حوارية فريدة النسوية (1)
صمود الناس
ترتكز جلسة النقاش، التي عُقدت في 28 ديسمبر 2024، على المقاربة التي نحاول استكشافها في سياق السودان، والتي تتعلق بارتباط المنشطية وممارسات الرعاية بالعدالة وإعادة التفكير في العدالة الاجتماعية. ترجع أهمية هذه المقاربة وإعادة التفكير في مسألة الرعاية بسبب الوضع الحالي الذي فرضته الحرب، ولأنه، تاريخيا، غابت الدولة عن هذا الدور، لصالح علاقة قائمة على استخلاص الموارد وعنف مستمر، وتقتيل وتهجير للسودانيين/ات وهدر للحق في الحياة وحروب متواصلة. وبالمقابل لذلك، نشأت وازدهرت شبكات التضامن والرعاية، التي شهدناها في أزمان وسياقات أخرى، لكنها عادت بشكل أكثر انتظاماً وتنسيقا، بحيث ساهمت في نجاة الناس وصمودهم/ن خلال الحرب. ما حاولنا استكشافه في هذه الجلسة هو النماذج المختلفة للتنظيم والانتظام المجتمعي داخل واقع الحرب بانهيار قطاع الصحة وقطاع الخدمات، وحالة النزوح القسري التي اجبرت الالاف على الالتجاء لدور الإيواء ومعسكرات النازحين/ات التي تفتقر لأساسيات الحياة.
ثلاثة أسئلة
يتابع فريق فريدة: تركزت جلسة النقاش هذه على ثلاثة أسئلة رئيسية، يتعلق أولها بكيفية تَشَكُل هذه الشبكات القاعدية، وبالتأكيد التأشير على التاريخ الطويل لأشكال الفعل/التضامن التي أتت للتعاطي مع الأزمات البيئية والصحية المختلفة في السودان، وعلى القيم الاجتماعية التي تحملها هذه الشبكات. وتعلق ثاني الأسئلة بكيفية قدرة هذه الشبكات على النجاة في ظل انهيار نظم الرعاية، وبالتالي نتطلع لإجابات على سؤال ثالث حول قدرتنا على استشراف نظم رعائية للمستقبل، أكثر انتظاماً واكثر عدالة فيما يتعلق بحقوق النساء واللاجئين/ات وذوي/ات الإعاقة وغيرها من المجموعات التي هُمشت حقوقها واحتياجاتها لوقت طويل. نحاول أيضا عبر جلسة النقاش هذه مركزة الخبرات الذاتية كشكل من أشكال انتاج المعارف حول الواقع الاجتماعي.
نشير هنا للمداخلين/ات بأسمائهم/ن الأولى، وبالحروف الأولى من لم يرغبو/ن في الإشارة لأسمائهم/ن.
م. ا: سأشارك قصتي الشخصية حول القدرة على التنظيم في سياق الحرب، أعتبر أن اشكال التنظيم والتنسيق موجودة مسبقا لأننا جزء من لجان المقاومة في الحي وجزء من مجموعات نسوية منتظمة على مستوى الاحياء منذ فترة ما قبل الحرب، عندما اندلعت الحرب شكلنا غرفة طوارئ في المنطقة نفسها، أمدرمان كرري منطقة الإسكان تحديداً، بعد ثلاثة أيام من بدء الحرب شكلنا لجنة طوارئ للتركيز على الأوضاع الصحية، لعدم توفر مراكز صحية أو مستشفيات قريبة في المنطقة، ما لاحظته هو كثافة مشاركة النساء والبنات في كل اشكال العمل المجتمعي، سواء كانت المطابخ المجتمعية أو المراكز الصحية أو دور الايواء التي فتحت في المنطقة، ومع تنقل الناس تتحول الوجوه لكن تبقى مشاركة النساء هي الأكبر مُشكِّلات العدد الأكثر من المتطوعين في العمل المجتمعي والخدمي في الحي.
