أنا وهنَّ والحرب
العنقاء*
في صبيحة من عام 2013، استيقظت مفزوعة على أصوات الرصاص. صرخت أمي: “كرّ علينا سقطت”. كنت يومها في الثانية عشرة من عمري حين اقتحمت قوات الحركة الشعبية أبوكرشولا، حيث نقيم. نزحنا. كانت الطرقات مكتظة، وسرنا نحو الغابة. الصيف لا يرحم، والماء ساخن وشحيح. أطفال يتضورون جوعًا،ونساء حوامل يشربن ماء ممزوجًا بالطحين والسكر ورشة من الملح، فيما تتصبب وجوه العجائز عرقًا.
وصلنا إلى جبل الداير، في شمال كردفان. رفضت حكومة (الإنقاذ) إقامة مخيم للنازحين، حتى لا يبقوا هناك طويلًا. لجأ بعضنا إلى بيوت المعارف، ولجأت بعض النسوة الحوامل إلى المدارس، فيما عجل السير الطويل مخاضهن. وضعت إحداهن، وأطلق زوجها الرصاص ابتهاجًا بالمولود، فظننا أن الحرب لحقت بنا. لم نكن قد ابتعدنا عنها سوى خمسة وسبعين كيلومترًا.
في الخامس عشر من أبريل 2023، عادت الحرب وانقلبت الأدوار، ذات المنطقة التي نزحت إليها قبل أعوام ها هي اليوم تنزح من “جبل الداير” نحو أبوكرشولا. عم الهلع، وصل الناس، على ظهور الدواب، مذعورين ومنهكين، يحملون أمتعة خفيفة، جوالات ذرة وفول سوداني وبعض الملابس. امتلأت خمس مدارس، واحتمت الأسر بظلال الأشجار الكبيرة، وروّضت البيوت المهجورة.
نساء شاردات، أطفالهن عراة، وملابسهن رثة، ووجوههن بلا ملامح. رأيت بأم عيني طفلتين شقيقتين توفيتا بفعل سوء التغذية، الكبرى في العاشرة، والأخرى في الخامسة. مدد الجسدان الهزيلان على عنقريب مهترئ، فيما تلفح الهبوب وجه أمهما المكلومة. لم يغشني النعاس تلك الليلة، ولم يفارقني مشهد الكفن، ولا السؤال عما يخبئه الغد.
خرجت ذات صباح فوجدت الأم نفسها تتسول بعينين مجهدتين. طأطأت رأسها، وقد دثرها الخجل أكثر من ثوبها المثقوب. شاركتها بعض الطعام. قالت وهي تحمل رضيعها العاري: “لو مت، دايرة قبر”. همست أن جثث القتلى ما تزال متناثرة على وجه الأرض، فيما كانت تحدق في المارة بذهول، وتردد: “ماتوا بناتي، الدنيا بقت لي شينة، وأبوهن في الدهب”.
كنت قد اعتزلت الناس، لكن، قررت ذات يوم كسر وحدتي، فذهبت لزيارة ابنة عمي كونها في فترة (نُفاس) بعد الولادة، وأنا أخاف العتب. كانت جلسة عامرة بالضحك مع الجارات، اللاتي كن يضفرن السعف. قالت إحداهن أننا كنا زميلتان في المدرسة، خانتني الذاكرة، لكني جاريتها. أما الأخرى فحدثتني عن مقتل أخويها ذبحًا على يد مجهولي هوية. رمينا الودع، وثرثرنا طويلًا، وعدت إلى البيت خفيفة، كطائر اغتسل بالمطر ثم فرد جناحيه.
لم تدم تلك الخفة طويلًا. كانت الشمس غاربة حين دخلت ورأيت أمي تبكي بحرقة، هرولت نحوها، فاحتضنتني واشتد نحيبها وهي تصرخ: “رؤيا!”. حينها عرفت أن الموت سبقني نحو المنزل. كان الموت قد زارنا حين توفيت عمتي بسبب الملاريا حين حال الحصار دون وصولها للطبيب، وبعدها بشهرين رحلت جدتي “ضو البيت” وركيزته بالملاريا اللعينة نفسها.
