البيوغاز: المخلفات أمل للمجتمعات النازحة

البيوغاز: المخلفات أمل للمجتمعات النازحة

ويني مضوي ابراهيم آدم

ترجمة: روح ناصر

تستيقظ ملايين النازحات/ين بسبب الحرب، والكوارث الطبيعية والأزمات الاجتماعية والسياسية، كل يوم، على الحقائق المُرة للعيش في المخيمات، فحياتهن/م معركة دائمة من أجل البقاء، ما بين الملاجئ المؤقتة، والمرافق الصحية غير الملائمة والمعاناة المستمرة لإيجاد وقود للطبخ، وبالنسبة للنساء والأطفال الذين يمثلون غالبية النازحين، تبدو التحديات أقسى بكثير. لكن، ما الذي يمكن أن يحدث إن تم تحويل مخلفات أولئك الجموع من الناس وحيواناتهم وزراعتهم إلى شريان حياة؟ واستبدل الاعتماد الخطير وغير المستدام على حرق الحطب بمصادر طاقة متجددة ونظيفة؟ إن التحول نحو تكنولوجيا البايوغاز أو الغاز الحيوي، يمكن أن يغير الواقع بالنسبة للمجتمعات النازحة حول العالم.

حياة على الحافة

يُكافح أكثر من 103 مليون نازح حول العالم، من أجل البقاء. في السودان، شردت الحرب حوالي 13 مليون شخص، 53% منهم نساء وفتيات يعشن في مراكز إيواء في مدن آمنة نسبياً كالقضارف في شرق السودان، والرنك في جنوب السودان، وغالباً ما تتحول هذه الملاجئ المصممة لتكون مناطق آمنة، إلى أماكن تتكاثر فيها الأمراض، والجريمة واليأس، لأن الوضع الأمني فيها هش، والخدمات الصحية غير كافية، ومعدلات الوفيات مرتفعة [1].

لنتوقف لحظة ونتخيل طبيعة الحياة في هذه المخيمات؛ ندرة المياه، ومعاناة جلبها التي تستغرق ساعات طويلة، ومرافق صرف صحي بدائية، غالباً ما تكون ممتلئة وتُلوِّث مصادر المياه القريبة، يضاف إلى ذلك شقاء جمع وقود الطهي من الأحراش المجاورة، والتي يمكن أن تتعرض خلالها النساء لمخاطر الاعتداء أو السرقة، هذا غير ما يحدث من تجريف لتلك الأحراش أو الغابات، فالبيئة مثل الناس تعاني أيضا إثر الممارسات السالبة، حيث تُجرد الغابات من أشجارها، بغرض انتاج الفحم النباتي، الذي يصدر إنتاجه غازات ضارة، تساهم مع انبعاثات غازات الصرف الصحي في تغير المناخ. لكن هناك أمل يلوح في الأفق.

لماذا يُعد البايوغاز مسألة مهمة؟

وُجدت تكنولوجيا البايوغار منذ عقود مضت، وهو نظام أو تقنية تعمل على تحويل المخلفات العضوية البشرية والحيوانية وبقايا الطعام ومخلفات الزراعة، إلى مُنتَجَين قيمين هما: أولًا (البايوغاز) وهو وقود نظيف، يمكن استخدامه للطهي وتوليد الكهرباء، والثاني السائل الناتج (السلاجي): وهو سماد غني بالمواد المغذية للتربة التي تستخدم في الأنشطة الزراعية. وقد ظهرت تصاميم مختلفة لتقنية البيوغار منذ الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، لكن لم يتم ملاحظة إمكانية استخدامها في بيئات النزوح إلا مؤخرًا.

ثورة بايوغاز أفريقية

يُعد وقود الطهي من الحاجات الملحة في المخيمات، وللحصول عليه يتم اتباع الطرق التقليدية، مثل استخدام الحطب والفحم التي تكلف ثمناً باهظاً، كما تساهم في زيادة رقعة التصحر وتلوث الهواء، بالإضافة لمخاطر السلامة على النساء والأطفال. عليه، يوفر البايوغاز بديلاً أكثر أماناً واستدامة، حيث يوفر المتر المكعب من البايوغاز حوالي 4-5 ساعات من الطاقة اللازمة للطهي، ما يعني تمكن الأُسر من طهي طعامها دون خوف من استنشاق الدخان، أو المخاطرة بحياتهم بحثًا عن الوقود.

