حارسات الحقول

حارسات الحقول 

عن النساء المزارعات في جنوب كردفان

جوليوس الجيلي

مع ساعات الصباح الأولى، تتحرك النساء نحو الجباريك في أطراف الدلنج أو البارداب بكادوقلي. وبينما تمر المسيرات في السماء على ارتفاع منخفض، تواصل النساء التقدم وهن يضعن (الوِقاية)¹ على رؤوسهن، وتحمل كل واحدة منهن السلكاب² في يدها اليمنى، والبستلة³ في اليسرى، وفيها ما جادت به غرف الطوارئ من مديدة أو بليلة.

الزراعة في جنوب كردفان

تُعد الزراعة النشاط الاقتصادي الأهم في إقليم جنوب كردفان، حيث يعتمد عليها غالبية السكان كمصدر رئيسي للعيش، سواء عبر الزراعة المطرية التقليدية أو الإنتاج في الجباريك (المزارع المنزلية) المرتبطة بالأسر، أو العمل في مزارع الزراعة الآلية بالمشاريع الكبيرة.

ويرتبط نجاح الموسم الزراعي في جنوب كردفان بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، حيث ينعكس مباشرة على عدد الزيجات والمناسبات الاجتماعية خلال الصيف، مثل حفلات الزواج وختان الأطفال، ففي المواسم الجيدة تزداد الحركة داخل الأسواق والقرى، وتتوسع الأسر في الإنفاق وتنظيم المناسبات، كما يتجه بعض المزارعين/ات لشراء مزيد من الماشية وإضافتها إلى الزرائب، أو التوسع في مشاريعهن/م الزراعية للموسم التالي.

أما تراجع الموسم الزراعي أو ضعف الإنتاج، فيؤثر على هذه الدورة الاجتماعية والاقتصادية، حيث تتقلص المناسبات، وتتجه الأسر إلى تقليل الإنفاق وتأجيل بعض الالتزامات الاجتماعية، كما ينعكس ذلك على مساحة الزراعة في الموسم القادم، نتيجة ضعف القدرة على شراء البذور أو تمويل العمليات الزراعية الجديدة مثل شراء البذور.

النساء والزراعة

ترتبط الزراعة في جنوب كردفان بالبنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية، حيث تقوم الأسر بدور الوحدات الإنتاجية، وتتوزع داخلها المهام بين الرجال والنساء والأطفال، وتلعب النساء دورًا محوريًا في مختلف مراحل العملية الزراعية، بدءًا من إعداد الأرض والزراعة، مرورا بإزالة الحشائش والحصاد، وانتهاء بتخزين المحاصيل والتقاوي، خاصة في إطار الزراعة المنزلية المرتبطة بالأمن الغذائي للأسرة.

وتبرز أهمية هذه المساهمة بوضوح في المحليات التي تبعد عن المدن الكبرى، مثل الدلنج وكادوقلي وأبو جبيهة وغيرها، فكلما بعدت عن المراكز والمدن الكبيرة يزداد حجم مساهمة النساء في الزراعة.

وإلى جانب مساهمتهن في الزراعة العائلية، تشرف النساء بشكل مستقل على الجباريك التي تمثل صمام الأمان لتوفير الغذاء الطازج للأسر الفقيرة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث تُزرع داخل الجبراكة خضروات مثل البامية والذرة الشامية والشطة والطماطم، كما تُزرع الذرة أيضا. وتنبع أهمية الجبراكة من أن المحاصيل فيها تنضج قبل الزراعة في المساحات الأكبر وهو ما يتيح للأسر توفير ذرة ومنتجات أخرى تيسر حياتهم حتى نضوج الذرة في زراعات المساحات الأوسع.

ورغم أن هذا العطاء المستمر يجعل منهن القوة الإنتاجية الأكثر تأثيرًا في استدامة الموارد، إلا أن جهودهن غالبًا ما تُصنف في الأُطر الثقافية بأنها “مساعدة أسرية” غير مأجورة، مما يحجب الدور القيادي والريادي الذي يقمن به كمنتجِات مُستقلات يحملن عبء الاقتصاد الريفي والسيادة الغذائية في مواجهة التحديات الاقتصادية، والنزاعات المسلحة.