بالمقابل واجهتنا قوات الدعم السريع التي سيطرت على المنطقة بالقمع والملاحقة والمطاردة. اضطررت لأن أخرج من المنطقة التي كنا نعيش فيها أنا واسرتي بعد أن تم اعتقالي، وأصبحت انا والأسرة مواجهين بمخاطر عديدة. واصبحت اسرتي قلقة من حركتي داخل المنطقة للمساعدة في تقديم الخدمات المجتمعية. ما ساعدني على النجاة من تجربة الملاحقة والاعتقال كان هو أفراد الحي والمنطقة الذين عرفوني خلال الفترة التي تطوعت فيها في المنطقة. وقد تطورت العلاقة بين أفراد الحي خلال العمل المجتمعي، مثل “لمات” نظافة البليلة والعدس والفول التي كان يتم تقديمها كوجبة بشكل يومي للناس في المنطقة، وهو نشاط كانت تجتمع فيه نساء المنطقة بشكل يومي، لتتحول هذه اللقاءات ل”قعدات” قهوة لاحقا، وأصبحت مساحات للنساء للونس ومشاركة هموم الحياة اليومية. مساحات التشارك والحكي هذه مهمة جدا في حالة الحرب والعنف المستمر.
واصلت م. ا في الجهد التطوعي مع المجموعات التي تعمل في المنطقة التي انتقلت اليها، وتقول؛ كنت اليوم في جلسة اجتماعية ننظمها مع النساء في دور الايواء، لا يمكنكن تخيل القصص والحكاوي التي شاركتها معنا النساء اليوم، صمودهن جعلني أحس أن معاناتي لا تعني شيئاً مقابل ما عانته هؤلاء النساء. أحداهن حكت لنا عن اطفالها الذين فقدتهم في الحرب، وأخرى حكت لنا عن أنها سارت لتسعة أيام وهي تحمل طفلها ذو الإعاقة فراراً من الحرب. التقيت أيضا اسرة عادت من مصر عبر التهريب بعد أن فقدت كل ما فقدت من مال ومدخرات، وعادوا ليبدأوا من جديد، ويعيشون الان في دار الايواء.
في المنطقة التي لجأت اليها بعد المضايقات التي تعرضت لها، تجتمع النساء حول النيل لغسيل الملابس وللونسة بشكل يومي، بما فيهن النساء العديدات اللاتي يَعُلن أسراً عبر العمل في بيع الشاي أو العمل في سوق المنطقة أو العمل في المساعدة المنزلية، تم احتضان النساء اللاتي نزحن للمنطقة داخل هذه التجمعات، وفيها يتم التفكير بشكل مستمر في التعقيدات التي تحيط بحياتهن. أحد المعضلات التي واجهت المنطقة، كانت قضية فتاة نزحت للمنطقة وواجهت تجربة اغتصاب أدت لحملها، كانت النساء يناقشن قضيتها والحيرة تُخيم على تفكيرهن، فلا تجارب لأهل المنطقة مع العنف الجنسي والحمل الناتج عنه، ولا توجد منظمات نسوية أو مجموعات يمكن اللجوء اليها لتساعد بشأن وضع هذه الفتاة، وما بين مقترحات تقول أن من الأفضل لها البحث عن مكان آخر لتضع فيه مولودها وتواصل فيه حياتها، وبين القول بأهمية مساعدتها في البحث عن مجموعات أو منظمات معنيات بقضايا النساء قد تساعدها في التعاطي مع هذا الوضع، يبقى وضع النساء اللاتي يدفعن ثمن تبعات العنف الجنسي مفتوحاً على كل الاحتمالات.
كل هذه التجارب راكمت لدي إحساس بحجم المعاناة التي عاشتها ومازالت تعيشها النساء والاسر السودانية في سياق الحرب الحالية، وقدرتهم على الصمود والنضال من جديد من أجل النجا ة ومن أجل الحياة الكريمة.
