البحث عن مساحة صغيرة لنا في عالمٍ يتداعى
عناب علمان
“البيت هو ركننا في العالم، إنه، كما قيل مراراً، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى”.
-غاستون باشلار «جماليات المكان» . 1957.
ديباجة
منذ أن تركت البيت في بداية شهور الحرب الأولى بصورة قسرية تملكتني فكرة نويت تطويرها بالملاحظة عن كثب، فكرة مفادها “الاستعادة وليس التكرار”، بتعبير رولان بارت، للأحداث أو المكوث في الأمكنة، البيت تحديداً، رغم أن كل الأحداث تتخذ حيزاً في الزمن أكثر مما تتخذ في المكان بتعبيرات بروستية؛ والمشاعر وكل ما عشته سلفاً بكثافة وأفكر فيه الآن من إحداثي الجغرافي الحالي، في منطقة عبور ما بعيداً عن البيت، وأفكر بشكل جدي الآن تحديدًا بالإقامة في العبور، حيث تلاشى كل ما ألفته يوماً، وفي غياب أية إمكانية للاندماج مع ما وجدته في مناطق العبور ” البيوت ” التي مكثت فيها منذ أن بدأت الحرب، وما أكثرها. خذ اللغة الجديدة في المكان مثلًا، والثقافة والمجتمع الذي أنت دخيل عليه، وحتى مفهوم البيت الذي لا ينفك أن يتغير بالتنقل السريع الذي يحدث قسرياً وعليك مواكبته، لا بل معايشته. تظهر هنا فكرة البيت بشدة وتعبر عن نفسها في كل موضع غير مواتي، ومن خلال حوادث أخرى لا تشتبك معها بصورة مباشرة ولكن من بعيد.
بعيدين عن البيت، مصابون بنوستالجيا المكان، ليس بصورة فردية فقط لكن من خلال ذاكرة أصبحت الآن جماعية أكثر من قبل، ذاكرة مثل”افتداء أو فدية” لمنفى قسري، فالشخص التائه وفق ريجيس دوبريه يشير إلى مكانه الأصلي ومنبته من خلال أشياء كثيرة، لأن من المستحيل تحويل مكان العبور إلى “البيت المؤقت”.
حياة النزوح والحروب
في نصف قرن من الإستقلال، عاش السودان، بالكاد، عقداً من السلام. لا تكاد تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى. مات ملايين السودانيين جراء تلك الحروب، ما يعرض البلاد حالياً إلى خطر التقسيم لبلدان جديدة، لكل منها تَرِكَّتها من الفشل، فشل نفسي وسياسي وجغرافي. أورث هذا الفشل الفرد السوداني – في كل مكان وزمان – قصة نزوح ورحيل دائم. رحيل من أجل التوسع أو العكس، نزوح وهجرة وهلاك بسبب النزاعات. فعلى مستوى الفرد أو الجماعة لا يزال السوداني حتى اليوم ينجو من خلال الحركة والرحيل، رحيل موسمي من أجل الرعي مثلًا، رحيل آخر من أجل العمل أو التعليم، ونزوح قسري بسبب الحروبات والمجاعات، وهناك أيضاً هجرة مؤقتة من الريف إلى المدن.
تحدث هذه التنقلات المكانية الآن بصورة واسعة ومستمرة في معظم ولايات السودان، رحيل /نزوح /لجوء /تيه / هجرة .. إلخ بسبب الحرب الدائرة. يبحث الجميع عن مساحة صغيرة آمنة له داخل وخارج هذا البلد الآيل للتداعي، فلا تكاد رحلة متعبة ومُهلِكة لفرد أو جماعة تنتهي حتى تبدأ غيرها من حيث انتهت الأولى، بعد إستراحة قصيرة مؤقتة، لأسباب في الغالب تعود لضعف الاقتصاد. أرى، من موقعي الحالي، وبصورة مباشرة موجة التنقلات المستمرة هذه، والتي كنت قد مررت فيها بثلاث تجارب وعايشتها.
