في السودان حرب على النساء
ريم عباس
ترجمة: عبد الرحمن عمر
كانت الحرب إحدى أكثر الوقائع الثابتة بالنسبة للنساء السودانيات، مع العديد من النزاعات التي تحدث منذ عام 1955. النزاع الأخير الذي بدأ على عدة جبهات في أبريل 2023 وما يزال مستمراً، أثر على ملايين النساء في جميع أنحاء السودان. سلبت الحرب أمانهن، وباتت أشكالٌ مُختلفةٌ من العنف القائم على النوع الاجتماعي وباءً، مما أحدث حالة من الهشاشة المستمرة للنساء أضعفت فرص تمكينهن اقتصادياً وقللت من فرص تعليمهن ومشاركتهن السياسية.
رسمياً، تُشير التقديرات من مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح إلى وفاة أكثر من 10,400 مدني، وهذا رقم متواضع بسبب عدم إمكانية الوصول. وعلاوة على ذلك، نزح أكثر من 5 ملايين شخص، الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال، وفرّ ما يزيد عن مليون شخص إلى الدول المجاورة. وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن ما لا يقل عن 435 طفلاً، بينهم فتيات، قُتلوا في الحرب، مع شُحِّ المعلومات عن ارتفاع معدل وفيات الرضع وكذلك وفيات الأمهات.
في هذا المقال، نريد أن نتجاوز الإحصائيات الرسمية والأممية، ونغوص في قصص النساء اللائي تأثرن بالحرب مباشرة، ويخضْنَ الآن حروباً شخصية وعامة لإعادة بناء حيواتهن وإنشاء حياة جديدة مؤقتة، وحماية كرامتهن والحفاظ على استقلالية أجسادهن. نساء ينتمين مختلفات الأعمار، لكنهن جميعاً، شهدن انقلاب حيواتهن بسبب الحرب التي اندلعت في الخرطوم بين الجيش ومجموعة شبه عسكرية تسمى “قوات الدعم السريع”. عندما غادرن منازلهن للهروب من الموت والعنف الجنسي، لم يتركن فقط معظم ممتلكاتهن الشخصية، بل تركن أيضاً وظائفهن ودراستهن وأحلامهن وتطلعاتهن نحو مستقبل مستقل.
دعونا نتعمق في الحياة اليومية لثلاث نساء نازحات من الخرطوم ونكتشف ما فعلنه قبل الحرب، وكيف يتعاملن مع النزوح.
طالبة ليس لديها خيارات
الطالبة (م.أ) التي سيجري استخدام الأحرف الأولى من اسمها لحماية خصوصيتها، تبلغ من العمر 21 عاماً، وكانت تعيش في شرق النيل، أحد مناطق ولاية الخرطوم. بعد شهر من بدء النزاع، أضحت نازحة وتعيش الآن في أبو حمد وهي إحدى مدن ولاية نهر النيل.
“تركنا منزلنا عندما بدأت قوات الدعم السريع في مداهمة المنازل في حيّنا، ولكن السبب الرئيس للرحيل كان عندما بدأنا نسمع قصصاً عن الاغتصاب واختطاف النساء. غادرتُ مع عائلتي إلى ولاية نهر النيل، لأنه المكان الذي تمتد جذورنا الأسرية إليه”.
قبل الحرب، كانت (م.أ) طالبة في الجامعة، وبسبب الوضع الحالي، لا تستطيع مواصلة تعليمها أو الانتقال إلى جامعة أخرى. لكسب لقمة العيش، كان لديها متجر إلكتروني تبيع فيه المستلزمات النسائية. وعلى الرغم من نزوحها الحالي، إلا أنها تبذل قصارى جهدها للحفاظ على عملها، ولكنه لم يعد مصدر دخل ثابت لها.
“عندما وصلنا لأول مرة، كنا نعيش مع عمي، لكننا الآن بنينا منزلاً صغيراً باستخدام مواد بناء بسيطة للغاية”، قالت (م.أ).
