتشمل الإلمام السريع بمواقع ”التكايا“ (مطابخ المجتمع) ونقاط توزيع المساعدات، فضلاً عن المعرفة الدقيقة بكافة الإجراءات اللازمة لضمان الوصول الفعّال إلى هذه الموارد.
وفي إحدى مناطق شمال الخرطوم، استغلت النساء فترات توفّر الكهرباء المجانية في نقل عمليات إعداد الطعام إلى أجهزة التسخين والأفران الكهربائية للمساهمة في تأمين دخل إضافي يعزز صمود العائلات في مواجهة تحديات الحياة اليومية، وذلك ببيع بعض هذه المنتجات الأساسية مثل ”الكسرة“ والخبز والخبيز.
ومع تصاعد الضغوط على العائلات بأكملها، أصبح الرجال أكثر انخراطاً في تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من الحصول على المياه، وإصلاح وبناء البنية التحتية المنزلية، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في استدامة معيشة الأسرة.
هذه المشاركة تشمل الانضمام إلى القوات المسلحة، أو على الأقل إقامة علاقات اجتماعية مع أي قوة عسكرية تسيطر على المنطقة. تُظهر هذه الديناميكية تداخلاً بنيوياً عميقاً يربط بين البقاء على قيد الحياة، واقتصاد الحرب، وهياكل السلطة المحلية، ومع تزايد التعقيد الزمني والمادي لتأمين الاحتياجات الأساسية، تختزل المجتمعات عملية إعادة إنتاجها الاجتماعي إلى أبسط صورها: الاستمرار المادي. ضمن هذا الإطار، يكتسب الأفراد (الرجال والنساء) بمهارة فائقة وفورية القدرة على تأمين سبل العيش. وهو ليس مؤشرًا على المرونة الفردية، بل هو آلية إشراك قسري للجميع في منظومة اقتصاد الحرب وعملياته الاجتماعية، الأمر الذي يضاعف ويديم تعرضهم للمخاطر.
إن التعرض للمخاطر والاقتراب من دوائر العنف ليست ظاهرة مقتصرة على الأفراد الباقين داخل السودان، ولا هي سمة حصرية لمرحلة ما بعد الحرب. بل هي الواقع المجرّد لعملية البقاء والحياة حين تُختزل إلى ضرورياتها الأساسية. وسواء تجلت هذه الضروريات في شوارع القاهرة أو في مناطق التعدين بولاية النيل الأزرق، فإن الأطفال يجبرون على الاعتماد على أنفسهم ضمن بيئات البالغين المحفوفة بالمخاطر.
وتوضح ظاهرة الأطفال ”المفقودين“، التي أصبحت مألوفة الآن على صفحات فيسبوك، تغير حدود الرعاية داخل الأسرة. فالأطفال المحصورون في شقق صغيرة لا يجدون أي مفرٍ سوى اللعب في شوارع موطنهم الجديد والمؤقت، بعيدًا عما يعرفونه ومن يعرفونهم.
قبل اندلاع الحرب، كان الأطفال المُجبرون على العمل في ولاية النيل الأزرق وفي مواقع التعدين المنتشرة في أنحاء السودان يتعرضون للمُلوِّثات السامة والتجنيد الإجباري، الأمر الذي أفقدهم في النهاية أي ملامح حقيقية للطفولة، إن هذه الأوضاع ليست خيارات يتخذها مقدمو الرعاية طوعاً، ولا تعكس نقصًا في الشعور أو التقصير في الرعاية، بل هي الوسائل الوحيدة المتاحة لضمان استمرار الحياة وتعد جزءاً من عمليات تعديل المعايير داخل سياق إعادة الإنتاج الاجتماعي الحالي.
على الرغم من أن إعادة الإنتاج الاجتماعي كثيراً ما تُختزل في أعمال الرعاية، فإن وظيفتها تتجاوز ذلك لتشمل الحفاظ على المجتمعات نفسها، بما في ذلك روابطها الاجتماعية والعاطفية التي تمكّنها من الاستمرار.
وفي السودان، يتجلّى هذا الدور بصورة واضحة في الممارسة الاجتماعية المرتبطة بالعزاء، حيث تتضامن المجتمعات في أداء طقوس الحداد وتقاسم الأعباء المالية، سواء عبر المساهمة المباشرة في (الكشف)، أو من خلال طيف واسع من الأفعال العملية مثل المساعدة في نصب الخيمة، وغسل الأطباق، وتنظيف المنزل، وإعداد الشاي، وتبادل الأحاديث، وتخفيف الأجواء بالونسة، وغالبًا عبر توفير تدفّق مستمر من القصص الشاغلة للذهن لصرف وطأة الحزن وتخفّيف أثره، ومع تقلّص مساحة المنازل، سواء نتيجة الأضرار المادية أو ازدياد أعداد الساكنين فيها، تراجعت كذلك مساحة ممارسة طقوس الحزن والحداد، فلم تعد تُمارس الاتساع والعمق اللذين كانا ممكنين في السابق.
