ما وراء الاحتفاء ببطولات النساء

ما وراء الاحتفاء ببطولات النساء

آمنة محمد

تتجاوز آثار الحروب والنزاعات الخسائر البشرية والمادية، وتمتد لتُحدث تحولات بارزة في الهياكل والبُنى الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية القائمة. تناقش الباحثات/ون في القضايا ذات الصلة بأوضاع النساء في سياقات الحرب والنزوح، أن الحرب لها القدرة على إعادة تعريف وتشكيل كل من النُظم الأبوية وعلاقات القوى والأدوار الجندرية. ويتفق تيار واسع منهم، أن زيادة مشاركة النساء في الأنشطة الاقتصادية هو إحدى دلالات التحول في علاقات القوى الجندرية التي تُحدثها تجارب الحرب والنزوح. بسبب إنهيار الاقتصاد الرسمي، فقدان مصادر الدخل وفقدان رؤوس الأموال وغيرها، تدخل النساء بصورة أكبر في سوق العمل، ويقمن بمزاولة أعمال كانت تعتبر حِكراً على الرجال سابقاً، لمحاولة سد إحتياجاتهن واحتياجات أسرهن. يُنظر الى هذه “الأدوار الاقتصادية الجديدة” من قبل الكثيرين، على أنها مؤشر يعكس تمكيناً اقتصادياً أو وكالة اقتصادية للنساء، وتنعكس هذه الفرضية في شيوع خطابات تمجد وتحتفي بهذه الأدوار الجديدة. وحالة السودان لا تمثل إستثناءاً، فقد انتشرت في الفترة الماضية هذه الخطابات بشكل كبير في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وإنطلاقاً من ملاحظة شيوعها، جاءت فكرة كتابة هذا المقال، ليكون بمثابة مساحة للتفكير في الوكالة الاقتصادية للنساء في سياقات الحرب، بالنظر إلى السياق السوداني على وجه الخصوص.

لماذا يجب أن نعيد التفكير؟

لا يخفى على أحد الآثار العميقة التي أحدثتها الحرب الحالية على حياة السودانيات والسودانيين؛ إذ يواجهون بشكل يومي الموت، الإعتقال التعسفي، التعذيب بمختلف أشكاله، النزوح وتبعاته، تفشي الأمراض، الحصار والمجاعة الى جانب مآس أخرى. غير أن النساء يعانين بشكل أكبر بسبب محدودية وصولهن للموارد والخدمات، بالإضافة إلى المعاناة في الجوانب الأخرى ذات الصلة بالعنف المبني على النوع الاجتماعي، الصحة الإنجابية والأمن الغذائي، كما أشارت لذلك التقارير الإنسانية.

وسط هذه الظروف القاسية التي تعيشها النساء اليوم، نجد وسائط التواصل الاجتماعي تضج بتصدير خطابات تحتفي بقدرة النساء وصمودهن وإطلاقهن للمشاريع الخاصة المختلفة. والقصد هنا ليس التقليل من مجهودات هذه “النماذج الناجحة” كما يتم وصفها وتقديمها للناس، وإنما ننتقد تعميم هذه التجارب وكأنها ممثلة لتجارب النساء جميعاً. تُغفل هذه الخطابات تعقيدات الواقع وتُصور معاناة النساء بشكل وردي، كما أنها تختزل الوكالة الاقتصادية في مجرد انخراط النساء في سوق العمل، وتتناسى الجوانب الأساسية الأخرى المكملة لها مثل القدرة على الاختيار وإتخاذ القرار، وجود البدائل والوصول إلى الموارد، شروط السوق نفسه القائمة على الربح، وعلى غياب الحماية الاجتماعية، وأسس حماية النساء من العنف والتحرش. تفتح هذه المقالة مساحة لإعادة التفكير في الوكالة الاقتصادية للنساء، بوصفها القدرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية المختلفة، والوصول إلى الموارد والتحكم فيها بطرق تحقق مصالح وإحتياجات النساء، مع الإعتراف بالقيود التي قد تتضمن كل ما سبق.

