التجارة على حدود الموت

التجارة على حدود الموت

عبلة صالح بوش

مشهد من معبر أدري

في الصباح الباكر، بينما تلفح حرارة الشمس وجه الصحراء، كانت عشرات النساء تتجمع على معبر “أدري” الحدودي. يحملن على ظهورهن حمولات تفوق طاقتهن الجسدية، أكياس الدقيق، السكر، وأحيانًا بضائع خفيفة. كنّ يهرولن بين الخطوط غير المرئية التي تفصل السودان عن تشاد، وحولهن رجال مسلحون يرتدون زيًا عسكريًا وغير عسكري، وأصوات الرصاص تعلو بين الحين والآخر.

يُعتبر الطريق من الجنينة إلى معبر أدري (28 كيلومترًا) آمنًا نسبيًا، لا توجد حالات سرقة أو نهب مسجلة. لكن الطريق من منطقة “أدي كونيك” إلى الجنينة سيئ جدًا، ولم تتم صيانته منذ فترة طويلة. هذا التفاوت في جودة الطرق يفسر لماذا تتحول مسافة 30 كيلومترًا أحيانًا إلى رحلة تستغرق ساعات.

في الوقت الحالي، عد إغلاق المعبر وإعادة فتحه بشكل متقطع، تحول هذا المشهد إلى كابوس أكثر تعقيدًا. في تغطية للجزيرة، تقول فاطمة آدم (42 عامًا)، التي فرت من الفاشر بعد سيطرة الدعم السريع، بصوت يثقل عليه التعب: “كنا نظن أن الوصول إلى أدري يعني النجاة، لكننا فوجئنا بإغلاق المعبر. بعض العائلات فقدت أطفالها الذين فقدوا حياتهم من الإرهاق أو الجفاف”.

هنا، على حدود الموت، تحول جسد المرأة وحمولته إلى قناة رئيسية لحركة البضائع بين السودان وتشاد، بعد أن أوقفت الحرب حركة الرجال التقليدية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف صارت هؤلاء النسوة العمود الفقري لهذا الاقتصاد الحدودي؟ ولماذا وجدن أنفسهن عالقات بين جبايات المليشيات واغلاق المعابر؟

لفهم ذلك، لا بد من تفكيك آليات العمل. النساء لا يُدِرن الاقتصاد الموازي بالمعنى المؤسسي، بل يشتغلن كـ”ناقلات صغرى”، ينقلن حمولات  تتجاوز غالبًا 30-40 كيلوغرامًا من الدقيق والسكر والوقود، مقابل رسوم عبور تفرضها ميليشيات الدعم السريع (تتراوح بين 20,000-70,000 جنيه سوداني للرحلة الواحدة، حسب خطورة المنطقة). حجم هذا الاقتصاد غير موثق رسميًا، لكن تشير التقديرات الميدانية إلى أن ما لا يقل عن 70% من المواد الغذائية الأساسية في أسواق غرب دارفور تمر عبر هذه الجهود الفردية. النظام ليس منظمًا بقدر ما هو تكيفي من دون نقابات أو عقود، فقط شبكات غير رسمية تقوم على الثقة والتضامن العائلي وعلاقات القرابة، وأحيانًا على وسيطات أكبر حجمًا يتعاملن مع تجار على الجانب التشادي.

تشريح جغرافيا العنف والاقتصاد: معبر أدري بين شريان الحياة وسياسة الإغلاق

يُعتبر معبر أدري نقطة عبور، بجانب كونه شريان الحياة الوحيد لملايين البشر في دارفور. يقع المعبر على بُعد 30 كيلومترًا فقط من مدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور، ويبعد عن زالنجي (وسط دارفور) 154كم، وعن نيالا (جنوب دارفور) 329كم، وعن الضعين (شرق دارفور) 341كم، وعن الفاشر (شمال دارفور) 485 كم، كما يربط السودان بتشاد في منطقة حدودية تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر. هذا الموقع يجعل أدري المعبر الوحيد لإيصال المساعدات الإنسانية إلى إقليم دارفور من الخارج، بالإضافة إلى كونه معبرًا تجاريًا رئيسيًا مُنذ القدم، كانت هذه الحدود فضاءً للتكامل الاقتصادي والاجتماعي، حيث تجمع روابط القربى والعلاقات الأسرية بين القبائل على الجانبين.

لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 غيرت كل شيء. يقع معبر أدري حاليًا تحت سيطرة قوات الدعم السريع، بينما تخضع معابر أخرى مثل “الطينة” لسيطرة الجيش والقوات المشتركة في كلا الجانبين، تُفرض جبايات أو رسوم مرور على البضائع، مما يحول الاقتصاد إلى أداة قهر.

التطورات الأخيرة: سياسة الإغلاق كسلاح

في 23 فبراير 2026، أعلنت السلطات التشادية إغلاق معبر أدري “حتى إشعار آخر”، عقب اشتباكات في بلدة الطينة الحدودية امتدت إلى موقع للجيش التشادي، ما أسفر عن مقتل 5 جنود و3 مدنيين تشاديين. هذا القرار كان بمثابة ضربة قاصمة للتاجرات. فبين ليلة وضحاها، توقف تدفق البضائع، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني.

في سوق الجنينة، يقف التاجر أبو بكر آدم أمام متجره الصغير ويصف الكارثة: “كان جوال الدقيق يُباع بنحو 150 ألف جنيه سوداني، وأصبح اليوم يقارب 280 ألفًا. التمر الذي يعتمد عليه الناس في رمضان أصبح شبه نادر”. بينما ارتفع سعر برميل الجازولين إلى مليونين و500 ألف جنيه، ما ضاعف تكاليف النقل.

 استمر الإغلاق نحو أسبوعين، قبل أن تعيد تشاد فتح المعبر بشكل محدود، ثم تغلقه مرة أخرى، في مسلسل من الفوضى والارتباك. في 11 مارس 2026، شهد المعبر ازدحامًا غير مسبوق بعد فتحه لساعات محدودة، قبل أن تتدخل قوات الأمن لتفريق السائقين بالسياط، مما أدى إلى إصابة عدد منهم.

تدبير الحياة في ظل الحرب 

وسط هذه الفوضى، وجدت النساء السودانيات أنفسهن في قلب العاصفة. ولم تختر أي منهن هذه المهنة طواعية، بل دفعتها إليها ظروف الحرب. فقد قُتل كثير من الرجال، أو اختفوا، أو انخرطوا في القتال، أو يقبعون رهن الاعتقال، تاركين للنساء عبء الانخراط في هذه التجارة المحفوفة بالمخاطر.

السؤال الذي لا تجيب عنه الرواية السائدة لماذا النساء بالذات؟ لماذا لم يتحمل الأطفال أو كبار السن هذه المهمة، خاصة أن حمولة 30-40 كجم قد تكون فوق طاقة كثير من النساء؟ الإجابة تتعلق بالتالي:

أولًا: تتغاضى المليشيات عن النساء أكثر من الرجال، ظنًا منهن أنهن أقل تهديدًا أو قدرةً على التهريب، وهو تصور خاطئ تستغله النساء لصالحهن. ثانيًا: الأطفال أكثر عرضة للخطف والتجنيد، وكبار السن أكثر عرضة للموت بسبب المشي لمسافات طويلة، لذلك أصبحت النساء الفئة الأكثر قدرة على الاضطلاع بهذا الدور في ظل غياب الرجال. ثالثًا: يسمح المجتمع للنساء باختراق “الفضاء الخطير” أكثر مما يسمح للأطفال، إذ يُنظر إلى جسد المرأة بوصفه أكثر قابلية لتحمل المخاطرة بحكم دورها كمعيلة، بينما يُنظر إلى الطفل بوصفه جديرًا بالحماية. تبدو هذه المفارقة مؤلمة، وانعكاس مباشر لواقع الحرب.

كيف تمّ التحول؟ يمكن تتبعه في ثلاث مراحل، في المرحلة الأولى (الأشهر الأولى من الحرب) كانت النساء يحملن فقط متطلبات أسرهن المباشرة (دقيق، دواء). لم تكن هناك تجارة بالمعنى المهني.