ذاكرة من شمع
الآن بعد أن فشلت كل المفاوضات والحلول السياسية، وأغلق الجميع أبواب منازلهم العتيقة وتركوها خلفهم مجبرين نحو وجهات وعوالم جديدة ليست بالضرورة أفضل العوالم الممكنة، أي بعد أن أنتهت كل الأشياء، وأستُهلك كل أملٍ ورجاء بمرور الوقت المشحون بالأحداث، ورحل الكثير من الناس، وعادت دورة الحياة لتُبدأ من الصفر في أماكن جديدة، وبيوت جديدة، لم يبق سوى الحديث عما حدث ومازال يحدث، سرد الحقائق، رغبةً في رسم شواهد وأطلال في ذاكرة من شمع، تلك التي لا تمحي الذكريات أبدًا.
حاليًا نحن عاجزون عن معايشة الإستمرارية التي تحطمت بسبب الحرب، والرحيل الذي نتج عن هذه الحرب. حيث غيرت ضرورات النزوح والانتقال القسري من مفهوم البيت والسُكنى، والناس وعلاقتهم بالبيت وببعضهم البعض، وأثارت هذه الضرورات أزمة في علاقتهم مع المكان وذاكرتهم المكانية، في هذه الذاكرة – التي يطرح باشلار سؤالًا تُعحبيّاً عن أن أية أداة غريبة هي؟ – الكثير من ذكرياتنا محفوظة. هذه الذكريات محفوظة أساسًا بفضل البيت، البيت الذي تركناه ورائنا وبات فردوساّ مفقوداً نحمله معنا حيث ذهبنا.
تحمل فكرة البيوت حميمية الإنتماء، بل تغلّفها، بوصف البيت ركناً شديد الخصوصية في العالم، ولا يوجد شيء باستطاعته أن يجعلنا نتخلّى عن هذه الفكرة، فالغياب عن البيت هو غياب للبيت نفسه نتلمّسه في بيوتنا الجديدة المؤقتة، حيث الحقائب تقبع في الزوايا أو تحت الأسرّة محملة بذكرياتنا، لا نفرّغها لأننا فقدنا البيت ولا نريد فقدان الأمل في الرجوع إليه، لذلك نبقيها مغلقة، ربما لغايةٍ في نفس يعقوب، ربما هي رغبة المغلوب على أمره بعيدًا عن بيته، يسببها الخوف الناتج عن التنقل المفاجئ أثناء العيش في زمنٍ ضائع نتمنى أن يتوقف وألّا يعود له قيمة، أو أن يبطل مفعوله وسريانه إلى حين، حتى لا يسبقنا و يسلمنا لنهاية طريق لم نمشي فيه بإرادتنا دون أي تجربة حقيقة للعيش، وهو حلم لا علاقة له برغبة المغلوب على أمره الساذجة، غير الواعية، في زمنٍ/بيت مُستعاد لاحقاً، يحدث كنتيجة طبيعية لسيرورة الزمن وإنتهاء الأحداث.
لم تغيّر ضرورات النزوح والانتقال القسري من مفهوم البيت والسُكنى فحسب، بل خلقت دماراً وصدعاً، وبالبحث عن وسيلة لرأب هذا الصدع تحدث أشياء أبعد من أن ندركها أو نتداركها، أشياء نعرفها جيدًا، ونغفل عنها متعمدين، ونعيشها في كل لحظة وبصورة خاصة في زمن الحرب داخل جغرافيات جديدة، وبيوت جديدة لا نحبها ولا ننتمي لها بالضرورة، وفي زوال كل دقيقة تمر، ناسين أو متناسين الواقع، نخلق صورًا، ومجازات عن البيت القديم، نُعدد مزاياه، ونتذكر حميميتنا فيه، وبذلك يفعل الصدع فعلته بنا دون استثناء.
وفق باشلار، يعد رسم صورة مبالغ في جمالها للبيت تلغي أُلفتّه، ويصدق هذا على الحياة. إن البيوت الحقيقية للذاكرة، البيوت التي نعود إليها في أحلامنا، وأحلام يقظتنا، فالكثير من ذكرياتنا محفوظة أساساً بفضل البيت وإذا كان البيت أكثر تعقيدًا. في جماليات المكان وفق باشلار، أي أن له قبو و عليّة وأركان منعزلة، دهاليز وأروقة، تكون أحلامنا أكثر تحديدًا، لأن المكان هنا هو كل شيء، حيث يعجز الزمن عن تسريع الذاكرة، ويقوم بسجننا داخلها حاجباً بذلك احتمالات و رؤى جديدة في بيئة وبيت جديد.