ولأنه كلما ضاق العالم اتسعت حاجتي للكتابة، جلست أكتب. راحت الأسئلة تتقاطر: ماذا لو لم تكن هناك حروب؟ تخيلت عالماً طوباوياً أشبه بعوالم درويش، كل شيء فيه طازج كعنقود عنب، ولذيذ كرشفة خمرة.
كتبت نصًا خيل إلي معه أنني نسوية، لكن على طريقتي الخاصة. لم يكن عمري يومها يتجاوز الثانية والعشرين. وحين قرأته، وددت لو أكلم “رؤيا حسن”، علها تقودني إلى ذلك العالم الذي تختصره عبارتها: “النساء للنساء”.
انقطعت شبكات الاتصالات، ولم تكن شبكات “ستارلينك” قد وصلت إلينا بعد. “جانا الخبر مع اللواري”، كأن الزمن عاد إلى الخمسينيات: فاضت روح رؤيا. كان رحيلها فادحًا علينا وعلى رفيقاتها ورفاقها في النضال. قبل الحرب أخبرتني أنها ترغب في زيارة كردفان، لكن الحمى والحرب حالتا دون ذلك. فرت من القصف العشوائي في رحلة شاقة، قاومت خلالها المرض بابتسامة وديعة مفعمة بالرضا، قبل أن تنال منها هشاشة الرعاية الصحية.
كتبت إحدى رفيقاتها: “رؤيا ضريح النسوية”. يومها لم يكن الوصول إلى المقابر ممكنًا، كان “الجنجويد” في كل اتجاه. وحده ضريح الشيخ ود الهندي ظل ملاذًا أخيرًا، فاستقر جسدها بقربه، في أرض اعتادها المحبون والزوار، فيما سمت روحها إلى رب اللطف والسلام.
في الحرب، يقاتل الرجال في الجبهات، بينما يصبح الجوع شاغلًا يوميًا لربات البيوت، ولا يبقى لبعض النساء سوى أجسادهن، يساومن بها على الغذاء والدواء. سلع الجسد دون رغبة الروح. سمعت نازحتين تتحدثان عن أربعة آلاف جنيه، بعدما رفضتا ممارسة الجنس مقابل خمسمائة جنيه. قالت إحداهما: “خمسمية ما بتقضي غرض”. ابتسم مجند ابتسامة لعوب، ورحلتا معه. قبل الحرب كانتا تعيشان مطمئنتين عند سفح جبل الداير، واليوم صارتا نازحتين، لا تفاوضان إلا على البقاء. تسمعت حديثهما محض صدفة، فقد كانت خيامهما قريبة من شبكة ستارلينك التي كنا نتجمع حولها لنستعيد صلتنا بالعالم، ونتابع أخبار الحرب، ونعرف أي المناطق لا تزال آمنة وأيها سقطت.
في أبوكرشولا، عسكرت الحرب الحياة، واستنفرت النساء. صار لهن تدريبهن الخاص، وأوامر استنفارهن، وإن لم يكن ذلك معسكرًا بالمعنى المتعارف عليه، بل مبادرة طوعية ابتكرنها بأنفسهن. كن يجتمعن تحت شجرة نيم قرب مدرسة البنات، تتقدمهن قائدة تحمل صفارة، وما إن تدق الساعة الحادية عشرة حتى تطلقها، فتنطلق النساء خلفها. أخبرتهن القائدة: “كان بودنا نخرجكن، لكن المسيرات، ما في طريقة. خليكن جاهزات، وساعة الصفر تعالن”. بينهن من اختارت أن تستمر الحرب، شاعرات وحكامات. كان يرافقني صوت حميد وهو يقول: “مش كلنا جينا من آدم؟ مش آدم أبو البشرية؟ التراب واسع!”. لكن التراب الذي اتسع للجميع ضاق في مخيلتهن حتى صار قبيلة، فاخترن الانحياز إليها.