في المرحلة الثانية لهذا التحول (من الشهر الثالث) بدأت النساء بحمل كميات إضافية لبيعها للجيران، ثم تحول البعض إلى طرق نقل منظمةبعد أن رأين طلبًا متزايدًا وأرباحًا تفوق دخل الرجال في أوقات السلم.

بعد عام من بدء هذه التجربة، انسحب الرجال بشكل شبه كامل من هذا المجال (بسبب القتل أو التجنيد أو الخوف من الاستهداف)، تاركين للنساء تشكيل هذا الاقتصاد، ليس باختيارهن بل بفرض الواقع.

قبل الحرب، كانت التجارة الحدودية للنساء تقتصر في الغالب على مواسم محددة، مثل جلب “الثلج” من تشاد في رمضان، وكان يباع في شوارع الجنينة وأسواقها كرمز من رموز الشهر الفضيل. كانت النساء ينقلنه بكميات كبيرة بحافظات المياه التي تُحمل باليد(سفاري)، في إطار أنشطة موسمية هامشية. لكن اليوم، تحولن إلى عمود أساسي في توفير الدقيق والدواء والوقود.

لا تقتصر الحمولات على الدقيق والسكر فقط، الرصد الميداني للشبكة الشبابية للمراقبة المدنية يحدد ثلاث فئات رئيسية للبضائع العابرة عبر أدري:

المواد الغذائية: سكر، معكرونة، دقيق، بسكويت، مواد البناء: أسمنت، زنك، حديد، جير، مواد نقاشة، مواد الزينة: ملابس، عطور، مستحضرات تجميل.

أغلب النساء ينقلن الفئة الأولى والثالثة (الغذائية) (الزينة) لخفتها النسبية وسهولة تسويقها السريع، بينما تترك مُعدات البناء للتاجرات اللاتي تمتلكن رأس مال أكبر  وهنا تستخدمن آلية النقل “الكارو”* كبديل عن السياراتت حيث تمنع السلطات التشادية عبور السيارات المحملة بالبضائع من منطقة أدي كونيك الحدودية إلى داخل الحدود السودانية. لذلك، تضطر التاجرات ومعهن بعض التجار إلى تفريغ بضائعهن وحملها في عربات “كارو”، ثم دفع رسوم عبور في الجانبين التشادي والسوداني. هذا التحول من السيارات إلى عربات الكارو يفسر لماذا أصبح جسد المرأة وحمولته الصغيرة (30-40 كجم) هي الوحدة الأساسية للنقل العربات الصغيرة لا تستطيع حمل كميات كبيرة، والنساء هن الأكثر قدرة على إدارة هذه الحمولات المتوسطة بشكل متكرر.

ويُعد التركيز على تكلفة النقل مهمًا في سياق فهم هامش الربح الضئيل للنساء، لا بد من مقارنة تكلفة نقل البضائع عبر النساء مقابل وسائل النقل التقليدية، تبلغ أسعار التذاكر للركاب (ليس للبضائع): العربات الصغيرة (4 ركاب): 15,000 جنيه سوداني، العربات الكبيرة: بين 5,000 و10,000 جنيه حسب التفاوض.

إذا كانت امرأة تنقل حمولة 30 كجم من الدقيق، فإنها تدفع  إن استقلت عربة ما يعادل ثلث إلى نصف قيمة البضاعة نفسها. لهذا تفضل النساء السير على الأقدام أو مشاركة “كارو” واحدة مع نساء أخريات، لتخفيف التكلفة. هذا يفسر لماذا نراهن “يهرولن بين الخطوط غير المرئية”.

الوكالة الاقتصادية تحت التهديد

في ظل هذه الظروف القاسية، اكتسبت النساء وكالة اقتصادية لم تكن متاحة لهن من قبل. أصبحن يتحكمّن في الدخل، ويتخذن القرارات المالية للأسرة. حواء، البالغة من العمر 40 عامًا، تقول: “قتل زوجي في بداية الأحداث بعد سقوط الفرقة 15 مشاه. أنا الآن من أطعم أطفالي لا أحد يسألني من أين أحضرت الطعام، المهم أن يأكلوا”.

