انهيار البُنى التحتية لليوماتي: إعادة الإنتاج وتقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي

انهيار البُنى التحتية لليوماتي: إعادة الإنتاج وتقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي

رزاز بشير

 

إسماعيل: أيوه، لكن كان عندنا ميزة نآكل أكل طازج يوميًا، أكل التلاجات ده ماطاعم، أمي وأخواتي كان بيعملو لينا حلة جديدة يومي على الله.

سعاد °زوجته°: والله كان ماجات التلاجات دي كان أكلت نيم، ده منو الداير يعمل ليك حلة كلو يوم، إنشالله أنا البتنهز من خمسة صباحاً عشان أحصل الطابور.

 

يُجسّد هذا الحوار تاريخنا الحديث والعلاقة المعقدة بين الطاقة والعمل. تُعرَّف الطاقة تقليديًا بأنها القدرة على أداء العمل[i]. نرى مظاهر هذه العلاقة من خلال تتبع التطور في درجات كثافة الطاقة المختلفة، بدءًا من الأشكال الأقل كثافة للطاقة الشمسية المخزنة في سعرات الحبوب المزروعة التي تغذي جسم الإنسان، والذي شكل القوة المحركة الرئيسية في العصور القديمة، وصولًا إلى الشكل فائق الكثافة للطاقة الشمسية المتحجرة في الهيدروكربونات المستخرجة من الفحم والنفط، والتي تدير الآلة العملاقة للثورات الصناعية الحديثة

وثّق عدد كبير من الباحثين مظاهر العنف التي ميّزت السعي وراء كلٍّ من مصادر الطاقة والعمل.

برزت الطاقة الأحفورية كالنموذج الأوضح للكثير من العنف والإفقار في عصرنا. بينما ظل العمل—أقدم أشكال الطاقة—يتميز بأنظمة لا تقل عنفًا، بدءًا من العبودية والإقطاع والرأسمالية وصولًا إلى العنف البطئ في الفضاءات الخاصة للعمل في إعادة الإنتاج الاجتماعي. وبينما تتشارك النساء مع الرجال عنف كل أنظمة الإنتاج هذه، فهن يتحملن العبء الأكبر لعنف أنظمة إعادة الإنتاج، حيث لم تنعكس التغيرات المطردة في أشكال تقسيم العمل الإجتماعي ومشاركة النساء بفعالية في قطاعات إنتاجية أكبر بصورة متناسبة مع تقسيم أعمال إعادة الإنتاج في محيط المنزل.

في محادثاتي[ii] مع عدة فئات من سكان الخرطوم قبل الحرب عن تجاربهم المعاشة عن الوصول أو عدمه لخدمات الكهرباء، برز بشكل خاص الطابع الجندري للتجربة. فمن جهة، أولت النساء اهتمامًا كبيرًا للراحة والمحافظة على الروتين اليومي الذي توفره الإضاءة، والثلاجات، والمكيفات، والمواقد، وغيرها. بينما ركّز الرجال على الجوانب المتعلقة بالميزانية، وقيمة الأرض، والتبعات المالية المرتبطة بتوفر أو عدم توفر الكهرباء أو الأجهزة الكهربائية.

لكن هذا التفاوت لا يعود بالضرورة إلى كون النساء لا يشاركن في العبء المالي، بقدر ما يعكس حقيقة أن الرجال لا يشاركون في المشقة اليومية التي لم تستطع التكنولوجيا الحديثة أن تخففها — بل ربما زادت من حدتها.

ويمكن استحضار صورة الجدّات المسترخيات وهن يطبخن ويغسلن الصحون جالسات على “البنابر” الصغيرة، يأخذن الوقت الذي يحتجنه، في مقابل مشهد الأمهات العاملات المنهمكات تحت ضغط الاستقلال المالي مع الاستمرار في أداء أدوارهن التقليدية كأمهات مثاليات وحارسات على منزل نظيف مجيه وحديث.

ربة المنزل الكهربائية:

تشير التقديرات إلى أن الرقيق قد شكّلوا نصف سكان الخرطوم في فترة الحكم التركي المصري ، وثلثي السكان بحلول عام [iii]1883. حيث كانوا يوفرون عملًا جسديًا مجانيًا في أنشطة الإنتاج واعادة الانتاج في المدينة، التي كان سلطانها مفتونًا بأساليب التطوير العمراني الغربية[iv]. كان الذكور المستعبدون يشكلون المصدر الرئيسي للعمالة في الجيش والأشغال العامة، وأحيانًا حتى في البيروقراطية. أما النساء المستعبدات فقد تعرضن للاستغلال الجنسي، كما كُلفن بأعمال منزلية شاقة مثل طحن الحبوب الأساسية، حيث “لم تكن هناك دارٌ في المدينة إلا وفيها امرأة مستعبَدة تجثو عند العتبة، تطحن الحبوب”[v]

عالمياً، شكل التوسع المطرد في مجالات العلوم والتكنولوجيا الوسيلة التي استطاع عدد متزايد من البشر من خلالها “كسر قيود العبودية للطبيعة ولغيرهم من البشر”[vi].

