الزراعة الاضطرارية*… كيف استجابت نساء معسكر كرياندونقو لتوقف المساعدات الدولية

الزراعة الاضطرارية*…

كيف استجابت نساء معسكر كرياندونقو لتوقف المساعدات الدولية

إعداد وتصوير: وضاح عمر

 

مقدمة:

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان، فرَّ أكثر من 90 ألف لاجئة ولاجئ إلى يوغندا، بحسب إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويقيم نحو 85% منهم في معسكر كرياندونقو للاجئين، الذي يبعد حوالي 225 كيلومترًا شمال غربي العاصمة كمبالا، على الطريق الرئيس المؤدي إلى مدينة غولو. ويعيش هؤلاء في أوضاع إنسانية بالغة التعقيد، بعد توقف جزء كبير من المساعدات الإنسانية المقدمة من المانحين والأمم المتحدة. وتشكل النساء والأطفال غالبية سكان المعسكر، وقد وصلوا إلى يوغندا عبر الطرق البرية مرورًا بجنوب السودان، في رحلات شاقة استغرقت، في كثير من الأحيان، عدة أسابيع بسبب الأمطار وسوء حالة الطرق.

لكن سعي الإنسان إلى البقاء لا تحده جدران معسكرات اللجوء. وحين وجدت النساء السودانيات أنفسهن يتحملن مسؤولية رعاية أسرهن، بعد ذهاب الأزواج في رحلات طويلة بحثًا عن عمل، أو انخراطهم في النزاع المستمر في السودان، أو فقدانهن أزواجهن بسبب الحرب، اضطررن في معسكر كرياندونقو إلى العودة إلى أقدم وسيلة عرفها الإنسان قبل نحو 11 ألف سنة: الزراعة. ومع غياب مصادر دخل مستقرة، أصبحت الزراعة إحدى أهم وسائل تأمين الغذاء وتوفير مصدر رزق داخل المعسكر، رغم أن كثيرات منهن لم يمارسنها قبل النزوح.

يحاول هذا المقال المصور عكس قصص صمود ثلاثة نساء بدأن في الزراعة بعد توقف حصص الطعام والمساعدات الغذائية المقدمة في المعسكر.


 

ميادة تحمل ابنها محيي الدين، الذي لم يُُكمل عامه الأول، وسط حقول
الذرة الشامية التي تزرعها.


-ميادة محمد محمود، ٣٢ سنة، وصلت إلى يوغندا رفقة أطفالها الثلاثة في فبراير 2025، قادمة من منطقة الحاج يوسف بولاية الخرطوم، بعد إصابتها بشظايا طائرة مسيّرة أدت إلى بتر إبهام يدها اليمنى وإصابتها في الكلى. قطعت رحلة نزوح طويلة عبر سوق النعام، ثم أبيي، فمعسكر أويل، ثم جوبا، قبل أن تستقر في معسكر كرياندونقو.

تزرع حول مأواها الصغير في القطاع اس (Cluster S) الذرة الشامية، والبامية، والبطاطا الحلوة، والفاصوليا الحمراء.


 

ميادة مع ابنتها ريان (13 عامًًا)، وابنيها شمس الدين (4 أعوام) ومحيي الدين (عام واحد)، في بداية موسم الزراعة. ميادة مع ابنتها ريان (13 عامًًا)، وابنيها شمس الدين (4 أعوام) ومحيي الدين (عام واحد)، في بداية موسم الزراعة.


 

الذرة الشامية بعد مرور شهرين من زراعتها.


 

تواجه ميادة وغيرها من النساء اللاتي يستخدمن الحطب للطهي،
بسبب انعدام غاز الطهي في المعسكر وارتفاع أسعار الفحم، مخاطر
صحية عديدة، منها أمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العيون،
والتسمم بأول أكسيد الكربون.
إعداد وعواسة الكسرة بواسطة الحطب لتحضير وجبة الغداء.
5 اقتصادات اللجوء والهجرة

تواجه ميادة وغيرها من النساء اللاتي يستخدمن الحطب للطهي، بسبب انعدام غاز الطهي في المعسكر وارتفاع أسعار الفحم، مخاطر صحية عديدة، منها أمراض الجهاز التنفسي، وأمراض العيون، والتسمم بأول أكسيد الكربون.