لكن هذه الوكالة تأتي بثمن باهظ؛ إذ خرجن من جغرافياتهن الاقتصادية المألوفة، كالسوق والحي والعمل من داخل المنزل، إلى جغرافيا أكثر خطورة، ليواجهن وصمة اجتماعية مزدوجة. فمن ناحية، يُنظر إليهن بوصفهن بطلات يُبقين أسرًا بأكملها على قيد الحياة، ومن ناحية أخرى، يتعرضن للانتقاد بسبب اختراقهن مساحات تُعد غير مرحبة بالنساء أو ذات خطورة. وينظر إليهن مجتمعهن أحيانًا بوصفهن تاجرات حدود أو يطلق عليهن لقب «أم دورور»، وهو لقب ينطوي على اتهام ضمني بالانحراف أو التهور.

مقارنة: نساء حدود السودان ونساء الكونغو:  أنماط متكررة في حروب أفريقيا

ما يحدث في أدري ليس جديدًا، ففي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحديدًا في حدودها مع رواندا وبوروندي، لعبت النساء دورًا شبيهًا خلال حروب الكيفو (2012-2018). هناك، كما في دارفور، تحولت النساء إلى ناقلات للبضائع (دقيق، ملح، وقود، وأحيانًا أسلحة خفيفة) بعد أن قتلت المليشيات الرجال أو جندتهم. وثّقت دراسة لـمعهد الدراسات الأمنية (Institute for security studies) ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UN Trade & development(2020) أن 60% من حركة البضائع عبر معابر غير رسمية في إقليم شمال كيفو كانت تمر عبر نساء يحملن على رؤوسهن أو دراجاتهن.

لكن ثمة فروق جوهرية، ففي الكونغو، ظهرت لاحقًا “نقابات نسائية للنقل الحدودي” (مثل اتحاد “سوماما” في غوما) تفاوضت مع المليشيات على نسب عبور ثابتة، ووفرت حماية جماعية. في السودان، لم يحدث هذا بعد بسبب انهيار أي شكل من أشكال التنظيم المدني. ايضًا في الكونغو، ساعد وجود بعثة أممية (مونوسكو) في تخفيف العنف الجنسي على بعض المعابر، بينما في أدري لا توجد أي حماية دولية فعالة، والمعبر يغلق ويُفتح كأداة ابتزاز بين الحكومات.

انتج هذا التدخل لنساء الكونغو حصولهن على مكاسب نسبية (انخفاض رسوم العبور، اعتراف مجتمعي جزئي بدورهن)، بينما نساء السودان لا يزلن في دائرة العنف والوصمة نفسها، بل يزدن ترديًا مع كل اغلاق جديد.

الوجه الآخر لاقتصاد الميليشيات والعنف ضد النساء

في وجود 6 بوابات تفتيش على الطريق من الجنينة إلى أدري، بوابتان منهم تتبعان لقوات الدعم السريع، والأربع الأخرى تتبع للإدارات الأهلية (نظام الحكم المحلي التقليدي)، لا تقتصر المخاطر التي تواجهها النساء على الجبايات المالية التي تبلغ 70,000 كعبور للبضائع، أو تقلبات أسعار السلع، فالحدود هي فضاء للعنف الممنهج والاستغلال، حيث تتعرض النساء هناك للابتزاز المباشر، والتهديد بالعنف الجسدي والجنسي، والمصادرة العشوائية للبضائع، ولا يجدن أي حماية قانونية أو اجتماعية.

في بعض الأحيان، تتداخل شبكات الاقتصاد الموازي مع أنشطة أكثر خطورة، مثل الاتجار بالبشر (للاستغلال الجنسي) أو تجنيد المرتزقة. النساء الأكثر فقرًا والنازحات يكنّ الفريسة الأسهل لهذه الشبكات. في أزمة إنسانية بهذا الحجم، تصبح حماية المرأة سلعة، وجسدها هو عملة الدفع للعبور أو الحصول على حماية عابرة.

تقارير المنظمة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) ومراكز بحثية مثل “مركز عدالة للدراسات والبحوث” توثق بشكل متزايد حالات اختطاف واغتصاب للنساء أثناء محاولتهن عبور المناطق الخطرة. 