التشاركية حماية لشبكات المجتمع القاعدية ونجاة للمجتمعات
هيام: اتفق مع الرأي الذي يقول إن شبكات التضامن المجتمعي هذه ليست وليدة اللحظة، بل لها تاريخ طويل وتراكم لعمل لسنوات وتطوير أيضا لعلاقات وشبكات اجتماعية في المناطق المختلفة. سأحكي في هذه الجلسة عن تجربة غرفة طوارئ حلة إسماعيل في ولاية سنار، والتي تقدم خدمات في إطار غرفة طوارئ وتكية حلة إسماعيل والقرى المجاورة، أي أنها تعمل على مساحة جغرافيا كبيرة. وقد استفادت تجربة الغرفة في حلة إسماعيل من مسألتين هما تجربة العلاقة لسنوات طويلة بين سكان المنطقة ورابطة حلة إسماعيل للجامعات والمعاهد العليا، التي عملت لسنوات في المنطقة، لتتحول الرابطة إلى غرفة طوارئ، منذ أن حوصرت سنار بواسطة قوات الدعم السريع، وقد استفدنا كثيراً من وجود جسم منظم ومهيكل ولديه تجربة، ولأن الأجهزة الاستخباراتية واجهتنا بقبضة امنية شديدة على كل الفعل المجتمعي وفي مواجهة كل الناشطين/ات والفاعلين المجتمعيين الذين يتم التحري معهم بشكل مستمر، بينما شَكَّل الفعل عبر رابطة الحلة حماية كبيرة للأعضاء والعضوات، فالرابطة محمية بأهل الحلة أنفسهم، وهذا ما حدث عندما حاولت الخلية الأمنية في سنار وقف عمل غرفة الطوارئ، كان الرد عبر خطبة الجمعة في المساجد؛ بأن كل من يحاول وقف عمل غرفة الطوارئ فهو بالضرورة يحاول وقف الحياة في المنطقة، بالذات مع وضع الحصار الذي فرض حالة من الندرة بخصوص السلع الغذائية، مع عدم وجود مصادر دخل متاحة للناس، وبالتالي أصبحت غرفة الطوارئ في الحلة المصدر الوحيد لنجاة الناس.
تتابع هيام: قد اتسمت هذه التجربة بالشفافية والتشاركية أيضا، حول مصادر الموارد المالية سواء كانت من التبرعات أو من الدعم من منظمات أخرى، حيث تعقد الغرفة اجتماعاً يومياً بعد توزيع وجبة الطعام لمناقشة الاقتراحات والشكاوى القادمة من الناس، وفي بداية كل شهر يُعقد اجتماع لمناقشة الميزانية وتتم مشاركة الوثائق والايصالات المالية، ويُسأل الناس عن وجهات نظرهم ومقترحاتهم بشأن الوجبة الجماعية. وكل هذا عزز إحساس الجميع بشأن التشاركية والمشاركة المجتمعية وشكل حماية مجتمعية، بما يضمن تطوير العملية الإنسانية والسياسية في المنطقة.
تتابع هيام: للتفكير في مسألة تقديم الخدمات والرعاية للنساء فيما يتعلق بالعنف الجنسي أو في حالات العناية بالصحة الإنجابية للنساء الحوامل، هنالك مكاتب نسوية ملحقة بغرف الطوارئ وفي بعض المناطق تأسست غرف نسوية بشكل مستقل أيضا، وقد ساهمت شبكات العمل القديمة في الوصول للخدمات وللمؤسسات التي لديها موارد. تواجه الفاعلين/ات في غرف الطوارئ مشكلة مستمرة متعلقة بأن النساء الضحايا يصلن متأخرات على الفترة الزمنية المحددة للوقاية من الحمل غير المرغوب فيه ومن الامراض المنقولة جنسيا، وذلك إما لعدم معرفتهن الأكيدة حول كيف يصلن للخدمات الوقائية أو لترددهن مع الصدمة النفسية والارتباك الذي يلم بالأسرة مع تجربة العنف الجنسي، مما يُعقِد من مهمة غرفة الطوارئ في التعامل مع هذا الوضع. بالإضافة لأن حجم الموارد المتاحة محدود جداً عندما يتعلق الأمر بالعنف الجنسي والتعاطي معه مقارنة برقعة العنف وحجم الحالات. نحتاج للعمل على الجانب الإعلامي والتثقيفي حول العنف الجنسي وكيفية التعاطي معه لإنقاذ الفتيات والنساء أيضا من خيارات الإجهاض غير الآمنة، وكذلك بناء شبكات أوسع للتعاطي مع هذه المعضلات.
عبد الهادي: لدي تساؤل حول التكايا، التكايا كشكل من أشكال الرعاية الاجتماعية، لأن التركيز دائما في سياق الرعاية والتضامن المجتمعي يركز على غرف الطوارئ، بالرغم من ان هنالك أشكال أكثر بروزا في السياقات الريفية بالذات، تتعلق بنسق التنظيم المجتمعي في الريف كالتكايا، إذ يُمثِل التضامن والتعاضد قيماً سودانية راسخة بشأن الكرم، عليه التساؤل حول تاريخ نشأتها مهم. وبشكل شخصي تفاجأت بها خلال هذه الحرب ورأيت الأثر الكبير لها في المساهمة في نجاة النساء وتوفير الوجبات اليومية وغيرها من الاحتياجات العاجلة.