الفرد والبيت والخصوصية
التعلّق بالبيت فعل براغماتي بحت، نحب البيت القديم لأسباب، و نشعر بحزن في البيت الجديد لأسباب هي نقيضة الأسباب الأولى، ويحدث كل ذلك داخل الذاكرة التي هي عند باشلار لا تسجل استمرارية واقعية بالمعنى البيرغسوني، وذلك بسبب أننا عاجزون عن معايشة الإستمرارية التي تحطمت، المتمثّلة في البيت الذي لا نعرف أخباره الآن، لكن بالطبع نستطيع أن نفكر فيه على مستوى تجريدي خال من الكثافة.
المسألة كلها شخصية، فكرة البيت أساساً مرادف لمفردة الخصوصية، وعادة ماتروى القصص بلسان الفرد وليس الجماعة، ففي حُلُم المغلوب على أمره الذي لا ينفك يعود ويذهب كل مرة، متنقلًا بين بيوت جديدة ضمن بازار جغرافي ضخم حيزه عالم داخلي كامل، يكمُن البيت، وتكمُن فكرة الخصوصية التي تم نسفها بالنزوح والتنقل الاضطراري، ولا نحاول بهذا القول اختزال دور الأفراد كمجموعات، ففي هذه الخصوص، يشير الأنثربولوجي ميشيل مافيزولي إلى أهمية دور الفرد كفرد، بعيداً عن الجماعة، في كتابه “في الحلّ والترحال”، عن أشكال التيه المعاصرة، فالبداية دوماً ما تكون من الشخص، الّذي، يقول مافيزولي، أنّ لا مجال لإختزاله في هويّة بسيطة، طالما أنّه يضطلع بأدوار كثيرة عبر سلسلة تقمُصات وتماهيات، لا سيما تماهي في الجماعة، ويكمل مافيزولي حديثه هذا معللاً ومبرراً فكرته، عن طريق استشهاده بـ دوركايم فيكتب يقول : أيًّا كان الإسم الذي نعطيه لهذه الظاهرة، ظاهرة التنقل من مكان لآخر “تيه، ترحال، تجوال، تسكُّع.. إلخ ” فإنها منغرسة في الطبيعة الإنسانية ذاتها فردية أو جماعية، كما أن مفهوم الترحال هو من العبارات الأكثر بداهة وقدرة على التعبير عن هذا الوقت الذي يمر، وعن الزوال الضروري لكل الأشياء وفنائها التراجيدي الذي لا مرد له، والخوف من الناشئ والجديد.
يذهب مافيزولي أبعد قليلا ويكمل : يمكننا أن نعتبر حركة الذهاب والإياب التي تحدّث عنها دوركايم بين فترات يتجمع فيها الناس ويكون فيها الفرد عضو داخل الجماعة، والفترات التي يتفرقون فيها لينتشروا في الأرض بمثابة قانون. لأنَّ البربري، بمعنى الشخص الذي يترحّل دوماً، عند مافيزولي، ليس سوى صورة مجازية باذخة عن هذا الخطر الآتي من العالم الموازي، الخطر الذي يزعم هذا الكاتب “أن المجتمعات كانت قد خرجت من معطفه، لكنها تحتفظ به دائماً في ذاكرتها العميقة، وتتوجس منه خفية أيضًا. وإذا وقع نسيانه وإخفاؤه للحظة فلا مجال للتخلص منه نهائيًا، لأنه يظهر في شكل قدر مقدور يبرز دائما على السطح من جديد”، في أشد حالاته بؤسًا أحيانًا، الحرب مثلًا، كما هو في حالتنا.