وإلى جانب مشاركة النساء في الزراعة العائلية، وإشرافهن على الجباريك، هناك أيضًا نساء يعملن في الزراعة بوصفها نشاطًا اقتصاديًا وتجاريًا، وتمتلك بعضهن مشاريعًا زراعية بمساحات قد تصل إلى خمسين مُخمسًا (٦٣- ٦٥ فدان) أو أكثر، خاصة في مناطق الزراعة المطرية الواسعة بجنوب كردفان.

وفي هذا السياق، يسعى الكاتب عبر هذا التقرير لفهم تأثير الحرب على النساء المزارعات في جنوب كردفان، عبر تتبع التحولات التي طالت علاقتهن بالأرض والعمل الزراعي والأسواق، إلى جانب قراءة تاريخية مختصرة لوضع النساء المزارعات مقارنة بالرجال داخل الاقتصاد الزراعي الريفي، وكيف أعادت الحرب تشكيل أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية تحت ضغط النزوح والحصار وتراجع الإنتاج الزراعي.

الحرب والزراعة: الأرض تحت الضغط

مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في الخرطوم في 15 أبريل 2023، امتدت المواجهات تدريجيًا إلى عدد من أقاليم السودان، حتى وصلت إلى جنوب كردفان في منتصف يونيو 2023، بعد مناوشات سبقتها في مطلع مايو بين الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح عبد العزيز الحلو) وقوات الجيش السوداني في عدد من المناطق بالولاية، ومنذ ذلك الوقت، دخل الإقليم في مرحلة جديدة من الاضطراب الأمني والعسكري، تداخلت فيها العمليات البرية مع القصف والحصار وتغير نطاق السيطرة بين المجموعات المتحاربة على الطرق والمناطق الزراعية.

ضمن هذا الاضطراب، تعرض القطاع الزراعي في جنوب كردفان لضربة كبيرة خلال سنوات الحرب الثلاثة هذه، فقد تقلصت المساحات المزروعة في عدد واسع من المناطق، وتراجعت قدرة المزارعات/ين على الوصول إلى أراضيهن/م نتيجة القتال وانعدام الأمن، كما تأثرت دورة الإنتاج الزراعي مع صعوبة الحركة بين القرى والأسواق، وانقطاع الطرق التجارية، وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، إلى جانب فقدان الأيدي العاملة بسبب النزوح والانخراط في النزاع.

كما تأثرت مناطق الإنتاج الكبرى، خاصة في القطاع الغربي من الولاية، حيث تحولت مساحات زراعية واسعة إلى مناطق اشتباكات وتحركات عسكرية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على إنتاج الذرة والمحاصيل الغذائية الأخرى، وعمّق أزمات الغذاء داخل المدن والأسواق المحلية.

وبرغم التأثيرات الواسعة التي تعرض لها القطاع الزراعي في جنوب كردفان بسبب الحرب، إلا أن النساء المزارعات يواجهن تحديات أخرى مرتبطة بعلاقتهن بالأرض وملكية المشاريع الزراعية، وهي تحديات تمتد لسنوات طويلة، منذ دخول وتوسع الزراعة الآلية وما قبلها، كما يرتبط هذا الأمر بالبنية الاجتماعية وأنماط توزيع الموارد والملكية داخل الاقتصاد الزراعي المحلي.

مع اندلاع الحرب الحالية، تضاعفت هذه التحديات بصورة أكبر، حيث فقدت نساء كثيرات القدرة على الوصول إلى الأراضي الزراعية بسبب القتال أو النزوح أو تغيرات السيطرة على المناطق الزراعية، كما تأثرت حركة النساء داخل الأسواق ومسارات التجارة والنقل، ما انعكس بصورة مباشرة على استقرارهن الاقتصادي والاجتماعي.