وفي سياق الأعمال المنزلية الحديث، تعتبر الكهرباء شكلاً من أشكال الطاقة التي لامثيل لها في كثير من الاستخدامات، والأشكال التي يمكن تحويلها لها، مثل الحركة في المراوح والمحركات، الحرارة في المواقد والغلايات، البرودة في أجهزة التكييف وما إلى ذلك. ومع توفر مجموعة واسعة من الأجهزة المنزلية في أوروبا والولايات المتحدة، مثل الغسالات والمكانس الكهربائية التي وفّرت وقتًا هائلًا، ظهر مفهوم “ربة المنزل الكهربائية”[vii] كتعبير عن “حياة منزلية أكثر راحة، وأكثر حداثة”

  في خرطوم السودان الحديث، ظل ملايين الناس يعيشون على فتات هذه التقنيات الحديثة — جزر من البُنى التحتية والأجهزة التي تردد وعودًا لم تتحقق. يسكنون مدينة تتحرك بإيقاع زمني مضغوط ومتسارع، دون امتلاكهم الأدوات اللازمة لمواكبة هذا النمط من الحراك الاجتماعي. وبين هسيس مواقد الفحم، وصخب مضخات المياه الجماعية، ووميض البطاريات اليدوية، يعيشون في نشازٍ معلّق — رقصة مرهقة لا ينسجم فيها إيقاع التقدم مع الوسائل المتاحة لملاحقته.

بالتوازي، ظلت الأسر ذات الدخل الأعلى أكثر اعتمادًا على توفر الطاقة وعدد من الأجهزة الكهربائية. إذ إن تبنّيهم لأساليب العيش الحديثة والحضرية يضعهم تلقائيًا تحت قيود زمانية ومكانية يصعب تجاوزها دون اللجوء المستمر إلى الوسائل التكنولوجية
فنجد مظاهر “ربة المنزل الكهربائية” والتي يمكن أن نضيف إليها “الأم الكهربائية” في محدثتي عائشة، الموظفة من الطبقة فوق المتوسطة التي تعمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، والتي تستيقظ قبل شروق الشمس في أيام الأسبوع لإعداد الشاي الصباحي والإفطار للمدارس، وتجهيز نفسها وأطفالها الثلاثة.
يتطلب إنجاز كل ذلك خلال ساعتين تقريبًا اعتمادًا كبيرًا على التكنولوجيا لضمان الكفاءة وسرعة الإنجاز: غلاية المياه، الميكروويف، الموقد، قلاية البطاطس، الخلاط، المكواة، مضخة المياه التي تعوّض عن ضعف إمداد المياه، وغيرها.
وبعدها تختفي في المكتب طوال اليوم وتعود مساءً لتباشر مهامها المنزلية، حيث لم يكن لدورها المكتسب حديثًا كمُعيلة دخل أن يُسائل شرعية الأدوار التقليدية الراسخة

هناك كذلك “مرة الضيفان الكهربائية” البتكرم ضيوفها بي الخدرة المجمدة في الديب فريزر ومفروكة بالخلاطة اليدوية، مع قراصة طازجة من صاج البيتزا. وهي نفسها “المجيهة الكهربائية” التي تحافظ على معايير الجمال والأناقة السودانية البالغة التعقيد بمساعدة غسالات ملابس يدوية وأتوماتيكية، مكواة ملابس عادية وبالبخر، ماكينات إزالة شعر الجسد، مجففات ومكواة للشعر، وهكذا.

إن المساواة الظاهرية التي حصلت عليها النساء في السودان من خلال حق الوصول المتساوي إلى التعليم وسوق العمل لم تجد طريقها إلى المنزل فيما يتعلق بالأعمال المنزلية. ففي هذا السياق، يمكن النظر إلى “ربة المنزل الكهربائية”  باعتبارها وسيلة لتخفيف الأعباء المنزلية عن النساء، إلا أن الوقت والطاقة اللذين تحررا بفضلها تم توجيههما نحو التزامات أسرية أخرى، كالمساهمة في دخل الأسرة

الحرب: إنهيار البنى التحتية لليوماتي

السؤال المطروح الآن هو: كيف أثّرت الحرب على هذه الفئات جميعًا؟ لقد تصاعدت المعاناة اليومية بشكل مضاعف لمعظم هذه الفئات، وخاصة أولئك الذين بقوا في الخرطوم أو داخل السودان. فإلى جانب الانهيار الجزئي أو الكامل للبُنى التحتية للطاقة في الخرطوم، فإن الطاقة غير موجودة أصلًا في الولايات التي بقيت خارج الشبكة القومية، كما هو الحال في الولايات الخمس بدارفور وجنوب كردفان، بل إنها أصبحت مستهدفة حتى في ما يُعرف بـ”الولايات الآمنة” في شمال وشرق السودان