فاطمة: أرى في القدرة على الانتظام المجتمعي القاعدي ميزة وقيمة كبيرة تخص خبرتنا في العمل الجماعي، وأراه امتيازاً أن يستطيع الناس تنظيم هذه التشكلات المجتمعية في احياءهم. أنا مهتمة بالعمل على قضايا العنف الجنسي وقضايا الحمل القسري في سياق الحرب وأحاول تتبع الجهود التي تقوم بها غرف الطوارئ فيما يتعلق بالعنف الجنسي والحمل القسري، الناتج عن هذا الشكل من العنف ومدى قدرتنا على التعاطي معه وتقديم المساعدة لمن يواجهن هذا الانتهاك. في ظل غياب مؤسسات العدالة وحتى في وقت كانت فيه هذه المؤسسات متاحة، عجزت عن تقديم العدالة للنساء لأنها تضع عبء تقديم الاثبات على النساء الشاكيات، لتضيف الحرب عبء عدم القدرة على الوصول لمعينات الإجهاض والتقييد القانوني الذي يرتبط بهذا الحق، واتصال العنف الجنسي بالوصمة المجتمعية.
التكايا إرث ممتد
تتابع فاطمة: سأرجع إلى سؤال الهادي اولاً في البداية لم يكن النقاش حصراً على غرف الطوارئ، بالرغم من أن الحاضرات حكين عن تجربتهن مع غرف الطوارئ لكن بداية النقاش أو هذه الحوارية عن شبكات الرعاية والتضامن الاجتماعي والعون المتبادل والصمود، الذي يضم اشكال منظمة مثل غرف الطوارئ وغرف الطوارئ النسوية وأشكال أخرى يمكن أن تكون اقل تنظيماً، أي ليس لها البناء التنظيمي الكامل، مثل التكايا التي ذكرتْ، لكنها رغم هذا الضعف التنظيمي شكل من اشكال الرعاية، وتاريخياً كان لها ارتباط بقيادات دينية او أهلية، وفيها شكل من اشكال التضامن الإنساني، وهي بالتالي جزء من شبكات التضامن الاجتماعي، وقد ساهم ضعف الدولة أو عدم وجودها في فترات الكوارث، لقيام هذه الأشكال التضامنية للتصدي مدفوعة بالحس الإنساني لتقديم المساعدة وتخفيف آثار الكوارث.
هناء: مداخلتي تتعلق بالمجموعات التي تنشط خارج السودان، في دول اللجوء وفي المعسكرات الخاصة باللاجئين/ات، واشكال الصمود التي رأينا النساء اللاجئات يقدمنها من أجل النجاة وإعادة بناء الحياة لهن ولأسرهن مجددا. خلال هذه الحرب، فقدت النساء كل اشكال رأس المال المادي وحتى وإن لم يكن مملوكا لهن بشكل مباشر، إذ نحاول كنساء لاجئات الان استبدال هذا الفقد وهذا العزل عن فرص التمكين الاقتصادي على شبكات علاقاتنا ونحاول تعزيز هوياتنا الثقافية والدعم النفسي والمالي وتبادل المعلومات عبر شبكات العلاقات التي نحن فيها. النساء القادمات ليوغندا مثلا، منذ بداية الحرب في دارفور، يمتلكن الان أعمالهن الخاصة كالمطاعم وصالونات التجميل وقد قمن بتوظيف اللاجئات الجدد، ويقدمن لهن مساعدات مستمرة متعلقة بمعلومات عن بلد اللجوء وعن الوصول للخدمات، وعن أفضل خيارات السكن او التعليم لأبنائهن/بناتهن، وكيف يمكن أن يكتسبن اللغة الإنجليزية، وكل ما يحتجنه في الفترة الأولى لقدومهن ليوغندا.