وفي سياق هذه التحولات التي شهدها القطاع الزراعي في جنوب كردفان، هناك عدد كبير  من النساء المزارعات كُن يعتمدن على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، قبل أن تؤدي الحرب إلى توقف نشاطهن بالكامل.

كانت رقية (58 عاما) من المزارعات المعروفات في مدينة الدلنج، اعتادت الزراعة في منطقة هبيلا خلال موسم الخريف، ثم تعود بعد الحصاد إلى الدلنج، حيث تمتلك محلًا تجاريا في سوق المحاصيل، وكان اعتمادها على هذا العمل في إعالة أسرتها وتوفير احتياجات أبنائها.

مع اندلاع الحرب، والمعارك التي دارت في هبيلا في أغسطس 2023 بين الجيش الشعبي والدعم السريع، ثم معارك التكمة بالقرب من هبيلا بين الدعم السريع وقوة من اللواء 45 الدلنج، اضطر حينها عشرات المزارعين/ات لترك زراعتهم قبل أن يحين موعد الحصاد. وغادرت رقية المنطقة قبل نهاية الموسم الزراعي، وخلال محاولتها للخروج من هبيلا إلى الدلنج، أصيب زوجها بطلق ناري في ساقه، واضطرت لاحقًا لبيع منزلها بالدلنج لتغطية تكاليف العلاج، والسفر إلى كاودا، حيث انتهى الأمر ببتر ساق زوجها، وفقدانها مصدر دخلها المرتبط بالأرض، والآن تواجه وضعًا اقتصاديًا شديد الصعوبة بعد سنوات من الاستقرار النسبي.

تعكس حالة رقية أثر الحرب على النساء المزارعات اللواتي فقدن إمكانية الوصول إلى أراضيهن، وتحول أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية تحت ضغط النزوح وتعطل المشاريع الزراعية وتراجع الإنتاج، كما تكشف هذه الحالة حجم الارتباط بين النساء والأرض داخل جنوب كردفان، حيث ترتبط الزراعة بالنسبة لكثير من النساء بالإعالة والاستقرار والحياة اليومية داخل الأسرة وتعليم الأبناء والبنات.

وتواجه نساء كثيرات في جنوب كردفان، مثل رقية وغيرهن ممن فقدن مشاريعهن الزراعية بسبب الحرب، تراجعًا في أدوارهن داخل الجمعيات الزراعية النسائية التي كانت نشطة في مدن مثل الدلنج وكادوقلي والمناطق الريفية. وترتبط هذه التجارب بثقافة محلية تقوم على العمل الجماعي، أبرزها النفير الذي تنظمه النساء غالبًا في الأنشطة الزراعية، حيث يجتمعن من الجيل نفسه لإنجاز مهام مثل التيراب والهش والقطع، ويشاركن بصورة جماعية في تجهيز الأرض والحصاد.

وتزداد النفائر خلال مواسم الحصاد، خصوصًا عند قطع السمسم الذي يتطلب سرعة لتجنب تساقطه وفقدان جزء من المحصول، كما تتأثر هذه المواسم بمعتقدات شعبية تتعلق بظهور القمر وتأثيره على نضوج السمسم. ولتسريع الحصاد وتقليل الفاقد، تنظم الأسر النفائر4، حيث توفر صاحبة النفير الطعام والشراب للمشاركات، بينما توزع المهام بشكل جماعي، في مشهد يعكس حضور التعاون الأهلي ومفاهيم مثل الفزع داخل الحياة الزراعية، وهي تقاليد تأثرت كثيراً بالنزوح والهجرة الناتجين عن تصاعد العنف في جنوب كردفان.