في تقرير صادر عن “مركز عدالة للدراسات والبحوث” في نوفمبر 2025، وثّق الفريق الميداني وصول 243 امرأة حامل إلى مخيمات أدري في تشاد بعد فرارهن من الفاشر. أفاد التقرير بأن 67 منهن تعرضن لعنف مباشر أثناء الرحلة (بين اعتداء جسدي وتهديد بالسلاح) ونساء وفتيات يضربن ويقتلن بحسب تقرير لأطباء بلا حدود (MSF)، وسجلت الفرق الطبية 12 حالة إجهاض و 8 ولادات مبكرة نتيجة الظروف القاسية ونقص الغذاء والماء.

النجاة كفعل مقاومة: التضامن في زمن الانهيار

رغم كل هذا، تظل النساء التاجرات عبر الحدود علامًة على التضامن والمقاومة في مواجهة اقتصاد العنف والاحتكار. حتى في هذا السياق القاسي، تظهر أشكال من التضامن النسائي: مجموعات نسائية تتاجر معًا وتتقاسم حمولة النقل لتخفيف التكاليف والمخاطر، ويتبادلن المعلومات عن نقاط التفتيش الآمنة، وعن الأوقات التي تقل فيها الحواجز، وعن أسماء الضباط الأقل فسادًا.

تؤكد إحدى الناشطات السودانيات من معسكر أدري (التي تساعد في إدارة المساحة الآمنة) أن “المرأة السودانية لم تنتظر أحدًا ليعطيها حلًا، هي خلقت الحل من تحت الرماد. نحن نتشارك الأخبار، نستلف النقود، نحمي بعضنا البعض. هذا هو اقتصادنا الموازي، اقتصاد الصمود”.

هذا التضامن لا يقتصر على التجارة فقط ففي ظل انهيار النظام الصحي، تقوم النساء بتوزيع الأدوية بأنفسهن، ونقل المعلومات عن أماكن توفر العلاج، وتقديم الدعم النفسي للنازحات الأخريات اللواتي فقدن كل شيء.

إن ما تقوم به النساء على معبر أدري ليس بطولة فردية، بل استجابة هيكلية لانهيار الدولة. الحرب لم تخلق هذا الدور من العدم؛ كانت التجارة الحدودية الصغرى موجودة قبلًا، لكنها كانت هامشية وموسمية. ما تغير هو الحجم والوظيفة تحولت النساء من ناقلات “ثلج” في رمضان إلى معيلات أساسيات، ليس لأن المجتمع تقدم فجأة، بل لأن الرجال إما قتلوا أو جُندوا أو اختفوا.

اقتصاديًا، يمكن قراءة هذا التحول كمثال على “تأنيث الفقر” في النزاعات تتحمل النساء المخاطر الأعلى (العنف، الابتزاز، الوصمة) مقابل أجر أقل من الرجال الذين كانوا يقومون بالمهمة نفسها قبل الحرب. لكن بالمقابل، اكتسبن وكالة اقتصادية غير مسبوقة  صار بإمكانهن توزيع الدخل داخل الأسرة دون وساطة ذكورية.

أما سياسة الإغلاق بين الحكومات السودانية والتشادية، فتكشف عن مفارقة. بينما يُغلق المعبر بحجة الأمن، يولد إغلاقه عنفًا اقتصاديًا أوسع (ارتفاع الأسعار، نقص الدواء، وفيات الأطفال). النساء يدفعن الثمن مرتين أولًا كمتأثرات بالعنف المباشر على الحدود، وثانيًا ككباش فداء في لعبة إقليمية لا يتحكمن في قواعدها.

 

* الكارو وسيلة نقل شعبية تُستخدم لنقل الركاب والبضائع، وتمثل بديلًا أساسيًا للحافلات، لا سيما في أوقات أزمات الوقود أو في المناطق التي يتعذر على المركبات الوصول إليها. ويُعد الكارو جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية والاقتصادية في إقليم دارفور، وهو عربة خشبية ذات عجلتين تجرها دابة، غالبًا حصان أو حمار.

 

عبلة صالح بوش
المقالات +

باحثة سودانية مهتمة بالعدالة الانتقالية، السياسات العامة، وحماية النساء في مناطق النزاع. تعمل على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وتعزيز التعافي المجتمعي وبناء السلام