إضافةً إلى هشاشة البنى التحتية العامة، تواجه النساء فقدان الثروة المتراكمة من أدوات المطبخ والأجهزة المنزلية، ولو القليلة — الثلاجة وموقد الغاز اللذان اشتُريا بمناسبة الزواج، الخلاط الذي قُدّم هدية زفاف، الديب فريزر التي ورثنها عن الأم الراحلة، حلة البريستو والمفرمة التي اشترتها من “الختة” تلو “الختة”.

تجسّد دور النزوح أقصى درجات هذه التجربة، حيث وجدت الكثير من الأسر نفسها تقيم لشهور وأعوام في مدارس وداخليات ومرافق لم تكن معدة يوماً للسكن. ورغم تشابهاتها العديدة مع الحياة الريفية التي تعيشها الكثير من النساء بالحد الأدنى من الأدوات المنزلية ، إلا أن النازحات الجدد يفتقرن إلى المعرفة وشبكة العلاقات التي راكمتها تلك النسوة بدورهن. الشئ الذي يستوجب وقتًا أطول للتأقلم، وجهدًا جسديًا أكبر، وأحيانًا إبداعًا لمجابهة التحديات اليومية.

مثل إستكشاف الطرق البديلة لتأدية نفس المهام، حيث يصبح الفندك بديل للسحان، والبشارة بديلاً للكبة، الجهد اليومي في الطبخ بديلاً للثلاجة والانتظار الطويل أمام موقد الفحم ما يعوض السعرات الحرارية المفقودة لغاز الطبخ..

في سياقات النزاع والنزوح، تتكشّف هشاشة البنية التحتية ليس فقط كمشكلة تقنية، بل كقضية اجتماعية تكشف غياب الاعتراف بأعباء العمل المنزلي الذي تتحمله النساء. فحين تفقد النساء أدواتهن المنزلية لا يفقدن مجرد وسائل للراحة، بل عليهنَّ إعادة تعريف الزمان والمكان الكاملين لوجودهنَّ اليومي، وأولوياتهنَّ، وطموحاتهنَّ، وإحساسهنَّ بالذات، ومجال حركتهنَّ.

هذه الأدوات ليست عناصر عملية فحسب، بل هي أجزاء من اقتصاد منزلي لا يُحسب ضمن الحسابات الرسمية. ومع غيابها، تتحوّل المهام اليومية إلى عمل عضلي مرهق وغير مرئي، لا يُعترف به، رغم أنه يُستهلك وقتًا وجهدًا ويُعاد إنتاجه يومًا بعد يوم.

إن ما يتكشّف هنا هو عنف بنيوي، يتمثل في التوقع المجتمعي لاستمرارية أدوار النساء المنزلية دون مراعاة لتغير الظروف أو فقدان الوسائل. وهو عنف لا يُقرّ به، ويُعاد إنتاجه في صمت، حيث الرعاية، والتنظيف، والطهي، تُنفّذ في الظل، دون أدوات، ودون مقابل، ودون اعتراف بمركزية هذا العمل في البقاء والنجاة

[i] Britannica, The Editors of Encyclopaedia. (May 2020). “Energy”. Encyclopedia Britannica, Accessed 4 February 2021. https://www.britannica.com/science/energy

[ii] Electricity Supply in Khartoum: the planned, the delivered, the experienced

https://open.uct.ac.za/items/eabf4ed7-9915-41f0-ba9d-3aae610fe021

[iii] سيد أحمد. أ.أ. (2000). تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري 1820-1885.

[iv] أبو سليم. م. ا. (1979). تاريخ الخرطوم. دار الجيل. بيروت

[v] سيد أحمد. أ.أ. (2000). تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري 1820-1885.

[vi] Kaika, M. & Swyngedouw, E. (2000). Fetishizing the modern city: the phantasmagoria of urban technological networks. International Journal of Urban and Regional Research. 24(1):120–138. DOI: 10.1111/1468-2427.00239.

[vii] Pursell, C. (1999) Domesticating modernity: the Electrical Association for Women, 1924–86. The British journal for the history of science. [Online] 32 (1), 47–67.

رزاز بشير
المقالات +

طالبة دكتوراه في المركز الأفريقي للمدن بجامعة كيب تاون، وباحثة في مركز استناد بالخرطوم. مهتمة بقضايا البنى التحتية والتكنولوجيا بالمدن وأبعادها الاجتماعية-السياسية