سعاد: بعد أن انخرطنا لوقت طويل في في جهود قاعدية تخص لجان المقاومة والمبادرات النسوية القاعدية، قامت الحرب لتقضي على كل ذلك، في المنطقة التي اضطررت للنزوح إليها تعايش النساء اوضاعا صعبة للغاية، وجدت النساء أنفسهن مهمشات وبعيدات عن أي فرص للتعليم أو التثقيف القانوني أو السياسي، ويعانين من مشاكل كثيرة كالاجهاض المتكرر وغيرها من المشاكل الصحية، كل هذا ينبهنا لأهمية الانخراط في العمل مع المجتمعات في مناطق النزوح بحيث نكون قادرات على مخاطبة هذه الاوجاع.
التنظيمات لخدمة المجتمعات وليست لبناء علاقات قوة!
عبير: يدفعني النقاش حول العمل الجماعي في الأرض وحول شبكات التضامن للتفكير في علاقات القوى، وإلى أي مدى يفكر الأفراد الذين يقدمون هذه الخدمات بشكل ديمقراطي ومتوازن؟ وهل يعملون بدون رغبة في توظيف الإحساس بالإمتنان الذي يشعر به الناس تجاه العاملين في هذه الشبكات، ويتحول إلى امكانية/احتمالية امتلاك إولئك العاملون لسلطة في مستوى الحي/الجغرافيا التي يعملون فيها؟. ولأن كثير من الاسر قررت إجلاء النساء والبنات لمناطق الأمنة، بينما قرر الرجال البقاء، ما الذي يعنيه هذا في علاقات القوى القائمة على الأرض الان؟. أنا لا أعمل في أي من غرف الطوارئ أو الغرف النسوية، لكن أتساءل أيضا عن علاقات القوى داخل هذه الاجسام وعلاقتها بالناس في المجتمع أيضا. وإلى مدى تؤثر عدم قدرة مجموعات بعينها على التحرك والمساهمة في العمل الاجتماعي أو في الوصول للموارد ينتج عنه تجاهل لحوجاتهم/ن؟
عبد الهادي: أتساءل أيضا عن الجهود التي تبذلها المجموعات النسوية للتركيز على فئات اجتماعية مهمشة اجتماعياً واقتصادياً، مثلا في نيالا، قامت مبادرة مليون فوطة، وبالتنسيق مع مجلس الإعاقة الحركية وقاموا بتوزيع فوط مستدامة تحت شعار “فوطة كرامة”. عندما نزحت لمدن أخرى كبورتسودان مثلا، رأيت كيف هي أوضاع النساء ذوات الإعاقة تحديداً، وهن يعايشن ظروفاً قاسية جدا، لكن لم أرى أي جهد منظم أفقياً أو رأسياً يتجه نحو النساء والنساء ذوات الإعاقة تحديداً في المناطق التي لا تشهد نزاعات حتى الان؟
روح: شكرا أيضاً هذا واحد من المواضيع والقضايا المهمة جدا للنساء ذوات الاعاقة وكيف هو وضعهم في الحركه النسوية؟ وكيف هو وضهم في زمن الحرب؟ وهل تم تقديم الخدمات لهن؟ وهل هناك تشبيك؟ انت ذكرت نموذج واحد نحتاج أن تذكر نماذج أخرى داخل وخارج السودان، وبالطبع ضعف التوثيق والاعلام يجعلنا لانعرف الكثير عن هذه النماذج لكنها موجودة … دعونا نوجه ذات السؤال للحضور في الحوارية؛ أين هي الفجوة؟ واين وكيف يمكن أن تكون هناك فرص اكبر للنساء ذوات الاعاقة في قلب الحركة النسوية ؟.
مرح: أعتقد أن المقاومة التي تنخرط فيها النساء الان ضد الحرب موجودة منذ ما قبل الحرب بزمن طويل، كان للنساء دور في استمرار واستدامة هياكل المجموعات المدنية والنسوية وحتى بعد اندلاع الحرب الان، يحدث كل هذا بشكل غير مرئي ولا يتم ابراز هذه النماذج عند الحديث عن النساء اللاجئات أو النازحات، بينما يتم تقديمهن كأرقام فقط، أرقام النساء اللاجئات، أرقام النساء النازحات، أرقام النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب، أو أي شكل أخر من أشكال الانتهاكات، لكن لا يتم تضمين دورهن، في التقارير الإخبارية، في استدامة المجتمعات ذاتها. وماهي مواقعهن؟ وكيف يمكن التفكير في تعزيز الجهود التي يبذلنها؟ وما هو وضعهن الاقتصادي، وما هي قدرتهن الحركية ومستواهن التعليمي وغيرها من تلك الشروط.
