كيف تُعايش النساء العاملات في الأسواق عسكرة الحياة اليومية؟

كيف تُعايش النساء العاملات في الأسواق عسكرة الحياة اليومية؟

فريق مطمورة

متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي فعلًا؟ يستعيد هذا السؤال أهميته في سياق التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة في السودان. هل تبدأ الحرب فعليًا مع إطلاق الرصاصة الأولى؟ أم تبدأ حين تتغلغل قيم الصراع في جوهر علاقاتنا الاجتماعية وقدرتنا الجماعية على تخيل الأمان. 

العسكرة، وفقًا لتنظير المفكرة والكاتبة النسوية سينثيا إنلو في كتابها “المناورات: السياسة الدولية لعسكرة حياة النساء”، ليست مجرد انفجار لحظي للعنف أو توسع مادي للترسانات العسكرية، بل هي عملية تدريجية ومنظمة تُخضِع الأفراد والمجتمعات لسيطرة المنطق العسكري، حتى يغدو وجودهم ورفاههم رهينة لأيديولوجيا السلاح. وتكمن خطورة هذه المنظومة في قدرتها على الزحف الخفي والتطبيع مع العنف، حيث تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى تصبح مشاهد الاقتتال، ونقاط التفتيش (الارتكازات) المسلحة، والخطابات العنصرية أمرًا مألوفًا يفتقد لدهشة الرفض أو التساؤل النقدي. ويتغذى هذا التحول على استراتيجيات تعمل على إعادة بناء مفاهيم الذكورة والأنوثة وتوظيفها كأدوات تعبوية لحشد الجبهات وضمان استدامة الفعل العسكري، مما يؤدي إلى تحولات تمس المجتمع، ومؤسساته كالأسرة والمدرسة والأسواق المحلية، لتتحول من بُنى وكيانات مدنية قائمة على التفاوض، لساحة صراع دائمة تُعلي من القيم العسكرية وتجعل من علاقات القوة العنيفة الإطار الناظم لكل التفاعلات الإنسانية.

ومن منظور نسوي، لا يمكن فهم وتحليل الصراع في السودان بمعزل عن أثره على الحياة اليومية المُعاشة للمواطنات/ين والفئات المهمشة خصيصًا النساء. ففي واقع السودان لا تظهر العسكرة كحدث عارض نشأ مع اندلاع الحرب الأخيرة، بل تظهر كمنظومة متجذرة لتراكم طويل للأزمات البنيوية التي ظلت كامنة داخل هياكل الدولة ومؤسساتها، وتشكلت عبر التمييز البنيوي وافتقدت للمؤسسية في إدارة وتوزيع السلطة والموارد بشكل عادل واعتمدت في ديمومتها على إعادة تدوير أنماط العنف، بحيث لا ينقطع القمع، بل يغير أدواته وواجهاته، مما يضمن استمرار السيطرة عبر موازين القوى غير المتكافئة. كما تُصبح التفاعلات الإنسانية داخل جدران المنازل متأثرة بحالة العسكرة وقيمها، وتغدو حركة المواطنين والمواطنات وفرص نفاذهم للفضاء العام رهينة لموازين القوى العسكرية وتتقاطع بحِدة مع عوامل الطبقة، واللون، والعمر، والنوع الاجتماعي. فعندما تُضطر بائعة الأطعمة، أو صاحب الدرداقة[1] أو التاجرات/التجار في مناطق البيع لتطويع نشاطهم المهني لتلبية احتياجات الفضاء المُعسكر قسرًا، نكون بصدد مجتمع مُعسكر بامتياز، يُسلب فيه الحق في السيادة الشخصية لصالح أمننة الوجود، حيث يغدو البقاء محصورًا في شروط السلاح لا في حقوق المواطنة.

تتشابك العسكرة مع عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي[2]ولا يتوقف استغلال النساء في السياقات المعسكرة على استغلال العمل الرعائي فقط، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بالرعاية العاطفية المُسيّسة، حيث تُوظَّف الأدوار التقليدية للنساء في دعم المنظومة العسكرية وإضفاء الشرعية الاجتماعية على العنف. وتُستنزف مجهودات النساء عبر أوجه متعددة تبدأ من استغلال الدور الرعائي المتمثل في رعاية المسنين والأطفال والجرحى والأشخاص ذوات/ي الإعاقة وسط انهيار المنظومات الصحية، وصولًا إلى استغلال مساهمتهن الاقتصادية في استمرار الحياة اليومية وسط النهب والدمار وتُستنزف مدخراتهن لتأمين تكاليف فرار الأسر أو نزوحها من مناطق الاشتباكات.