كمرأة، حياتها ليست سهلة في أبو حمد، والمجتمع هناك محافظ للغاية، وهي تكافح من أجل العثور على احتياجاتها الأساسية. على سبيل المثال، ليس من السهل العثور على الفوط الصحية والمتوفرة ذات جودة متدنية للغاية. البيوت مصممة بطريقة غير مناسبة للنساء، فالمراحيض خارج المنزل الفعلي، مما يؤثر على خصوصية النساء. وشرحت (م.أ) أن النساء والفتيات يجب أن ينتظرن حتى نهاية اليوم (أو حتى المساء) لاستخدام الحمام، ويجب عليهن أن يرتدين ملابس معينة طوال الوقت لغياب الخصوصية.
تشعر (م.أ) بفقد كبير. فقدت قدرتها على إكمال تعليمها الذي كان سيحقق لها حياة أفضل، وهي تكافح من أجل إعادة تشغيل عملها، لأنها ما تزال لا تمتلك شبكة لشراء المنتجات وبيعها محلياً. فقدت أيضاً معظم ممتلكاتها، بما في ذلك البضائع عندما دخلت ميليشيات قوات الدعم السريع منزلها ونهبته.
“لا أستطيع تصور حياةً هنا لنفسي، ولا أعرف كيف سأنهي دراستي أو أجد شريكاً”، قالت (م.أ).

ما تزال تعاني من الألم بسبب الرحلة من منزلها إلى أبو حمد
“استقللنا حافلة من محطة حافلات في الخرطوم، ولم نستطع التحرك بسبب القتال الشديد. ركضنا واختبأنا لبضع ساعات خلف مسجد، كان الرصاص حقاً يمر فوق رؤوسنا، ونحن على الأرض نحاول البقاء بأمان. كان من المفترض أن نتحرك الساعة 7 صباحاً، لكننا غادرنا الساعة 4 مساءً، وبعد أن انطلقنا، سقطت قنبلة على بضعة أمتار من الطريق، واضطررنا لتغيير الاتجاه”.
أخافتهن قوات الدعم السريع في طريقهن من الخرطوم-شمال، إلى الجيلي، وهي بلدة تربط بين الخرطوم الشمالية وولاية نهر النيل.
“استغرق الأمر يومين للوصول إلى وجهتنا. كانت رحلة فظيعة”، قالت (م.أ).
“لا أشعر إلا بالكراهية”
(م.م)، التي سيتم استخدام الأحرف الأولى من اسمها لحماية خصوصيتها، تبلغ من العمر 39 عاماً وهي عزباء تعيش مع عائلتها، وقبل الحرب كانت تعمل في قطاع اللوجستيات. تعيش في أم درمان ونتيجةً للنزاع، انتقلت من منطقة أم درمان إلى حي الثورة الواقع في كرري.
كرري وأم درمان محليتان تقعان داخل ولاية الخرطوم.
غادرت (م.م) منزلها وأضحت نازحة في منطقة كرري، في منتصف يوليو بعد تعرض منزلهم لرصاص قوات الدعم السريع التي احتجزتهم تحت تهديد السلاح لأكثر من ساعة واستجوبتهم/ن وهددتهم/ن قبل أن تخبرهم/ن بأنهم سيقتلون إذا لم يتركوا/ن المنزل.
“أنا من أم درمان، لذا ليس لدي مكان آخر للذهاب. بالطبع، أثرت القصص التي سمعناها عن الاغتصاب والاختطاف على قرارنا، ولكن تلك الحادثة دفعتنا لاتخاذ قرار المغادرة”.
على الرغم من أنهم/ن قد حالفهم الحظ في العثور على منزل للانتقال إليه من خلال المعارف، إلا أنه من الصعب عليها كامرأة العيش في منطقة تتعرض باستمرار للقصف ومتأثرة بالنزاع. كرري هي الآن المحلية الوحيدة التي يسيطر عليها الجيش السوداني بالكامل، مما يجعلها ملجأً للعائلات القاطنة في المناطق المجاورة، وبها الآن آلاف النازحين داخلياً الذين يُستضافون من قِبل العائلات أو يعيشون في المدارس والمباني العامة. ومع ذلك، هذا لا يجعلها آمنة، فهي تتأثر بالقتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقذائف الدعم السريع تقصف كرري بشكل يومي تقريباً لإجبار السكان على الإخلاء. ونتيجة لذلك، يُقتَلُ العشرات من سكان كرري أسبوعياً، لكنهم لا يستطيعون الفرار لأن كثيراً منهم ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.