مكننة الزراعة وتحويل المزارعين إلى فلاحين

مهّد استيلاء الجيش على السلطة عام 1958 لإبرام اتفاقية المعونة الأمريكية التي فتحت الباب أمام توسع العون الأجنبي للزراعة في السودان. وبعد عودة النظام البرلماني عام 1965، دفع تدهور أرباح مشاريع الري بالطرمبات الدولة لتسهيل انتقال رأس المال الخاص من المناطق النهرية إلى الاستثمار في الزراعة الآلية بجبال النوبة، التي كانت أكثر ربحية. ولأن الزراعة الآلية احتاجت إلى استثمارات ضخمة، لعبت المعونة الأمريكية والبنك الدولي دورًا حاسمًا، حيث قدم البنك الدولي قرضًا كبيرًا لتغطية نفقات تنظيف الأراضي وزيادة المساحات المزروعة في القضارف وجبال النوبة.

ففي عام 1965 أبرمت وزارة المالية والاقتصاد اتفاقًا مع البنك الدولي يقدم بموجبه البنك قرضًا قيمته 9,483,037  جنيه سوداني، لتغطية نفقات تنظيف الأرض في منطقتي القضارف وجبال النوبة، هدفت إلى زيادة المساحة المزروعة إلى 800,000 فدانًا في المنطقتين.

وبحسب عطا البطحاني، فإن هذه الفترة وحتى أواخر التسعينات شهدت ترسيخ البنيات الاقتصادية التي دمجت مجتمع جبال النوبة في نمط الإنتاج الرأسمالي، محولة المزارعين من ملاك أراض إلى فلاحين يعملون داخل المشاريع. وارتبطت مسألة الأرض بتحولات أوسع رافقت التوسع في الزراعة الآلية منذ الستينات، حيث أُعيد توزيع مساحات واسعة لصالح نخب سياسية وتجارية وعسكرية، مما أثّر على علاقة السكان بالأرض والعمل الزراعي، بينما ظلت النساء يتحركن داخل مساحة محدودة من السيطرة على الموارد رغم مشاركتهن اليومية في الإنتاج.

وعلى المستوى السياسي، صعد في الخمسينات “اتحاد مزارعي جبال النوبة” كتنظيم مطلبي يسعى لإصلاح أوضاع مزارعي القطن والمطالبة بالمساواة مع بقية المزارعين وزيادة الأسعار. ورغم أن القطن كان يُحلج محليًا في عدة مناطق، أحجم عدد من المزارعين لاحقًا عن زراعته بسبب الأسعار التعسفية التي كانت تشتري بها الحكومة المحصول، وهو وضع تكرر مع سلع زراعية أخرى حتى بعد الاستقلال، كما ظهر في تجارب الصمغ العربي وصمغ اللبان بين 2009 و2011.

وخلال تلك الفترات، كان التجار الجلابة يشترون الصمغ بأسعار منخفضة عبر وكلائهم المحليين ثم يبيعونه بأسعار أعلى في أسواق أخرى، وهو نمط استمر بدرجات متفاوتة حتى اليوم، حيث تذهب الأرباح الأكبر للتجار والوسطاء. ويُستخدم مصطلح الجلابة محليًا للإشارة إلى التاجر القادم من شمال السودان الذي يملك رأس المال ويعيّن وكلاء لشراء المحاصيل، وقد امتلك بعضهم لاحقًا مشاريع زراعة آلية عبر تحالفاتهم مع الدولة، مما ساهم في انتزاع أراض واسعة وتحويل المزارعين إلى فلاحين يعملون لصالح التجار، بينما ظل المزارعون يبيعون منتجاتهم بأسعار منخفضة ويشترون السلع الأساسية بأسعار مرتفعة، في سياق يعكس تفوق السلع الصناعية والتجارية على المنتجات الريفية داخل السوق.

حق النساء في الأرض

في الوقت الذي تشارك فيه غالبية النساء في الزراعة اليومية داخل المشاريع العائلية، والإشراف على الجباريك، وأعمال الحصاد والتخزين وحفظ التقاوي، توجد أيضا فئة أقل من النساء تعمل في الزراعة كنشاط اقتصادي واسع، وتمتلك مشاريع زراعية أو تديرها بصورة مباشرة، خاصة في مناطق الزراعة المطرية الواسعة مثل هبيلا والظلطاية وفيو والودي.