تتابع مرح: كنت أعمل في الفترة السابقة، ضمن جهد جماعي، على بحث حول أوضاع النساء العاملات في القطاع الاقتصادي غير المنظم في معسكر كرياندنقو في يوغندا، وما رأيناه هو أن الحماية الاجتماعية ليست متوفرة، لكن شبكات الرعاية الاجتماعية التي شكلتها النساء عبر جلسات القهوة ساعدتهن كثيرا، لكن الحماية والتمكين الاقتصادي غير متاح، وحتى ان النساء اصبحن غير قادرات على تنظيم صندوق مالي لأنه لا مصادر دخل ثابتة لديهن، وتتركز كل جهودهن ومواردهن على توفير وجبات الطعام لأبنائهن وبناتهن. أي انعدمت فرص اشكال التضامن التي كانت تعينهن اقتصاديا وتشكل لهن حماية اقتصادية عبر مدخرات الصندوق. وضعفت حتى فرص الانخراط في القطاع غير المنظم وضاقت الفرص. كل هذا يفرض علينا وضعاً نحن بحاجة للتفكير في كيفية التعامل معه.
عبير: في سياق اللجوء من المهم أيضا التفكير في أشكال التنظيم وفي مدى ديمقراطيتها، بحكم تجربتي في معسكر بيالي (شمال يوغندا)، والذي يشهد تزايداً مستمراً في أعداد السودانيين/ات اللاجئين فيه، تم توزيع اللاجئين القدامى في الوحدات السكنية الابعد بينما تم اتاحة الوحدات الأقرب للمدينة ولمكاتب الإجراءات للاجئين/ات القادمين حديثا. كما تم تشكيل لجنة عن طريق الانتخاب فيها تمثيل للرجال والنساء، واحدة من الجهود التي بذلتها هذه اللجنة كانت بشأن توفير المياه للناس في المعسكر، لأن الوصول للمياه النظيفة هي معاناة حقيقية وكان الناس يضطرون للمشي مسافات بعيدة جدا لنقل الماء لمنازلهن/م. لكن مع توفير عربة كبيرة لنقل المياه وأصبح الوصول اليها أسهل وأسرع، وساعدت اللجنة في تنظيم عملية الحصول على المياه، ولأن المعسكر تقيم به جنسيات أخرى كالجنوب سودانيين والكونغوليين وغيرها من الجنسيات، كان لدى اللجنة حرص كبير على التنظيم لتفادى أي توترات قد تنشأ بين المجموعات المختلفة. وتم أيضا رصد احتياجات الاسر المختلفة، كالأسر التي لديها أطفال ذوي/ات إعاقة وبالتالي يكون من السهل توفير هذه الاحتياجات متى ما توفرت أي موارد قد تتيحها المنظمات التي تعمل في المعسكر. يركز السودانيون/ات على الزراعة للاكتفاء الذاتي، بدأ بعضهم/ن اعمال صغيرة في السوق القريب من المعسكر، لكن لأن القدرة الشرائية للجميع محدودة، قلص هذا الظرف من قدرة النساء على تمكين أنفسهن اقتصاديا بشكل كبير.
وتتابع عبير: قبل مدة قليلة بدأت تظهر ظاهرة السرقات الليلية في المعسكر، شكل الشباب في المعسكر دوريات ليلية للحماية، لكن تبقى مشكلة التعاطي مع العنف الاسري أو مع العنف ضد النساء في المعسكر، استجابة الشرطة ووحدة حماية النساء في المعسكر ضعيفة وبطيئة بالإضافة لعائق اللغة الذي يمنع الكثير من النساء من التوجه لهذه المؤسسات طلبا للحماية. ويزداد الوضع صعوبة بالنسبة للنساء عندما يتم تسجيل كل اسرة عبر رب المنزل فيها، والذي يتم اعتباره الرجل في الاسرة سواء كان الزوج أو الأخ، او أي صفة أخرى، وبهذا الشكل يتم صرف كل المستحقات الشهرية عبر هؤلاء الرجال ولا تصل للنساء على الاطلاق، إذ تقتطع مساعدات كثيرة يجب أن تصل للاجئين لكنها لا تصل لهم على الاطلاق.
