مُختبر العنف في الفاشر
نعمات الحاج
تعد مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور وعاصمة السلطنة التاريخية، نقطة الارتكاز الأهم في الإقليم وامتداده الطبيعي نحو كردفان والولايات الوسطى. وظل ثقلها السياسي والحضاري راسخًا عبر القرون، فيما تضاعفت أهميتها الاقتصادية والعسكرية بفعل ما تمتلكه من أراضٍ زراعية واسعة، وموارد غنية بالذهب، إضافة إلى الطريق البري الدولي والمطار الأكبر في الإقليم، الأمر الذي جعلها بوابة السودان الرئيسية نحو ليبيا وتشاد.
ومع اندلاع حرب أبريل، وسيطرة قوات الدعم السريع تباعًا على ولايات دارفور، تحولت الفاشر إلى الملاذ الأخير لآلاف الفارين، فشهدت اكتظاظًا سكانيًا ملحوظًا، ونشاطًا تجاريًا متزايدًا، وافتتاح مسارات بديلة لتمرير السلع. كما استعادت المدينة قدرًا نسبيًا من الاستقرار، مدفوعًا بجهود لجنة المساعي الحميدة التي أسهمت في احتواء الاشتباكات الأولى داخلها.
التجويع كسلاح
استمرت الحياة هادئة نسبيًا حتى أبريل 2024 حين أعلنت القوة المشتركة انحيازها للجيش، قامت حينها قوات الدعم السريع بالتصريح أن الفاشر هي ”القلعة الأخيرة“ في دارفور وأن السيطرة عليها تعني سقوط الإقليم بالكامل. ومنذ ذلك الحين انقلبت الجبهات العسكرية داخل المدينة، وتحولت خطوط القتال من الأطراف الشرقية والشمالية إلى جنوب المدينة المكتظ بالسكان والأسواق ومراكز الإيواء. فشهدت المدينة، بين يونيو وديسمبر 2024، ما لا يقل عن 279 مواجهة مباشرة، وتوسعت عمليات الاستهداف لتشمل التدوين على المنازل والمرافق العامة، واستخدام المدافع بعيدة المدى من نوع هاوتزر و40 دليل، بينما تزايدت حركة نزوح الأهالي داخل الأحياء وظهرت الملاجئ كوسيلة للحماية في ظل بقاء الجيش في الوضع الدفاعي فقط.
شنت قوات الدعم السريع في أواخر 2024، هجمات واسعة على أكثر من 64 قرية بمحليات كلمندو ودار السلام ومحيط الفاشر بهدف خنق خطوط الإمداد الغذائي والدوائي. ومع إغلاق كل مسار، كان التجار يعيدون إحياء طريق قديم أو يفتحون طريقًا جديدًا، حتى عاد درب الأربعين للعمل بعد عقود من التوقف. ودرب الأربعين هو طريق يربط غرب السودان بوسطه، ويبدأ بمنطقة أم قوزين في شمال دارفور، وينتهي في جبرة الشيخ شمال كردفان، سمي بدرب الأربعين لأن الرحلة عبره من دارفور إلى أمدرمان بالسيارات القديمة كانت تستغرق 40 يومًا. فتدفقت، عبر الأربعين وغيره، السلع إلى معسكر زمزم، الذي أصبح نقطة التوزيع الرئيسة داخل المدينة. لكن، أصبحت الفاشر معزولة بالكامل، بعد سيطرة الدعم السريع على المعسكر في أبريل من هذا العام. السيطرة التي صاحبها عنف شديد مارسه الدعم السريع ضد النازحات/ين في المعسكر. بعد هذا التحول على الأرض، بدت المفارقات الاقتصادية أكثر قسوة، إذ بلغ سعر ربع الدخن ثلاثين ألف جنيه داخل المدينة، ما يساوي قيمة جوال كامل في قرى الإنتاج القريبة، وتكدست السلع في الأطراف وشحت في الداخل حتى انعدمت.
في تلك الفترة، عززت قوات الدعم السريع الحصار على الفاشر عبر بناء سواتر ترابية، وحفر خنادق عميقة حول المدينة لمنع تهريب الغذاء، بينما تراجعت قدرات الجيش على الإمداد بعد فرض حظر جوي فعلي فوق الفاشر، الأمر الذي جعلها مدينة تقاوم بموارد محدودة تتناقص يومًا بعد يوم.