النظر خارج التنميطات

تقع هذه الخطابات في فخ “أزمة التمثيل” بشكل متكرر، فهي تُعامِل النساء ككتلة واحدة متجانسة، متجاهلة بذلك التنوع الكبير في خلفياتهن وتجاربهن الخاصة. ومن خلال تصدير تلك “النماذج الناجحة”، يتم فرض هذه “البطولات الفردية” على الجميع، وهكذا تعمل هذا الخطابات بوعي أو بدونه على تغييب تفاعل العوامل المختلفة وتأثيرها على حدود الوكالة الاقتصادية للنساء.

إن إرتداء “العدسة التقاطعية” يمكننا من الأخذ في الإعتبار الكيفية التي تتفاعل من خلالها العوامل المختلفة مثل العمر، المستوى التعليمي، الطبقة، الأثنية وغيرها من العوامل في تحديد تجارب النساء الاقتصادية وفرصهن، فننطلق من قراءتنا لتجاربهن من داخل خصوصية سياقاتهن نفسها. قد يجادل البعض أنني قد “احتكرت” بهذه الطريقة القدرة على الفعل في أيدي قلة من النساء، ولكن ما نريد التركيز عليه هنا، هو أهمية النظر الى النساء بإختلاف تجاربهن، خلفياتهن ومواقعهن فليس كل النساء سواء.

شاركت إحدى النساء تجربتها في العمل قائلة: “زوجي كان رافض فكرة إني اشتغل من زمان، لكن لمن طالت قعدتنا في مصر، أقنعتوا إني لازم أشتغل لأنو كملنا كل مدخراتنا. وافق بعد تعب واشترط علي إنو الشغل يكون من البيت وإني أوقفوا أول ما هو يلقى شغل، واتفقنا وبديت مشروع بخور وأرياح سودانية من البيت“. هذه التجربة على سبيل المثال، تعكس أن الوكالة الاقتصادية قد يتم التفاوض عليها من داخل شروط النظام الأبوي نفسه، وبالتالي تبقى محدودة ومقيدة بشروط هذا النظام.

التركيز بهذا القدر على قدرة النساء على تحقيق “وكالتهن” رغم ظروف الحرب في السودان، يُبرز الحل دائماً وكأنه حل فردي، بمعنى أنه يتضمن سحب بساط المسؤولية من الدولة وأذرع عملها ومؤسساتها المختلفة ويضعها على كاهل الأفراد. ويؤثر هذا التصور بالضرورة سلباً على مساعي إعادة النظر في الهياكل والبنى الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية التي تعيد إنتاج مختلف أشكال التمييز والتهميش. إن اختزال الوكالة الاقتصادية للنساء في “القدرة الفردية” يتجاهل القيود التي تفرضها البنى القائمة بشكل مسبق. لا أسعى هنا لتقديم النساء كضحايا وانتزاع قدرتهن على الفعل، إذ لابد لنا من الخروج من ثنائية (الضحية/البطلة) لواقع أكثر تعقيداً. وبالتالي فإن النظر إلى الوكالة الاقتصادية بوصفها عملية تفاوضية مستمرة وليست حالة ثابتة، يُمكّننا من الاعتراف بأشكال مختلفة من الوكالة الاقتصادية للنساء والخروج من الصور النمطية والمعايير المثالية.

المعاناة قد لا تولد الإبداع!

إن هذا الإحتفاء بصمود النساء، رغم وجاهته يُغفل حقيقة أن بعض النساء يعملن في ظل ظروف قاسية. بعضهن يعملن بأجور منخفضة جداً ولساعات طويلة، وهناك أخريات يمارسن أعمال أو مهن في بيئات تجعلهن معرضات بشكل أكبر للمخاطر ومختلف أشكال العنف. وبالتالي فإن تصوير النساء العاملات تحت هذه الظروف كنماذج ناجحة وقادرة على التأقلم، يُغطي على ظروف عمل غير عادلة وقاسية. يقوم البعض تحت مظلة هذه العناوين “الايجابية” على سبيل المثال: “صمود النساء: دروس في التحدي، نساء السودان: إرادة لا تقهر رغم الحرب، قصص أمل وسط الدمار”، بإخفاء معاناة النساء والقهر الذي يتعرضن له، والتركيز فقط على تصوير هذه المعاناة وكأنها بطولة، به تزييف للواقع الذي يعشنه.