مزيد من التنظيم لإصلاح التنظيم
فريق فريدة: دفعتنا هذه المداخلات للتفكير في عدد من المسائل، أولها بشأن الاقتصاد وحالة الهشاشة الاقتصادية التي يواجهها الناس الذين دُفعوا بسبب العنف للجوء او النزوح، حيث تكشف لنا أوضاعهم الان عن هشاشة الدولة نفسها وعن رفع يدها أو التملص عن ومن دورها الرعائي. عندما نزحت النساء لسياقات جغرافية داخل السودان وجدن البنية التحتية للصحة وللخدمات منهارة وغير قادرة على استيعاب أي احتياجات إضافية، إذ قللت الدولة بشكل مستمر إنفاقها على المؤسسات الاجتماعية، وخصخصت جزءاً كبيراً منها، وانفقت على المؤسسات الأمنية أكثر بكثير مما أنفقت على المؤسسات العامة والاجتماعية ومؤسسات الرعاية، ليواجه الناس الان تبعات هذه السياسيات، وهذا ما تعمل الشبكات القاعدية على مساعدة الناس بشأنه. تنبهنا الأزمات الحالية لشكل الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب، دولة هي نقيض النموذج الحالي، وتنبهنا إلى أي مقاربات يجب أن نتخذ حين التفكير في السياسة وفي الاقتصاد للتعامل مع الواقع الحالي ويمكن أن نتعلمها من الواقع الحالي.
ويتابع فريق فريدة: نبهتنا المداخلات، ثانياً، لأهمية فهم الشبكات والتشكلات الاجتماعية التقليدية للرعاية والتضامن في مجتمعاتنا المختلفة والقيم التي ترتكز عليها، والتي ستساهم بالتأكيد في إثراء فهمنا للثقافة وتطوير تجاربنا في السياقات الحضرية أو الشبه حضرية أيضا. كما نبهتنا لغياب التوثيق فيما يتعلق بالتكايا والاشكال الشعبية الأخرى للتضامن المجتمعي ومساهمتها في تحقيق حالة من المشاركة المجتمعية ونشر قيم مدنية كالتسامح. وثالثاً ساعدتنا هذه المداخلات في فهم كيف يعيد المجتمع تعريف الامن والحماية والسلامة؟ يحدث ذلك بتأسيس قيم المجتمع الرعائي، وكيف يتعاطى المجتمع مع احساسه بالخطر؟ عبر تنظيم نفسه لتوفير الامن والحماية، وهنا يتم فهم الامن بإعتباره السلامة من أي مخاطر محتملة، لا حالة من العنف كالتي تنتجها مؤسسات كالشرطة مثلا.
فريق فريدة: وفي نفس الوقت ونحن نفكر في قيم المجتمع الرعائي التي تتشكل داخل وخارج السودان، نحاول فهم تناقضات علاقات القوة المتعلقة بالوصول للخدمات والموارد، وأوضاع اللاجئات/ين وكل المجموعات في أدني الهرم الخاص بسلسلة/حلقات علاقات القوة نفسها، وكذلك الحماية الاجتماعية في سياقات اللجوء، وكيفية تمكين النساء في سياقات تتسم بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. لقد طرحت هذه التجارب/المداخلات أسئلة مهمة عن المستقبل وعن اللحظة الراهنة، وعن القدرة على العمل على البُنى الاجتماعية التي لطالما كرست للتمييز ولعدم العدالة أو العنصرية. وكذلك طرح العنف الجنسي المستخدم كسلاح على نطاق واسع سؤال الحمل القسري وسؤال الوصمة المجتمعية ولوم النساء اللاتي يتعرضن لهذه الانتهاكات، ومركزة سؤال حول كيفية بناء حالة تضامنية؟ شبكات الصمود والتضامن غير المنظمة التي تصنعها النساء لدعم بعضهن البعض، كما في في نموذج اللاجئات في يوغندا. وبالإضافة لكيف نُبرز هذه المبادرات التي تتوجه نحو المجموعات الأكثر هشاشة، هناك سؤال العون الإنساني والتفكير في وصولية النساء للمساعدات في المعسكرات، والتعاطي مع الفساد المؤسسي.. وكل هذه أسئلة في انتظار مزيد من أشكال التنظيم للإجابة عليها.