شرحت (م.م) حياتها اليومية في كرري، منزلها الجديد.
“لا أستطيع مغادرة المنزل لفترة طويلة للحصول على مواد غذائية، ولا يمكنني أن أكون وحدي أيضاً. لقد حاولت البحث عن وظيفة، ولكن الوظائف المتاحة تكون أساساً للرجال، حتى بعض الوظائف التي كانت متاحة للنساء باتت الآن للرجال بسبب الوضع الحالي. حالياً، الوظائف الوحيدة المتاحة هي للعاملين في مجال الصحة والذين يعشن/ون اعتماداً على الدخل اليومي مثل بيع الشاي والطعام”، قالت (م.م).
تشعر (م.م) بالألم والغضب مما حدث لها ولعائلتها. تشعر بأنه تم الحط من كرامتهم، وفي داخلها بركان هائج موجه إلى كل من شارك في هذه الحرب.
“أنا لا أشعر أنني بحالة جيدة على الإطلاق. أنا أشعر بالكراهية فقط”، قالت (م.م).
علاوة على ذلك، فهي لا تملك الموارد اللازمة لمغادرة السودان أو الانتقال إلى ولايات أكثر أماناً، لأنها ستضطر إلى دفع أسعار إيجار باهظة، ولا تملك أسرتها هذا النوع من الدخل الآن، وهذا يجعلها تفكر في مصيرها. إنها قلقة للغاية بشأن العنف الجنسي والاختطاف.
بوصفها شابة كانت لديها وظيفة وحياة مستقلة، كل ما يمكنها فعله الآن هو الانتظار حتى ينتهي هذا الجنون.
“أنا لا أشعر بالأمان حول عائلتي”
(ت.ب) التي سيجري استخدام الأحرف الأولى من اسمها لحماية خصوصيتها، شابة عملت في مجال الإعلام، واختارت أن تعيش حياة مستقلة في الخرطوم حفاظاً على صحتها النفسية بعيداً عن ولاية الجزيرة التي تنتمي إليها. عملت في الخرطوم وعاشت بمفردها لسنوات قبل أن تضطر إلى الانتقال إلى مكان شعرت أنها لا تنتمي إليه. ليست على علاقة جيدة مع عائلتها، ولكنها غادرت الخرطوم لتلجأ إلى مكان آخر، لأنها اعتقدت أن نزوحها سيكون طويلاً. غادرت الخرطوم أيضاً بسبب خوفها من قوات الدعم السريع، لأنها كانت تعلم أن العنف الجنسي الذي يشكل جزءاً من ثقافتهم الحربية في دارفور سيكون مكرراً في الخرطوم.
“لم أكن أرغب في أن أكون مع عائلتي بسبب العنف الذي تعرضت له. أنا فقط لا أشعر بالأمان بجوار عائلتي”، قالت (ت. ب).
اختارت (ت. ب) الجزيرة لأن لديها عائلة هناك، ولأنها لن تتمكن من تحمّل أي مكان آخر. وأضافت: “بسبب التضخم، كان راتبي في الخرطوم يغطي فقط الأساسيات من الإيجار ونفقات المعيشة، ولكنه أيضاً حافظ على كرامتي. انتقلتُ من حرب جسدية إلى حرب نفسية، حرب على صحتي النفسية”.
في منزلها الجديد، لا تستطيع العثور على عمل بسبب انعدام فرص في بلدتها، ويجب عليها الانتقال إلى ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، لتكسب لقمة عيشها. قامت ببعض الأعمال التطوعية للحفاظ على نشاطها لأن عدم القيام بأي شيء وعدم وجود وظيفة كان يؤثر على صحتها النفسية، ومع ذلك، فهي بحاجة إلى تحقيق دخل لتمكينها.