ووصول قلة من النساء إلى هذا المستوى من النشاط الزراعي يرتبط بجملة من العوامل، من بينها التعليم، والخبرة التجارية السابقة، والانتماء إلى أسر تمتلك أراض أو رؤوس أموال، إلى جانب العمل داخل جمعيات نسوية زراعية نشأت في شكل تعاونيات محلية.

لكن يظل القاسم المشترك هو أن غالبية النساء العاملات في الزراعة يواجهن صعوبات تتعلق بملكية الأرض والوصول إلى الموارد الزراعية، حيث تتركز ملكية الأراضي في الغالب في أيدي الرجال أو العائلات الممتدة، بينما تعمل النساء داخل مشاريع أسرية أو في أراضٍ ترتبط بعلاقات القرابة والزواج، ويؤثر هذا الواقع على قدرة النساء على التوسع في الإنتاج أو الحصول على التمويل والمدخلات الزراعية، كما ينعكس على استقرارهن الاقتصادي.

وقد كان لمسيرة الحرب التي شهدها الإقليم منذ مطلع الثمانينيات، ثم الحرب الطويلة التي خاضتها الحركة الشعبية الوليدة في الشمال عقب انفصالها عن الحركة الأم بعد استقلال دولة جنوب السودان في 2011، تأثيرات كبيرة على مجالات الحياة المختلفة في الإقليم.

ففي سياق الحرب الأهلية الثانية، عطلت غارات القصف التي شنها النظام السابق النشاط الزراعي للنساء في كثير من الأحيان، واضطرت النساء لابتكار استراتيجيات لضمان حماية جزء من محاصيلهن الغذائية من التدمير.

وفي جبال النوبة، ورغم أن النساء واصلن العمل خلال فترات الحرب منذ الثمانينيات، سواء كمزارعات داخل الزراعة العائلية أو كعاملات فلاحيات في مشاريع الزراعة الآلية، إلا أن أعدادًا كبيرة منهن اضطررن للنزوح إلى مدن كبرى مثل الخرطوم وكوستي والأبيض. حيث عملت كثير من النساء في أنشطة هامشية داخل القطاع غير المنظم، كبائعات للأطعمة والشاي والخمور البلدية، وعاملات في المصانع والمنازل، وبائعات متجولات.

لكن بشكل عام، تؤدي النساء في مختلف المناطق المتأثرة بالحرب مثل دارفور وجنوب النيل الأزرق، أدوارًا مهمة كمزارعات ومُعيلات لمجتمعاتهن من خلال إنتاج الغذاء والعمل الزراعي اليومي خلال سنوات الحرب.

صعود جديد

وفي مقابل النساء اللواتي خرجن من النشاط الزراعي نتيجة الحرب وفقدان الأرض أو تعطل المشاريع، برزت فئة أخرى توسعت أدوارها داخل الزراعة بصورة كبيرة، تحت ضغط التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها الإقليم خلال سنوات الحرب.

فمع الحصار الذي عاشته مدن مثل كادوقلي والدلنج، وارتفاع أسعار الغذاء، ونقص الإمدادات التجارية، اتجهت أعداد متزايدة من النساء إلى توسيع الجباريك والزراعة المنزلية، سواء بهدف تأمين الغذاء اليومي للأسر أو للحصول على دخل نقدي يساعد في مواجهة تكاليف الحياة داخل المدن المحاصرة.

وفي هذا السياق، تحولت الجباريك من مساحات صغيرة مرتبطة بالاستهلاك المنزلي إلى مصدر إنتاج يوفر الخضروات وبعض المحاصيل الغذائية، كما ساعد عددًا من النساء على دخول الأسواق المحلية عبر بيع الفائض من الإنتاج، خاصة مع تراجع الإمدادات القادمة من خارج المدن وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وفي مقابلة أجرتها معها مجلة فريدة النسوية، قالت زينب جبر الله، وهي صاحبة جبراكة بمنطقة الكويك في كادوقلي، إن الجباريك، خلال عامي الحصار، أصبحت تمثل مصدر الغذاء الأساسي لعدد كبير من الأسر داخل المدينة، وأضافت أنها توسعت في زراعة الخضروات خلال فترة الحرب، وأصبحت تعتمد على الجُبراكة في توفير الغذاء اليومي والحصول على دخل مادي في الوقت نفسه.