في الوقت الذي عجزت فيه السلطات السودانية والوكالات الأممية عن إيصال المساعدات الإنسانية للعالقين في المدينة، عملت التكايا على سد الحاجة الغذائية للمواطنين، بموارد محدودة، تُهرب إلى داخل المدينة عبر طرق وعرة وطويلة قد تصل إلى مسيرة 10 أيام سيرًا على الأقدام. من محلية طويلة غربًا يسير مهربو هذه السلع ليلًا ويختبئون نهارًا، وسط مهددات أمنية خطِرة، إذ قامت قوات الدعم السريع بإعدام المهربين رميًا بالرصاص، كما قاموا بحرق كل الأشجار والحشائش على الطريق، ليصبح ميدانًا مكشوفًا، ما جعل عدد المهربين يقل حتى انقطعوا تمامًا عن المدينة في أواخر شهر أكتوبر. واجه سكان الفاشر، حينها، الجوع الذي فُرض عليهن/م كسلاح، واضطروا لأكل الامباز، وهو علف للحيوانات، يتكون من بقايا الحبوب الزيتية المعصورة.
بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر، كشفت تحليلات مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية (Yale Humanitarian Research Lab) عبر صور أقمار صناعية عالية الدقة، أن الفاشر تحولت خلال أسابيع قليلة إلى فضاء مدني فارغ. إذ أظهرت التحليلات أن الأسواق التي كانت تعج بالباعة والمارة فقدت نشاطها بالكامل، وأن مساحاتها بدأت تتحول إلى بقع عشبية نتيجة غياب الحركة لفترة طويلة. كما بينت الصور اختفاء الماشية التي كانت تُعد مؤشرًا لنشاط اقتصادي حي، ما يعكس انهيار سلاسل الإمداد وتوقف دورة الحياة التجارية. ووفق قراءة مختبر ييل، فقد ظهرت شبكة من الحفر الحديثة، بعضها مخصص لدفن أعداد كبيرة من الجثث وبعضها للحرق، فيما رُصدت أكوام ضخمة من الجثث المجمعة داخل الشوارع والأحياء، وهو نمط يشير إلى عمليات منظمة لإخفاء الأدلة.
وتُظهر بيانات الأقمار الصناعية انخفاض الإضاءة الليلية بنسبة تتجاوز 95 بالمئة مقارنة بعام 2023، وهو انخفاض لا يحدث إلا في المدن التي يتم تفريغها قسرًا أو تتعرض لكارثة عسكرية واسعة النطاق. كما فقد الباحثون في مختبر ييل الاتصال مع السكان الذين كانوا يزودونهم بالمعلومات خلال اليومين الأولين من الهجوم، ما يعزز التقديرات التي ترجح أن أعداد القتلى في الساعات الأولى ربما تجاوزت عشرة آلاف شخص، قبل أن تتوسع دائرة القتل لاحقًا لتشير تقديرات جديدة إلى مقتل ستين ألفًا على الأقل خلال ثلاثة أسابيع، وفقدان ما يقارب مئة وخمسين ألفًا دون أية إشارة إلى خروجهم من المدينة، وهي المعطيات التي وردت في تقرير صحيفة الغارديان (The Guardian) الذي تناول الكارثة.
وترافق هذا المشهد مع استمرار منع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من دخول المدينة رغم وجود قوافل إغاثية متوقفة على مقربة من الفاشر، في وقت أعاد الهجوم السابق على مخيم زمزم قبل أشهر- الذي وثقته العفو الدولية باعتباره استهدافًا مباشرًا للمدنيين وتدميرًا للمساجد والمدارس وعمليات احتجاز قسري – إظهار نمط الانتهاكات الذي سبق السقوط ورافقه.
قامت قوات الدعم السريع، قبل نحو شهرين من سيطرتها أطراف المدينة، بتوسعة الخندق الترابي حولها، ليصل إلى نحو 31 كيلومتر، بعرض مترين وعمق 3 أمتار، وزيادة ارتفاع الساتر الترابي بنحو 180سنتمتر، ما جعل من الصعب مغادرة المدينة إلا عبر بوابات الخروج التي خصصتها قوات الدعم السريع، حيث خضعت سلامة المغادر لمزاج القوات المرتكزة على هذه البوابات. كما منعت توسعة هذه السواتر تهريب الغذاء، حتى انعدمت كافة السلع منذ 17 أكتوبر وحتى لحظات السقوط، وكان قد ظهر أحد المقاتلين بالمدينة عبر مقطع فيديو بثه يوم 25 أكتوبر حكى فيه عن أن سكان المدينة يتناولون الماء الساخن فقط لانعدام الغذاء.