لم تعد العائلات خارج السودان، سواء في المساكن الحضرية أو مخيمات اللاجئات/ين، تتمتع برفاهية ممارسة الحداد الجماعي على رحيل أبنائها؛ فقد غابت طقوس (الخمسة) (الاربعين) و(والمروق)، ومعها اختفى الوقت والدعم اللازمين للعزاء. في إطار الارتباط المباشر باقتصاد الحرب، تشير الملاحظات البحثية المستمدة من قطاع تعدين الذهب إلى تحوّل عميق في توزيع الأدوار الجندرية: ففي المناطق التي شهدت نزوحًا للذكور باتجاه مواقع التعدين، تضطلع النساء بمسؤوليات اجتماعية كانت موكلة تقليدياً الرجال، ويحدث هذا التحوّل حتى في خضم السياق الوجداني المستمر للحزن والفقد.
بالطبع، هذه الظاهرة ليست مستحدثة؛ فقد سبق للمرأة السودانية في مناطق النزاع أن تولت جميع المهام، ليس فقط الاجتماعية، بل وشملت أيضًا أعباء البناء والزراعة والتجارة البسيطة، وذلك مع هجرة الرجال سعيًا للعمل أو انضمامهم للقوات المقاتلة، غير أن هذه التغيرات الاجتماعية تحدث الآن بوتيرة أسرع وأكثر انتشاراً، وتتزامن مع فترة يتسم فيها الموت بالاستمرارية والثبات.
إذا ربطنا هذه التغيرات بالتعريف الشامل لإعادة الإنتاج الاجتماعي، نجد أن هذه التحولات في كيفية رعاية المجتمع لنفسه في ديناميكيات الحياة اليومية لا تعمل بمعزل عن غيرها. بل تتجسد وتتفاعل ضمن مشروع سياسي واقتصادي أكبر. ويتجلى هذا المشروع بوضوح عبر إكراه الأفراد على الانخراط في الأنشطة العسكرية، سواء كان ذلك من خلال التجنيد الطوعي، أو القبلي، أو القائم على التهديد والخوف، مستهدفًا الرجال والنساء والأطفال على حد سواء.
كما يمكن إدراك هذه التحولات بصورة أكثر وضوحاً في اعتماد المجتمعات على الجهات المسلحة لدعم سبل العيش، سواء من خلال التحكم في تدفق المساعدات أو طرق التجارة. تسهم هذه التشكيلات الجديدة،ضمنياً، في إعادة هيكلة أشكال الإنتاج المنزلي والاجتماعي.
لم يغب هذا الوعي السياسي عن النساء، اللواتي يدركن العلاقة المتبادلة بين حياتهن واستمرار الحرب. وتختزل تعابير مثل: (الله يلعن الجنجويد) و (الله يلعن البرهان وحميدتي) في أوقات الصراع، الصلة المباشرة بين تفاقم الضغوط على الأسر السودانية والتغيرات السياسية والاقتصادية المستمرة.
تستدعي هذه المرحلة السياسية تركيزاً متعمقاً على الطريقة التي تُعاد بها صياغة عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي في السودان، ليس كمفهوم نظري فحسب، بل كواقع ملموس متأثر بالظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة. بالنسبة للباحثين، وخصوصاً النسويات المنخرطات في هذه التحولات، تَنْقَسِمُ المهمة إلى شقين رئيسيين:
أولهما، تتبُّع الكيفية التي تُديم بها أفعال البقاء اليومية (الرعاية والتحمل والتكيف) الأنظمة الاقتصادية الشاملة.
وثانيهما، توثيق الطرق التي يتعامل بها الأفراد مع هذه الهياكل، سواء بالمقاومة، أو التعزيز، أو التكيف معها، يُركِّز هذا المنهج على كيفية معايشة النساء والمجتمعات السودانية التحولات الراهنة، محافظاً على أولوية تجاربهن الحياتية، وفي الوقت ذاته يُجنِّب فرض أُطر خارجية، مثل (المطالب النسوية في الشمال العالمي). فهو ينطلق هذا المنهج من أن إعادة الإنتاج الاجتماعي ليست عملية سلبية أو خطية، بل إنها تشرك الأجساد والعواطف والعمل في سبيل الحفاظ على الوضع القائم أو زعزعته. وما يترتب على ذلك هو فتح المجال أمام سؤالين جوهريين: كيف يتكيف الناس؟ ما الذي تكشفه استراتيجيات التكيف هذه عن أنماط السلطة؟
Mayada Abdelazim Hassanain
An economist and a senior program officer at the International Development Economics Associates
-
لا توجد المزيد من المقالات
Seraf Sidig
Political scientist and independent researcher at the Sudanese Center for Environment and Social Studies
-
لا توجد المزيد من المقالات
سارة حيدر أحمد صديق
مترجمة مستقلة، أكاديمية وباحثة في مجال الإعلام والإتصال