وأشارت إلى أنها أصبحت تزرع محاصيل مثل التبش والبامية والقرع والذرة الشامية، إلى جانب الذرة بكميات كبيرة، وتبيع جزءًا من الإنتاج داخل الأحياء والأسواق الصغيرة. وأضافت أنها خلال الموسم الماضي كانت توفر جزءًا من الإنتاج للأسرة، بينما تذهب بالجزء الآخر إلى السوق للحصول على نقود تساعدها في شراء سلع أخرى مثل الصابون والملح والسكر، كما أشارت إلى أنها كانت تتجه أحيانًا بالمحاصيل إلى السوق وتستبدلها مباشرة ببعض الاحتياجات اليومية.

وأضافت زينب أن زراعة الجباريك ساعدت الأسر على مواجهة نقص الغذاء داخل المدينة، كما وفرت دخلًا بسيطًا ساعد في شراء احتياجات أخرى مثل السكر والملح أو دفع تكلفة طحن الذرة، خاصة مع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار داخل كادوقلي.

وفي هذا السياق قال الناشط والفاعل المدني مصعب عبد الرحمن من الدلنج أن النساء تحولن خلال الحرب إلى معيلات رئيسيات للأسر، مع ازدياد المسؤوليات بسبب غياب الرجال أو فقدانهم لمصادر دخلهم. وأضاف مصعب أن النساء والأطفال اضطروا إلى الدخول بصورة أكبر إلى السوق والعمل، الأمر الذي وسع من مساهمات النساء في الاقتصاد الأسري خلال فترات الحصار.

كما أشار مصعب إلى أن الحرب دفعت عددًا متزايدًا من النساء إلى العمل في تجارة المحاصيل والتنقل بين الأسواق، خاصة في فترات الحصار، حيث كانت حركتهن أقل إثارة للاشتباه مقارنة بالرجال. وأضاف أن الجباريك تحولت إلى مصدر أساسي لتأمين الغذاء للأسر داخل المدن المحاصرة، خاصة في الدلنج وكادوقلي.

وفي الوقت نفسه أدى الحصار الذي فُرض على الدلنج وكادوقلي، من قِبل الدعم السريع والجيش الشعبي، والذي استمر لحوالى ٢٦ شهرًا، لحالة مجاعة وعجز عن توفير الطعام بشكل يومي، وخلال هذه الفترة أظهرت النساء قدرة كبيرة على التكيف مع ظروف الحصار، سواء عبر توسيع الجباريك، واللجوء للزراعة الجبلية، أو بدء العمل في تجارة السلع، أو تنظيم العمل الجماعي داخل الأحياء والقرى.

وكمزارعات، واجهن في هذا السياق حالة متزايدة من الفقر، وسط هذه البيئة التي تداخلت فيها آثار النزوح والحصار والعنف مع الأعباء اليومية المرتبطة بالغذاء والإعالة والعمل الزراعي.

فبينما يتحركن تحركات نسبية بين الجباريك والأسواق الصغيرة ومراكز النزوح، في محاولة لتأمين الغذاء والحفاظ على بقاء الأسر، تتراجع معها فرص الاستقرار والإنتاج الزراعي مع استمرار القصف وتعطل المواسم الزراعية وصعوبة الحركة بين القرى والمدن.