 منذ أكثر من قرن، كان برنامج شراكة البايوغاز في أفريقيا “the Africa Biogas Partnership Program (ABPP)” منارة للتحول في مجال الطاقة المستدامة في المناطق الريفية في شرق أفريقيا، وقد ساهمت مبادرته الرائدة في دعم تبني تكنولوجيا البايوغاز، في إنشاء أسواق للهاضمات الحيوية عبر المنطقة، حيث يوجد 22 مركزًا مزدهراً في كينيا، وخمسة في يوغندا وثلاثة في تنزانيا. وبين عامي 2009 و 2017، تم تركيب 27,000 هاضم حيوي، ما يعد خطوة هامة نحو الوصول إلى الطاقة النظيفة وتحقيق الاستفادة المثلى من الموارد [2].

بالرغم من أن البرنامج استهدف في البدء هاضمات حيوية في المزارع، إلا أن أثره تعدى المجالات الزراعية، إذ نجد أن انخفاض انبعاثات الغازات من أنظمة البايوغاز المنزلية، ترتبط بانخفاض معدلات الاعتماد على الخشب والفحم. وعن طريق هضم السماد نجد أن هذه الهاضمات الحيوية لا تعزز فقط إنتاج الطاقة، ولكنها تساهم، أيضًا، في إنقاص معدل انبعاثات الكربون بشكل ملموس. وقد أشارت الدراسات إلى أن الأسر الريفية التي استخدمت الغاز قد قللت استخدام الخشب بمقدار 2.1 إلى 3.3 طن سنويًا مقارنة بنظيراتها، وتعتبر هذه شهادة لدور البرنامج في تقليص حجم التصحر وتعزيز الحفاظ على البيئة. 

ويضاف إلى ذلك أن المبادرة لا تتعلق بإنتاج الطاقة فحسب، بل بإعادة التصور نحو المخلفات كمورد وتمكين المجتمعات من خلق مستقبل أكثر استدامة.

صحة أفضل عبر تحسين الصرف الصحي

لا يرقى الصرف الصحي في المخيمات إلى المعايير المعروفة، إذ نجد الحمامات الممتلئة، والتبرز في العراء أمران شائعان، ما يؤدي لانتشار أمراض مثل الكوليرا، ولتجنب مثل هذه المشاكل تعمل الهاضمات الحيوية على معالجة المخلفات بصورة صحية وتقلل من انتشار الأمراض. كما يمكن استخدام السائل الناتج غني بالعناصر الغذائية المرغوبة للأنظمة لزراعة المحاصيل، الأمر الذي يساعد في زيادة الأمن الغذائي[3].

قصص نجاحات سابقة 

تكنولوجيا البيوغاز ليست أمراً نظرياً فحسب، بل هي واقع، وتصنع فرقاً حقيقياً. هذه نماذج لذلك الفارق الذي حدث:

  • مخيمات روهنقيا في بنغلاديش: أدى تنفيذ أنظمة البيوغاز على نطاق صغير إلى تخفيض نسبة الاعتماد على الخشب، مما ساهم في تقليل التصحر وتحسين جودة الهواء. كان عدد المستفيدين من هذه التقنية في بازار كوس، حوالي 70,000 شخص. في 2018 قامت المؤسسة السويسرية هيلفاتس للتعاون المشترك، بالعمل مع شريكها المحلي منتدى المنظمات غير الحكومية، بتركيب أربعين وحدة مرحاض، تتألف كل وحدة من خمس إلى ثماني كبائن، متصلة بإجمالي اثنتي عشرة محطة بايوغاز مجهزة بمطابخ مجاورة، وتتضمن أنظمة البايوغاز هذه مفاعل بايوغاز، وغرفة هيدروليكية، وحفرة طينية، ما يسهل إدارة المخلفات وإنتاج الطاقة بشكل فعال.
  • وفي مخيم الزعتري في الأردن، تعمل محطة الغاز الحيوي على معالجة النفايات من 15 بلدية ومخيمين للاجئين. وقد خلق المشروع فرص عمل لأكثر من 35 ألف فرد، 25% منهم من النساء. علاوة على ذلك، تدمج المحطة إعادة تدوير المواد غير العضوية الأخرى، الأمر الذي يعزز تأثيرها البيئي والاقتصادي الشامل.
  • وفي مخيمات اللاجئين في أوغندا، مثل إمفيبي، عززت وحدات هاضمات البايوغاز، الصرف الصحي مع توفير مصدر موثوق لوقود الطهي. حيث تبنى كل من: The Circular Refugee Camps (CRC) الذي يضم المجتمعات المحلية، وSkillEd، وSemilla Sanitation، وBiogas Solutions Uganda Ltd.، وHS Green Energy Engineering Solutions Ltd.، بدعم من Nijhuis Saur Industries – نهجاً مستداماً من خلال تحويل المخلفات إلى موارد مثل الطاقة، واستعادة النظم البيئية من خلال زراعة الأشجار، وتعزيز أنظمة الغذاء المرنة وتعزيز الاقتصاد المتجدد.
  • وفي السكن العشوائي في نيروبي، على مدى العقد الماضي، تم إنشاء حوالي 100 مركز حيوي – مرافق صرف صحي عامة متكاملة مع هاضمات حيوية – من قبل المنظمة غير الحكومية Umande Trust. وتدار هذه المراكز الحيوية بواسطة منظمات مجتمعية، وتشتمل هذه المراكز على مجموعة من المرافق، من مراحيض، ومرافق استحمام، ومناطق للطهي، ومساحات مستأجرة لأغراض سكنية أو مجتمعية. كما صممت المراكز الحيوية في كيبيرا وموكورو لمعالجة الرواسب البرازية في الموقع، مما حسن من تسييل الرواسب أثناء التخزين، وبالتالي تعزيز كفاءة إخراجها، علاوة على ذلك، يتم استخدام الغاز الحيوي المتولد لتوفير المياه الساخنة للاستحمام، والتي تتوفر بتكلفة تتراوح بين 20 و40 شلن كيني لكل استخدام، ولغلي لتر واحد من الماء في حوالي 6 إلى 7 دقائق تقريبًا.