تقول “م” (في منتصف العشرينات مقيمة في عطبرة مع أسرتها): “شغالة عاملة في شركة، كان اتفاقنا في البداية إني انضف الشركة يوميا، والمرتب كان ضعيف لكن قلت اشتغل عشان أساعد اسرتي، بعد فترة شغلي زاد، بقيت بترسل بجيب الفطور للموظفين وبعمل ليهم الشاي، ولمن اعترضت إنو دا ما كان اتفاقنا من الاول قالو لي لو ما عاجبك خلي، وأنا مجبورة ما بقدر أخلي واهلي زاتهم ما حيخلوني اسيب الشغل”.

وتحكي “ن” (في نهاية العشرينات من عمرها وتعمل في إحدى المطاعم السودانية بالقاهرة): ” للأسف المطعم بعيد شديد من منطقتنا، في الأيام الأولى كنت برجع البيت وبقضي زمني كلو في الطريق، كمان الوقت بيكون متأخر وبخاف، بقيت أبيت مع صحبتي بيتهم أقرب وأرجع بيتنا نهاية الأسبوع، بس بديت أحس إني مستهلكة”.

تعكس هذه التجارب أن دخول النساء لسوق العمل في ظل الحرب والنزوح، يعكس ضرورة -في معظمه- وليس اختيار من بين بدائل أخرى متاحة لهؤلاء النساء، لذا فإنه لا يمثل تمكيناً اقتصادياً. كما أن ظروف الحرب تفرض على النساء العمل في ظروف صعبة وقاسية وفي أعمال وبيئات لا توفر أدنى مستويات الأمان الاقتصادي بالنسبة للنساء، وعلى الرغم من كل ذلك، فهن يكافحن بشكل مستمر لإعاشة أنفسهن وأسرهن.

مقولات الواقع

تشير التقارير والدراسات التي تناولت أوضاع النساء الاقتصادية في السودان إلى معاناتهن وفقدانهن لمصادر الدخل وفرص العمل. كما أوضح التقرير المشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، أن الحرب أفقدت كثير من النساء مصادر دخلهن وعملهن، وأصبحت فرص عودتهن إلى العمل أقل، بسبب ضعف شبكات الدعم الاجتماعي وتضاعف الأعباء الاسرية، وأن فرص العمل، إن وجدت، تنحصر معظمها في الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية والأعمال منخفضة الأجر، مما يجعل النساء أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية. وذكر بحث آخر أجرته منظمة كير، أن النساء المزارعات في مناطق كردفان ودارفور يعانين من عدم قدرتهن على تحمل التكلفة العالية لمدخلات الزراعة، والقلة التي استطاعت أن تزرع، واجهت معيقات بعد الحصاد تتعلق بتلف المحصول، السرقة وغياب أماكن التخزين الآمنة. كما أشارت ريم عباس في بحثها عن أوضاع النساء السودانيات داخل وخارج السودان بعد الحرب، أن تجربة بعض النساء النازحات قد أثرت على إستقلاليتهن الاقتصادية، وأصبحن أكثر اعتماداً على الرجال في تلبية احتياجاتهن الأساسية. هذه التقارير والدراسات المختلفة تسلط الضوء على تجارب العديد من نساء السودان، وتبرز أن الحرب قد تنتج بالتوازي أشكال مختلفة من الاستقلال الاقتصادي للنساء والاعتماد أيضاً.

في نهاية المطاف، وكما ذكرت سابقاً، أن الغرض ليس تصوير النساء كضحايا فقط وإنما دعوة للنظر إلى تعقيدات الواقع، والاعتراف بتنوع واختلاف تجارب النساء، بدلاً عن تعميم خطابات تجمل الواقع وتتجاهل الصورة الأكبر للبنى التي تعيد إنتاج تهميش فئات من النساء، بحيث لا تصبح “نماذج” بعينها ممثلة لتجارب النساء. كما أن الوكالة الاقتصادية للنساء لا تنحصر في مجرد زيادة انخراطهن في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بل يجب أن ننظر الى جوانب أخرى مثل وصول النساء إلى الموارد، توفر البدائل والقدرة على إتخاذ القرارات.

آمنة محمد
المقالات +

باحثة ومحاضرة. متخصصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. تتركز اهتماماتها البحثية حول موضوعات النوع، الهجرة، الجسد، والإثنوغرافيا الذاتية.