شهود عيان على الفظائع
بدأت بوادر إحكام السيطرة قبل فترة، عندما تقدمت قوات الدعم السريع نحو مبنى السلاح الطبي في الفاشر. وفي إحدى المعارك اللاحقة، تمكنت هذه القوات من التوغل بشكل أعمق، وعملت على فصل الفرقة عن بقية الأسلحة الفنية الواقعة غرب المدينة، في محاولة لقطع خطوط الإسناد ومنع أي جهة من دعم الأخرى. غير أن قوات الجيش عادت وتقدمت، واستطاعت استعادة مواقعها السابقة. إلا أن قوات الدعم السريع سرعان ما أعادت الهجوم، متقدمة عبر المنزل الرئاسي المُطل على مقر الفرقة، ونجحت في التقدم نحوها صبيحة السادس والعشرين من أكتوبر، عقب إدخال مسيّرات حديثة ومنظومات دفاع جوي متطورة، مكنتها من تحييد مسيّرات الجيش السوداني. وإلى جانب ذلك، ساهم التدوين المكثف في تليين الدفاعات الأمامية للجيش، ما أدى إلى تراجعها باتجاه مبنى المدفعية الواقع في أقصى غرب المدينة. وبحسب إفادات مقاتلين، فإن المنظومات المتقدمة التي استخدمتها قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر نجحت في قطع الاتصال اللاسلكي، وعزلت غرفة القيادة والسيطرة عن الميدان، الأمر الذي أدى إلى تشتت القوات. ومع غروب الشمس، انسحبت الوحدات انسحابًا غير منظم، ما أسفر عن سقوط عدد من القيادات في الكمائن التي نصبتها قوات الدعم السريع قرب داخلية الرشيد غرب الفاشر.
تقول هذه اللحظة الكثير عن طبيعة تكنولوجيا الحرب، وعن مستوى التسليح الذي رافق هذا الصراع. ويأتي ذلك في سياق اتهامات موجهة إلى بريطانيا وكندا بدورهما في بيع السلاح لدولة الإمارات العربية المتحدة، المتورطة في دعم قوات الدعم السريع.
وعلى الجهة الأخرى، بدأ فرار العالقين عبر تلك البوابات، حيث سقط عدد منهم على يد ”أبو لولو“، أحد أكثر عناصر الدعم السريع دموية، فقتل من قتل، ووقع آخرون في الأسر. وداخل المدينة، أقدمت قوات الدعم السريع على تصفية من تبقى داخل منازلهم في أحياء الدرجة الأولى، فيما قام الأبّالة وأصحاب الدراجات النارية باختطاف من تمكن من الفرار، قبل إطلاق سراح بعضهم لاحقًا بعد دفع فديات باهظة مقابل أرواحهم.
وتشير الشهادات المروعة للناجيات والناجين الذين فروا من مدينة الفاشر يومي 26 و27 أكتوبر إلى فظاعة العنف الذي واجهوه. يصف أحدهم في شهادة وثقتها خلال مقابلات أجريتها في معسكر العفاض، رؤيته أكثر من تسعة آلاف جثة لمدنيين على الطريق الرابط بين الفاشر ومحلية طويلة. كما مورست أشكال متعددة من التعذيب بحق الفارين، شملت العنف الجنسي، واستخدام لغة تحقيرية قائمة على أسس إثنية وقبلية، في وقت لا يزال فيه مصير مئات المختطفين على أيدي قوات الدعم السريع مجهولًا. وحكت قريبة أحد الكوادر الطبية بمدينة الفاشر إنه أعيد قسرًا إلى داخل المدينة بسبب انتمائه إلى قبيلة الزغاوة. كما روى أحد الفارين أنه اضطر إلى حمل شقيقه المصاب على عربة يدوية (درداقة)، فيما كان شقيقه يحتضن طفلًا يتيمًا عثروا عليه في طريق الهروب. ساروا لأكثر من عشر ساعات متواصلة على الأقدام، وسط أصوات الاشتباكات ونيران القناصة، قبل أن يصلوا إلى حلة الشيخ، حيث ظلوا مختبئين بالقرب من ارتكاز لقوات الدعم السريع لمدة ستة أيام كاملة، دون طعام كافٍ أو مياه. وبعد تراجع حركة القوات في المنطقة، تمكنوا من مواصلة السير نحو مليط، في رحلة وصفها بأنها ”الأطول والأقسى“ في حياته.
ووفقًا لإفادة متطوعة تعمل في مخيمات طويلة، فإن حالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها النساء تفوق الإحصاءات المنشورة بأضعاف، نظرًا لهشاشة الأوضاع الأمنية واستمرار المخاطر التي تواجهها الفتيات هناك، فضلًا عن السياق المجتمعي الذي يدفع النساء الناجيات وأسرهن إلى إنكار حوادث العنف الجنسي خشية الوصمة الاجتماعية.