وبالتالي تظهر هذه الأمثلة ما هو ممكن عندما نستثمر في مثل هذه الحلول المستدامة والصديقة للبيئة.

ازدهار للكوكب

ليست المجتمعات النازحة وحدها من تستفيد من البايوغاز، بل كوكبنا أيضًا، حيث تعتبر معسكرات النزوح مناطق إطلاق للغازات الدفيئة بسبب فتحات المخلفات والتصحر، وباتباع أنظمة البيوغاز التي تلتقط الميثان، وهو غاز دفيء قوي، يمكن استخدامه كوقود بدلاً من إطلاقه في الجو. وقد كان التأثير في تلك المناطق الريفية في شرق أفريقيا  واضحاً وحقيقياً، بعد أن عملت الهاضمات الحيوية على تقليل معدل استهلاك الحطب بنسبة 2.1  إلى 3.3 طن في العام، عليه لنتخيل الفرق إن تبنت كل معسكرات النازحين هذه التكنولوجيا.

التحدي القائم

لا يخلو تطبيق أنظمة البيوغاز من التحديات، حيث تتطلب هذه الانظمة استثماراً ومعرفة تقنية، لا يتوفران في مثل هذه البيئة التي تعاني من نقص الموارد، لكن الحل في متناول اليد، إذ يمكن أن تساعد برامج التدريب في تزويد أعضاء المجتمع بالمهارات التي يحتاجونها لتشغيل وصيانة أنظمة البايوغاز، كما يمكن الدخول في شراكات مع المنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص للمساهمة في تمويل مثل هذه المنشآت، إضافة لما يمكن أن توفره أرصدة الكربون ــ التي تبلغ قيمتها الآن 100 دولار أميركي لكل طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون ــ  من تدفق ثابت من الإيرادات لمشاريع الغاز الحيوي [4].

دعوة للعمل

يواجه العالم اليوم كارثة انسانية غير مسبوقة، حيث تواصل النزاعات وتغير المناخ في انهاء حياة الكثير من الناس، نحتاج الآن، إلى حلول مستدامة ومبدعة أكثر من أي وقت مضى، وتكنولوجيا البيوغاز أداة قوية في الكفاح من أجل الكرامة، الصحة، والاستدامة في المجتمعات النازحة، فعبر تحويل النفايات إلى طاقة، يمكننا تحويل حياة الملايين، وإنشاء معسكرات أكثر أماناً ونظافة ومرونة، إذن.. لقد حان الوقت للاستثمار في البايوغاز، من أجل الناس، ومن أجل الكوكب.

 

المصادر 

1. منظمة صيحة، 2024. ولاية الجزيرة والفظائع المنسية: تقرير عن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. منظمة صيحة.

https://sihanet.org/gezira-state-and-the-forgotten-atrocities-a-report-on-conflict-related-sexual-violence/

2. ديكن، س.، البيومي، م.، جيني، ر.، أندرسون، ك.، وخيمينيز، أ. 2020. الصرف الصحي المستدام والفجوات في السياسات والتمويل العالمي للمناخ.

https://doi.org/10.1038/s41545-020-0072-8

3. كليمنس، هـ.، بايليس، ر.، نيامبان، أ. وندونغو، ف.، 2018. برنامج شراكة الغاز الحيوي في أفريقيا: مراجعة لتنفيذ الطهي النظيف من خلال تطوير السوق في شرق أفريقيا. الطاقة من أجل التنمية المستدامة، 46، ص. 23–31.

https://doi.org/10.1016/j.esd.2018.05.012

4. اعتمادات الكربون. 2025.مصدرك لأخبار وفرص اعتمادات الكربون.

http://carboncredits.com

ويني مضوي
المقالات +

باحثة وكاتبة في مجال الإصحاح البيئي بدرجة الماجستير