 

إعداد وعواسة الكسرة بواسطة الحطب لتحضير وجبة الغداء.
إعداد وعواسة الكسرة بواسطة الحطب لتحضير وجبة الغداء.


 

شذى مع أبنائها وابنة جيرانها بجوار الذرة التي زرعوها، وتظهر في
الصورة شجرة مانجو قاموا بزراعتها بعد وصولهم إلى المعسكر

شذى مع أبنائها وابنة جيرانها بجوار الذرة التي زرعوها، وتظهر في الصورة شجرة مانجو قاموا بزراعتها بعد وصولهم إلى المعسكر


-شذى عبد القادر حمدان، 45 عامًا، وأم لثمانية أطفال، وصلت إلى يوغندا في أبريل 2025، بعد رحلة نزوح استغرقت ثلاثة أشهر عبر جنوب السودان، قادمة من منطقة الحاج يوسف بولاية الخرطوم.

تزرع الطماطم، والباذنجان، والجرجير، والذرة الشامية، والملوخية، والملفوف، والشطة، والبامية، والنعناع في قطعة أرض تبلغ مساحتها 400 متر مربع، إضافة إلى قطعة أرض أخرى خلف مسكنها لم يشغلها أصحابها بعد. وتعلمت الزراعة من إحدى جاراتها في المعسكر، التي زودتها أيضًا بالبذور.

وإلى جانب أزمة الغذاء التي يعاني منها جميع سكان المعسكر، يواجه المربع الذي تقطن فيه نقصًا في مياه الشرب ومياه الاستحمام، ما يضطر السكان إلى شراء العبوة الكبيرة من المياه (جركانة كبيرة) يوميًا مقابل ألف شلن يوغندي.


 

شذى مع ابنتها رؤى ) 17 عامًًا( وابنها رامي ) 15 عامًًا(، يزيلون
الحشائش من الأرض التي يزرعونها. ويتعين عليهم تكرار هذه العملية
أسبوعيًًا، إذ تنمو الحشائش بسرعة في أراضي يوغندا، فتنافس
المحاصيل على الماء والضوء والعناصر الغذائية في التربة، ما يؤدي
إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية إذا تُُركت من دون إزالة.

شذى مع ابنتها رؤى (17 عامًًا) وابنها رامي ( 15 عامًًا)، يزيلون الحشائش من الأرض التي يزرعونها. ويتعين عليهم تكرار هذه العملية أسبوعيًًا، إذ تنمو الحشائش بسرعة في أراضي يوغندا، فتنافس
المحاصيل على الماء والضوء والعناصر الغذائية في التربة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الزراعية إذا تُُركت من دون إزالة.


 

تستغرق عملية إزالة الحشائش وقتًًا وجهدًًا كبيرين من الأسر في
المعسكر، لأن تكلفة المبيدات مرتفعة جدًًا بالنسبة إليهم، في ظل
غياب أي مصدر دخل ثابت.

تستغرق عملية إزالة الحشائش وقتًًا وجهدًًا كبيرين من الأسر في المعسكر، لأن تكلفة المبيدات مرتفعة جدًًا بالنسبة إليهم، في ظل غياب أي مصدر دخل ثابت.


 

أبناء شذى: رامي ) 15 عامًًا( في وسط الصورة، وابنتها رهف ) 5 أعوام(
إلى يمين الصورة، ومعهما ابنة الجيران دلال إلى يسار الصورة،
يلعبون على الأرجوحة التي أُُعيدت إلى مكانها أمام مأواهم بعد
استردادها إثر سرقتها من المكان المخصص لألعاب الأطفال.

أبناء شذى: رامي ( 15 عامًًا) في وسط الصورة، وابنتها رهف ( 5 أعوام) إلى يمين الصورة، ومعهما ابنة الجيران دلال إلى يسار الصورة،يلعبون على الأرجوحة التي أُُعيدت إلى مكانها أمام مأواهم بعد
استردادها إثر سرقتها من المكان المخصص لألعاب الأطفال.