وبالعودة إلى الفكرة الأساسية فإن النزوح /اللجوء/الهجرة بالنسبة للكاتب ميشيل مافيزولي تكون في أشكالها القصوى بمثابة بوتقة لمتخيّل إجتماعي، بل شعور جمعي تستمر آثاره آماد طويلة. ومن جملة هذه الأخيرة يظهر على السطح شعور النزوع إلى المحايثة والالتصاق الشديد بالأرض/البيت من أجل التوافق والتصالح مع العالم كما هو، وإرادة الإنسان كلّما واجَهتُه حقيقة محدوديته وفنائه المحتوم التي تتولد عن معيش جماعي أكبر غير محظور البتّه من قِبل نظام أخلاقي متعالي.
من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى آلة النظام الرأسمالي متمظهرة في أسباب اقتصادية عدة والتي هي في جوهرها، ومنذ فجر التاريخ، تفرض على الأفراد وحتى الجماعات الرحيل، واللجوء، والهجرة والتخلِّي عن عوالمهم وبيوتهم المألوفة للعيش في عالم الضرورة الذي بدوره أيضا قد فُرض عليهم، أحيانا كثيرة بسبب الحروبات أو الكوارث، التي هي في مجملها أسباب إضطرارية، وبإمكان الجميع ممن رحل أن يسرد قصته الشخصية بالطبع، ففي الحرب فرصة أن ينجو أصحاب النعم أكبر، أما الأقليات والهوامش الهشّة اجتماعياً واقتصادياً هي من يقع على عاتقها تحمّل ما لا يُحتمل. لكن من المهم عدم تجاهل الشرخ الذي يحدث بين الأفراد في تشتتهم، حتى المستقر في المكان منهم، والذي يعاني بدوره أيضا من تشتتٍ ما، فدائماً ما تكون هناك فجوة أو حيز بين من بقوا وأولئك الذين رحلوا، بالتأكيد لكلٍ منهم ما يقاسيه في مساحته التي ذوى إليها، لكن مع ذلك تظلّ تلك الفجوة شبح يحوم فوق رؤوس الجميع، جاعلاً المسألة أكثر من وجهة نظر واحدة تُروى من خلالها القصة. النزوح كحالة دائمة في معظم ربوع السودان جعل وجود الفرد السوداني عملٌ شاق، وبسرد تاريخي متسلسل ومفصّل لهذه الحالة ينبثق أمامي بصورة جليَّة، بورتريه منمّق عن اللا أصالة، وأرى فيه السوداني كالمنفيٌّ أبدًا خارج المكان.
الكمال في بيوت النساء
رأيت في بيوت النساء، وفي بيت النساء الذي نشأت فيه، خلال هذه الحرب وفي كل الأوقات العصيبة السابقة، أنهن – النساء – الوحيدات القائمات على كل الأشياء الطيّبة في هذه البيوت، حيث الآن، معظم الرجال يقفون على هامش أحداث الحياة اليومية ومتطلباتها، والنساء بمجرد وجودهن، ويعملهن في مختلف الأعمال، في وظائف غير مسجلة في أي مؤسسة رسمية في العالم، يمنحن حيوات جديدة، ويرعين أُسر بأكملها دون عون، وتحت عبء قاسي للغاية، يقفن.
هذه هي البيوت، بيوت قمن بتشييدها نساء، نعرفها بحميميتها المألوفة، لذلك وفي خضمّ هذا اليأس والعالم ينهار من حولنا منذ وقت طويل، وحاليًا بسبب الحروبات والكوارث، وفي عصر الأزمات الإنسانية هذا، أفكر ببهجة في النساء. كلمة نساء هي كلمتي السحرية، كلمة تحمل لي كل دلالات التنوع الرهيب اللا محتمل لغنى العالم في كل صوره منزوع عنها كل ما يمكن أن يُحيلها إلى الكمال، كمال رجولي في المقام الأول. كلمة تأخذني إلى طفولتي، إلى خالتي سلمى، ولعالم النساء الذي ارتني إياه وأنا لم أتجاوز السبع سنوات، ووجدته لاحقاً في صندوق العجائب.
مراجع
غاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة: غالب هلسا،ط 6، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ٢٠٠٦.
ميشيل مافيزولي: في الحل والترحال عن أشكال التيه المعاصرة: ترجمة: عبدالله زارو، أفريقيا الشرق، ٢٠١٣.