ولا يزال النازحون/ات في طويلة يعانون من شح الخدمات في بعض المخيمات، وانعدامها الكامل في مخيمات أخرى. وقد بلغ عدد المخيمات حتى الآن اثني عشر مخيمًا، من بينها مخيمات جديدة أنشئت بعد تصاعد وتيرة الصراع في الفاشر، وأخرى قديمة توسعت نتيجة التدفق الكثيف للنازحين. وأفاد أحد المتطوعين بغياب تام لكافة الخدمات في مخيمات شكشكو وأم جنقور (1 و2) ومرتال، الواقعة قرب منطقة طويلة، في وقت تفرض فيه الإدارة المدنية التابعة لحركة عبد الواحد محمد نور قيودًا صارمة على عمل المنظمات، ما أدى إلى انسحاب عدد من المبادرات الصغيرة والمنظمات الوطنية من المنطقة.
آلاف الكيلومترات قطعتها النازحات والنازحين فرارًا إلى مخيم العفاض شرقي مدينة الدبة بولاية الشمالية بحثًا عن الأمان. ورغم قسوة الرحلة، تعد أوضاعهم هناك أفضل نسبيًا مقارنة بأوضاع نازحي طويلة والمناطق المحيطة بالفاشر، لا سيما بعد التدخل الواسع والاستجابة السريعة من قبل المنظمات الوطنية والدولية لنداء الطوارئ في المخيم.
مسرح جريمة مغلق
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة سقطت في أتون حرب، بل مدينة أُفرغت قسرًا من سكانها، وتعرضت لأحد أكثر أنماط العنف المنهجي تعقيدًا في الصراع السوداني، وفق قراءات بيانات مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل. فالحفر الجديدة، وصمت الأسواق، وانكماش الضوء الليلي، وأكوام الجثث الظاهرة في الصور، جميعها تشكّل سردية واحدة: مدينة تحوّلت إلى مسرح جريمة مغلق، تتكشف تفاصيله تباعًا، فيما لا يزال آلاف المفقودين بلا أثر أو تفسير.
وتشير تقارير متطابقة إلى فقدان نحو 150 ألف شخص خرجوا من المدينة خلال أيام سقوطها، ومقتل قرابة 80 ألف مدني بين يومي 26 و27 أكتوبر، إضافة إلى خروج 15 ألف مواطن لم يصلوا إلى أي منطقة معروفة. كما حوّلت قوات الدعم السريع معظم مباني المدينة إلى مراكز احتجاز للمدنيين، من بينها مبنى مستشفى الأطفال التخصصي، وإحدى كليات جامعة الفاشر، والحاويات التجارية في الميناء البري، والمستشفى الجنوبي، فضلًا عن سجن شالا، أكبر سجون المدينة. ويقبع خلف قضبان هذه المواقع آلاف المواطنين في أوضاع إنسانية قاسية، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء، وانتشار مقلق لوباء الكوليرا الذي أودى بحياة نحو 860 محتجزًا، بحسب متحدث المقاومة الشعبية في شمال دارفور.
سقطت مدينة الفاشر، حاضرة شمال دارفور وآخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم، بعد حصار وحشي استمر أكثر من 500 يوم. وتتجاوز تداعيات هذا السقوط كونه هزيمة عسكرية، إذ يكشف عن نمط ممنهج من العنف والتجويع القسري، مدعومًا ببيانات الأقمار الصناعية التي أكدت تحوّل المدينة إلى فضاء مدني فارغ ومسرح لتصفية منظمة خلّفت عشرات الآلاف من القتلى ونحو مئة وخمسين ألف مفقود. وما جرى في الفاشر ليس حدثًا معزولًا، بل يمثل الفصل الأكثر دموية في تاريخ العنف الطويل الذي شهده الإقليم. فبعد أكثر من عشرين عامًا من حملات التجويع والتهجير القسري، يتكرر المشهد ليؤكد أن الجرائم ضد الإنسانية في دارفور ما تزال مستمرة، متخذة هذه المرة شكل حصار وتفريغ قسري للمدينة، وتحويل مرافقها المدنية إلى معتقلات جماعية، لتغدو الفاشر شاهدًا جديدًا على وحشية الصراع الدائر.
نعمات الحاج
إذاعية، وكاتبة صحفية وناشطة إجتماعية. تكتب في قضايا النساء والنزاعات، و تهتم بتوثيق تجارب النساء في مناطق الحرب، خاصة في دارفور، من منظور إنساني ونسوي
- لا توجد المزيد من المقالات