 

تعد الثقوب الصغيرة العديدة في أوراق نبات
البامية علامات نموذجية للتلف الناتج عن
الحشرات، مثل خنافس البراغيث أو حشرات
المن، وتعد من أكبر التحديات التي تواجه
المزارعات في المعسكر بسبب غلاء أسعار
المبيدات.

تعد الثقوب الصغيرة العديدة في أوراق نبات البامية علامات نموذجية للتلف الناتج عن الحشرات، مثل خنافس البراغيث أو حشرات المن، وتعد من أكبر التحديات التي تواجه المزارعات في المعسكر بسبب غلاء أسعار المبيدات.


 

وجبة إفطار شذى وأبنائها، حيث يُُخلط
دقيق الذرة الشامية مع دقيق القمح لإعداد
العصيدة، التي تُُقدم مع ملاح البامية.

وجبة إفطار شذى وأبنائها، حيث يُُخلط دقيق الذرة الشامية مع دقيق القمح لإعداد العصيدة، التي تُُقدم مع ملاح البامية.


 

أستاذة رفيعة أمام الذرة الشامية وشجرة الموز التي زرعتها بجوار
مسكنها.

أستاذة رفيعة أمام الذرة الشامية وشجرة الموز التي زرعتها بجوار مسكنها.


– رفيعة أحمد آدم، 54 عامًا، وأم لولدين، كانت تعمل معلمة في مدينة كوستي قبل وصولها إلى يوغندا في يناير 2024، بعد أن امتدت الحرب إلى ولاية النيل الأبيض وتوقفت العملية التعليمية في السودان لفترة طويلة.

تزرع الذرة الشامية، والبامية، والملوخية، والطماطم، والملفوف، والثوم، والباذنجان، والكركديه، والشطة، بعد أن تعلمت المهارات الزراعية اللازمة من خلال عدد من الورش التي نظمتها منظمات داخل المعسكر، والتي زودتها أيضًا بالبذور. وحاولت مع عدد من النساء في المعسكر زراعة مساحات أوسع، لكن بسبب نزاع على الأرض سُحبت منهن، ولم تُجدد لهن التصاريح اللازمة لمواصلة الزراعة.


 

أستاذة رفيعة تزيل الحشائش من الأرض التي تزرعها داخل حوش
مسكنها.

أستاذة رفيعة تزيل الحشائش من الأرض التي تزرعها داخل حوش مسكنها.


 

بسبب إصابة سابقة في الركبة، لا تستطيع أستاذة رفيعة الوقوف
أثناء عملها في الزراعة لذلك تستخدم كرسي خشبي قصير للجلوس
والعمل.

بسبب إصابة سابقة في الركبة، لا تستطيع أستاذة رفيعة الوقوف أثناء عملها في الزراعة لذلك تستخدم كرسي خشبي قصير للجلوس والعمل.


 

أستاذة رفيعة تُُعد وجبة الغداء.

أستاذة رفيعة تُُعد وجبة الغداء.


 

يُُعد الجراد من الآفات الشائعة في المنطقة، إذ يتغذى على سيقان
الذرة الشامية وأوراقها، إضافة إلى محاصيل أخرى، مما يؤدي إلى
إتلافها.

يُُعد الجراد من الآفات الشائعة في المنطقة، إذ يتغذى على سيقان الذرة الشامية وأوراقها، إضافة إلى محاصيل أخرى، مما يؤدي إلى إتلافها.

وضاح عمر
المقالات +

مصور صحفي و وثائقي سوداني مقيم في كمبالا، أوغندا. يؤمن وضاح بأن الصور قادرة على إيصال القصص المعقدة بفعالية أكبر من الكلمات، سواءً أكانت تتعلق بالاضطرابات الاجتماعية، أو التصوف، أو اللاجئين، أو القضايا البيئية. وقد ألهمته القدرة على توثيق اللحظات التي تُضفي سياقًا على هذه القضايا العالمية والمحلية لاستكشاف التصوير الفوتوغرافي كوسيلة للمساهمة في التغيير الإيجابي. سواء كان الأمر يتعلق بتوثيق الصمود في المواقف الصعبة أو تصوير المشاهد من النشاطات الاجتماعية، فقد توصل إلى رؤية الصحافة المصورة ورواية القصص المرئية كأداة أساسية لزيادة الوعي وإلهام العمل