نساء في مرمى البندقية

 إحسان عبد العزيز، نساء في مرمى البندقية: كيف اخترقن دهاليز التجمع الوطني الديمقراطي (قصة نضال لوطن أضحى وطنَيْن).

مكتبة جزيرة الورد، ٢٠١٣ (الطبعة الرقمية: ٢٠٢٢).

ندى مصطفى علي

كتاب نساء في مرمى البندقية هو أحد أدبيات قليلة وثقت لأبعاد من نضالات النساء السودانيات خارج السودان، خاصة في المناطق التي كانت تحت إدارة المعارضة السودانية (الأراضي المحررة) بشرق السودان بدءاً من ١٩٩٦/١٩٩٧، وفي دولة إريتريا التي كانت لأكثر من عقد من الزمان أحد المراكز الرئيسية للعمل المعارض المُنظَّم، وكان المقر الرئيسي للتجمع الوطني الديمقراطي فيها، وذلك خلال فترة حكم نظام عمر البشير الدكتاتوري (١٩٨٩-٢٠١٩). تخطر الكاتبة القارئ/ة من البداية بأن هذا التوثيق سببه إحساسها “بالمسؤولية تجاه تجربة… شهودها وأبطالها نساء كن في فوهة البندقية، ناضلن نضالاً مزدوجاً بين مطرقة نظام ظالم وسندان معارضة تقليدية”، كانت الكاتبة إحدى شهودها ومن الفاعلات فيها. والكتاب في مجمله يحتوي على نقد لممارسات التجمع الوطني الديمقراطي، وهو الكيان الذي ضم أغلبية الأحزاب المعارضة، والنقابات، وشخصيات وطنية مستقلة، وقيادات الجيش خلال فترة الحكم الديمقراطي التي تلت انتفاضة ١٩٨٥ تجاه مشاركة النساء وتجاه حقوقهن. يوثق الكتاب أيضاً لنضالات النساء خلال تلك الفترة، خاصة تنظيم التجمع النسوي الديمقراطي السوداني بالمناطق المحررة بشرق السودان ودولة إريتريا.

يتكون الكتاب من مقدمة، احتوت على عرض مقتضب لبعض أوجه العمل النسوي المُعارِض داخل وخارج السودان، وعلى عدد من الفصول سردت فيها الكاتبة رؤيتها لتطورات العمل النسوي السوداني في شرق السودان وفي دولة إريتريا، وعلاقة العمل النسوي بالعمل المعارض المنظم. احتوت المقدمة أيضاً على عرض للتحديات التي كانت تواجه النساء في مناطق شرق السودان، بمحاذاة الحدود الإريترية، ودورهن في العمل العام والإنساني، وانتقدت تنصل التجمع الوطني الديمقراطي عن تقديم الدعم المالي لعمل التجمع النسوي مع النساء في شرق السودان، وأشارت إلى الدعم الذي قدمته أحزاب وحركات مسلحة للعمل النسوي وذكرت أسماءها.

أفردت الكاتبة الفصل الأول لعرض بدايات تكوين التجمع النسوي في عام ١٩٩٨، والذي كانت الكاتبة في لجنته التسييرية، ومن ثم انتخبت أمينة عامة له. وركزت الكاتبة بشكل خاص على وصف النواحي التنظيمية، والعقبات التي واجهت العمل الجماعي في إطار التجمع النسوي. ويحتوي الفصلان الأول والثاني على سرد مُفصَّل للخلافات التي نشأت داخل التجمع الوليد. وتناولت الكاتبة في الفصل الثاني أيضاً الاتفاقية التي وقعها التجمع الوطني الديمقراطي مع نظام البشير، بالنقد والتفنيد.

وواصلت الكاتبة في الفصلين الثالث وفي الفصل الرابع التوثيقَ لمحاولات حل العقبات التي واجهت التجمع النسوي بإريتريا، والطرق التي ابتدعتها عضواته لضمان استمرار التجمع النسوي رغم أنه فقد عدداً من عضويته بسبب إعادة توطينهن في دول شمال العالم.

وتركّزت بقية فصول الكتاب على أوضاع النساء في شرق السودان، خاصة البجا، عبر مقابلة تناولت الزواج والصحة والتغذية، ومحاربة العادات الضارة، وغيرها. وفيه سير ذاتية لمجموعة من النساء اللاتي انخرطن في العمل المعارض المسلح في شرق السودان؛ إضافة إلى التوثيق لخطوات الإعداد لمؤتمر للمرأة الذي كان مقرراً انعقاده تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي، والعقبات التي واجهت عضوات اللجنة التحضيرية وعرقلت إنجازه.

يحتوي الكتاب على بعض وثائق ومراسلات بين عضوات التجمع النسوي بإريتريا والمناطق المحررة، ومع قيادة التجمع الوطني الديمقراطي، وعلى حوارات صحفية ضمن وثائق أخرى كثيرة، من الممكن أن تكون مفيدة كمصادر أولية لأبحاث حول العمل النسوي في السودان، وحول بناء التحالفات بين المجموعات النسوية من ناحية، والقوى السياسية من ناحية أخرى؛ أو حول العمل السياسي المعارض في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الحالية.

بصورة عامة، نجحت الكاتبة في إنجاز سفر يجمع في طياته معلومات وبعض التحليل لجوانب من العمل المعارض بصورة عامة، والعمل النسوي بصورة خاصة، في فترة مهمة من تاريخ السودان، وفهم بعض جوانبها قد يلقي الضوء على صعوبات جمة وتحديات شابت العمل العام خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير. وبالطبع قد يكون لآخرين/ات شهدوا/ن وشاركوا/ن في الأحداث التي يتناولها الكتاب، قراءات مغايرة.

لديَّ بعض الملاحظات على تنظيم المواد في الكتاب، الذي تراوح بين وصف للوقائع ومن ثم إدراج وثائق ومقابلات. كان من الممكن اختيار اقتباسات منها، على أن تدرج الوثائق كملاحق للكتاب، وذلك لتجنيب القراء أي لبس. كذلك فإن الإشارة للمراجع لم تكن دقيقة في بعض الأحيان، وهذا أيضاً يُسبِّب اللبس للقراء. وعلى سبيل المثال، فقد أشارت الكاتبة لكتاب “عندما يحل السلام” الصادر بالإنجليزية عن منظمة أفريقيا العدالة ثم عن دار نشر البحر الأحمر عام ٢٠٠٢، والذي صدرت ترجمته العربية عن مركز القاهرة لحقوق الإنسان، وكأنه أحد إصدارات مركز القاهرة لحقوق الانسان. والصحيح الإشارة لاسم الكاتب/ة أو المحررين، وسنة الإصدار، ورقم الصفحة في متن الكتاب أو في الهوامش، ثم تضمين معلومات المرجع كلها (ويشمل ذلك جهات النشر، الخ)، مع مراجع الكتاب.

المقالات +

باحثة نسوية وناشطة