ليلة رؤيتي للمستنفرات حلمت بأحزمة من الرصاص تتدلى من كتفي، منتصبة فوق عربة عسكرية، ممسكة برشاش. لكني وقعت في الأسر، واغتصبت. استيقظت وأنا أحمل ثِقل الحلم في جسدي. كيف يمكن أن أنضم إليهن بعد ذلك؟ كانت أصواتهن تدخل غرفتي مع الهواء. يعبرن السوق، فتزغرد عجوز، وتقول شابة: “أبشرن!”. وحين غاب طيفهن، لم يبق إلا شعور بالتيه، وجملة ظلت تتردد في داخلي: “ليس للحرب وجه أنثوي.”
نزح أهالي كادوقلي والدلنج بعد حصار خانق. لم يكن النزوح جديدًا عليهم، فحين لم تعد البيوت ملاذًا، تختار النساء الرحيل بوصفه محاولة أخيرة للنجاة. عبر نافذة غرفتي سمعت ثلاث نسوة يتفاكرن، فقالت إحداهن لصاحبتها: “صمتي تلفونك لمن نرسي على بر”.
خرجت لرؤيتهن، لكن المكان كان خاليًا. أقنعت نفسي أنني ربما أتوهم، وأن الخوف وحده هو من ينسج هذه الحكايات. مع الفجر عدت أبحث عن أثر، عن “شمار” صغير يقودني إليهن. ففي المدن الصغيرة لا تمكث الوجوه الغريبة طويلًا بدون أن تترك وراءها حديثًا. تقلبت على فراشي، واستسلمت للنوم وأنا أردد: “بكرة بلقى الخبر”.
استيقظت باكرًا صبيحة الثامن من ديسمبر 2025. ارتشفت الشاي على عجل، وانطلقت كالسهم إلى إدارة الرعاية الاجتماعية. لم أكن موظفة، بل ناشطة وإعلامية، لذلك لم يثر وجودي استغراب أحد. هناك وجدت مجموعة من الناجيات، فجلست بينهن وقلت: “الحمد لله على السلامة”. جاءني الرد بصوت واحد، وكأنهن يرددن تحية محفوظة: “الله يسلمك”.
ساد صمت قصير. كانت الوجوه منهكة، لكن إحداهن بدأت الكلام، وكأنها تحمل الحكاية نيابة عن الجميع. قالت: “الجنجويد طلبو مننا نقيف صف ناس كادوقلي وصف ناس الدلنج. فصلوا الرجال، واغتصبوا تسعة بنات. وصلنا أبو كرشولا بعد اسبوع كامل، رحلة صعبة في الغابة والضلام والبرد الخلانا نضطر نولع النار”.
ظلت كلماتها تتردد في أذني: “نولع النار”. ثم شممت رائحة شيء يحترق. انتفضت فزعة… ربما كان طرف ثوبي.
حوصرت أبوكرشولا، وأصبح الحصول على المواد الغذائية صعبًا، فنزحنا إلى إحدى القرى القريبة. أعجبتني طبيعة الجبل، لكن أحوال الفتيات كانت موجعة، يتركن الدراسة، ويينجبن أطفالًا يعانون الحمى ويكبرون من دون تعليم. تضطر قِلة منهن لممارسة الجنس مقابل ثلاثين ألف جنيهًا سودانيًا، وقد يلجأن إلى الإجهاض المنزلي مستخدمات سكين المطبخ وبعض الأعشاب. هذا ما يفعله الجوع وما تدفعنا إليه الحرب!.
عدت بعد فترة إلى أبو كرشولا، ولم أعد أجد غير الكتابة متنفسًا، متسلحة بقناعة أن: “ليس للحرب وجه أنثوي”، وأن “النساء للنساء”. كان النزوح قرارًا شجاعًا، ومحاولة للنجاة في بلد أصبح فيه الموت مجانيًا. فحروبنا لم تكن يومًا معارك “المسيّرات” و”الكلاشنكوف” وحدهم، بل كانت أيضًا معارك ضد الجهل، وسياسات التقشف، والعنف، والاستغلال.
* أسم مستعار
العنقاء
كاتبة صحفية وباحثة سياسية مواليد ابوكرشولا، جنوب كردفان، مهتمة بالتراث والسلام من منظور نسوي.
- لا توجد المزيد من المقالات