كيف تتخيل النساء المزارعات مستقبلًا أفضل؟

ذكرت عدد من النساء المزارعات بالدلنج وغرب الكرقل، وكادوقلي في مقابلات أثناء إعداد هذا التقرير، أن تحسين أوضاعهن يرتبط أولًا بالقدرة على الوصول الآمن إلى الأرض، واستقرار الأوضاع الأمنية، وفتح الطرق بين مناطق الإنتاج والأسواق، لأن استمرار القتال أثّر بصورة مباشرة على الزراعة وحركة المحاصيل، وحركة وصول التقاوى والوقود اللازم للزراعة.

كما ترى فاعلات/ون في مجموعات مدنية ودولية تدعم القطاع الزراعي والجمعيات الزراعية بجنوب كردفان، أن استئناف نشاط الجمعيات والتعاونيات النسوية يمكن أن يساعد في استعادة النشاط الزراعي داخل القرى والمدن، حتى يخفف من الحاجة العالية للذرة كغذاء رئيسي وبعض الحبوب الغذائية الأخرى، خاصة مع الخبرات التي اكتسبتها النساء خلال سنوات الحرب في إدارة الجباريك والتجارة الصغيرة والعمل الجماعي.

وهذا ما يرتبط بتطلعات كثير من النساء بالحصول على أدوات زراعية ومدخلات إنتاج وبذور مُحسنة، إلى جانب توفير مصادر تمويل صغيرة تساعدهن على توسيع مشاريعهن الزراعية وتحسين الإنتاج.

ومن بين القضايا التي تطرحها النساء كذلك مسألة الأرض وحق الوصول إليها وإدارتها، خاصة في ظل التغيرات التي شهدها القطاع الزراعي منذ التوسع في مشاريع الزراعة الآلية، وما تبعها من تحولات في ملكية الأراضي وعلاقات الإنتاج داخل المجتمعات الريفية.

ومن جهة أُخرى، ترتبط أوضاع النساء المزارعات بطبيعة السياسات الزراعية والتنموية داخل الإقليم، ومدى حضور النساء في مواقع اتخاذ القرار المتعلقة بالأرض والإنتاج الزراعي والتنمية الريفية. كما تؤثر الحرب على هذه التحولات عبر استمرار النزوح، وتراجع الخدمات، وتعطل التعليم والصحة، واتساع الفقر، وهي عوامل تضغط بصورة مباشرة على النساء داخل الأسر والمجتمعات المحلية.

وبعد فك الحصار جزئيًا عن الدلنج وكادوقلي في أواخر يناير الماضي، وفتح الطريق الشرقي الذي يربط المنطقتين بشمال كردفان عبر هبيلا مرورا بكرتالا وحتى الرهد، ظهرت محاولات لإعادة تنشيط الموسم الزراعي، خاصة مع إمكانية إدخال الوقود والتقاوي ومعدات الصيانة والأسمدة ومدخلات الإنتاج الأخرى.

وقد بدأت بالفعل تحركات وسط المزارعات/ين للدخول إلى الموسم الزراعي الجديد، حيث عقدت اللجنة التسييرية لمزارعي هبيلا اجتماعًا في بداية شهر يونيو من هذا العام، بمدينة الدلنج للتفاكر حول كيفية العودة إلى الزراعة خلال موسم 2026، بعد توسع الرقعة الآمنة نسبيًا في مناطق هبيلا وكرتالا ودلامي ورضينا، إلى جانب فتح الطريق وتأمين أجزاء منه.

 

هوامش

1 الوِقاية هي قطعة من القماش تلف وتوضع على الرأس لتخفيف حدة حمل باقات الماء. 

2 السلكاب أداة تساعد في حفر الأرض لرمي البذور.

3 إناء

4 نفائر، جمع مفرده نفير، وهو تقليد قديم يعود لمئات السنين، يطلق على أي عمل جماعي يقوم به سكان المنطقة الواحدة لمساعدة بعضهم البعض في أوقات الأزمات، أو الحصاد، أو غيره من الاوقات التي تتطلب تضامنًا بين أفراد المنطقة الواحدة. 

جوليوس الجيلي
المقالات +

صحفي وفاعل مدني مهتم بقضايا السلام والعدالة والحقوق الثقافية