“إذا حصلتُ على وظيفة وكسبتُ المال، سأنتقل من منزل عائلتي فوراً”، قالت (ت. ب).
في الوقت الحالي، تقضي وقتها في الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام عندما يتوفر الإنترنت، وتعيش على ذكرياتها بالحياة التي كانت ترغب فيها في حياتها السابقة. وقالت إنها نادراً ما تتحدث الآن، وإنها ليست على علاقة جيدة مع والدها الذي تصفه بأنه “يعنفها لفظياً ولديه أفكار متطرفة”. لا تستطيع أن تكون في أي وضع صراعي الآن مع أفراد عائلتها، لأنها تشعر بأنها ليست في وضع نفسي جيد.
كامرأة، هناك تمييز ضدها وعلقت على ذلك قائلة: “اثنان من أصدقائي الذكور، انتقلا أيضاً إلى الجزيرة في نفس الوقت تقريباً، ولديهما الآن وظائف في ود مدني، ولاحظت أن الرجال يحصلون على إيجار أرخص، يُسهّل عليهم التنقل ويثق بهم الناس بشكل أسرع. من أجل التأقلم، قمت بتغيير طريقة لباسي. أرتدي سروالاً واسعاً للغاية، ولكنني ما أزال أواجه نظرات استهجان ويعتقد الناس أن الفتيات اللاتي يأتين من الخرطوم “سهلات”، ويريدون فعل أي شيء يرغبون به لهن. أشعر أن أفراد المجتمع يعتقدون أنه من حقهم التحرش بالفتيات اللائي جئن إلى المدينة من الخرطوم بسبب الحرب. دائماً يقولون لي إنني أبدو نازحة بسبب الحرب. هذا يقيد حركتي ويجعلني أشعر بالهشاشة”.
(ت. ب) أيضاً تقوم بمعظم الأعمال المنزلية في الوقت الحالي دون دعم من إخوتها الذين بدأوا أيضاً باستجوابها إذا كانت تريد الخروج مما يحد من حركتها أيضاً.
“هذه ليست حياتي. كانت لدي حياة، حياة اشتريت فيها كل شيء لمنزلي. اخترت كل كوب شاي وجميع عدة المنزل بعناية. لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً لبناء حياتي، وفي النهاية، لم أغادر إلا بحقيبة ظهر”.
في الوقت الحالي، تشعر (ت. ب) بالهشاشة للغاية لأنها ليس لديها دخل وينبغي عليها الاعتماد على والدها.
“في بعض الأحيان عندما لا نكون على علاقة جيدة، لا أستطيع حتى أن أطلب منه المال لشراء فوط صحية. يجب علي أن أستخدم أي قطعة قماش وهذا أمر يمس إحساسي بالكرامة”، قالت (ت. ب).
كامرأة عزباء كانت لديها حياة حميمة في الخرطوم، وتجد صعوبة في العثور على خصوصية لأي حياة جنسية. “ليس لدي حياة حميمة في الوقت الحالي بسبب مشكلات تتعلق بالخصوصية، كما أنني لا أستطيع تلبية احتياجاتي بمفردي (الإمتاع الذاتي) لأنه لا يوجد مكان للقيام بذلك. أشعر بالإحباط الجنسي الشديد. لا توجد خصوصية، فأنت تشارك مساحتك الخاصة مع كثير من الأشخاص وحتى الأطفال”.
للإجابة عن الأسئلة، قالت (ت. ب) إنها كانت تضطر إلى الجلوس تحت شجرة داخل المنزل والتحدث بصوت منخفض. تواجه (ت. ب) حربين؛ حرب الجنرالات في الخرطوم والحرب ضد حياتها الشخصية.
[1] نُشر المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية في ديسمبر 2023 على موقع WILPF، يمكن الوصول إليه عبر هذا الرابط.