كما تستغل المنظومة العسكرية الجسد النسائي وحدوده جندريًا عبر إشراك النساء في إنتاج الخطاب المعنوي للحرب عبر تمجيد المقاتلين وبث الحماس وهو ما تُجسده أدوار الحكامات التعبوية، أو عبر إسناد أدوار رعائية وخدمية لهن داخل الفضاء العسكري كإعداد الطعام والدعم النفسي. ورغم محورية هذا الجهد، تُؤطر المؤسسة العسكرية هذه الأدوار بوصفها امتدادًا طبيعيًا وغريزيًا للأمومة والأنوثة التقليدية بدلًا من الاعتراف بها كمساهمة سياسية أو عسكرية فعلية. يتطابق هذا الطرح مع أطروحة الفيلسوفة النسوية ساندرا بارتكي في نقدها لمفهوم فوكو عن الأجساد الطائعة، إذ تبين كيف تُنتج المنظومات السلطوية والأبوية أنوثة مطيعة عبر ممارسات انضباطية تُصوَّر كفعل طوعي وفطري، مما يؤدي بالضرورة إلى إخفاء الطابع القسري والسياسي لعمل النساء وتهميش تضحياتهن داخل البُنى العسكرية.

صاحب هذا التحول الكثيف نحو عسكرة الفضاءات المدنية توسع اقتصاد الحرب، والذي لطالما كان حاضرًا من قبل، لكن مداه امتد مُحدثًا تغييرًا في الأدوار الاقتصادية للنساء، دافعًا بهن نحو مجالات جديدة داخل مساحة الاقتصاد غير الرسمي المفتقِر في الأصل لأدنى مقومات الحماية القانونية أو الرعاية الاجتماعية، ففُرض على بعض النساء قسرًا الانخراط في سبل كسب عيش مستحدثة محفوفة بالمخاطر، تعتمد على التفاوض اليومي ومنطق البقاء، كالاستثمار في اقتصاد الحدود عبر تجارة وتهريب الذهب والسلع الأساسية. وفي هذا السياق، استغل بعض التجار أو شبكات التهريب قدرة النساء على الحركة الأكثر أمانًا مقارنة بالرجال، لتمرير البضائع والذهب عبر نقاط التماس ومراكز التفتيش التابعة لمختلف قوى السيطرة العسكرية. وتعتمد هذه الآلية على حقيقة أن النساء أقل عرضة للتفتيش الذاتي الدقيق نظرًا للمحاذير الاجتماعية المحيطة بالجسد الأنثوي في بيئات محافظة.

كما ساهمت  الحرب في بروز اقتصاديات النجاة أو البقاء[3] المُتسمة بقدرٍ عالٍ من الهشاشة والاستغلال، من بينها إجبار النساء على الزواج بالإكراه من جنود الأطراف المتصارعة أو الانخراط في العمل الجنسي كوسائل للبقاء وتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية. وفي كثير من الحالات، لا يمكن فهم هذه الممارسات بوصفها خيارات فردية حرة، بل تُعتبر نتاجًا مباشرًا للضغط الاقتصادي والعنف البنيوي الذي يدفع النساء إلى الرضوخ لشروط القوى المسلحة ومنظومات السيطرة العسكرية، وتصبح اجسادهن وعملهن وعلاقتهن الاجتماعية جميعها خاضعة لمنطق الحرب والعسكرة.

الأسواق كفضاءات مُعسكرة

في هذا السياق المُعسكر الذي انتجته الحرب يمكن تتبع الأسواق باعتبارها صورة مُصغرة للاقتصاد السياسي، حيث تتمظهر كفضاءات حيوية للتفاوض تحت وطأة السلاح. فبعد أن كانت الأسواق تمنح النساء منصة للمشاركة التجارية وتأمين الدخل المستقل بشكل أو بآخر، أصبحت اليوم مساحات للاستلاب المادي[4]، إذ تنعكس اضطرابات وتذبذبات واقع السوق المعسكر بشكل مباشر على قدرة النساء في الالتزام بمسؤولياتهن داخل الأسر، فحينما تتعرض الأسواق للقصف أو النهب أو التدمير، لا يتمثل الضرر في الخسارة المادية/التجارية، لكنه يمتد للحد من قدرة النساء على الإعالة وتوفير الاحتياجات الأساسية، مما يضعهن أمام خيارات اقتصادية صفرية، فإما القبول بعجز الإعالة، أو الاضطرار للعمل في فضاءات شديدة الخطورة، وتطويع سبل كسب العيش عبر مسارات محفوفة بالمخاطر الأمنية والجسدية من أجل انتزاع لقمة العيش من قلب منظومة الحرب. وبذلك، يصبح أمان السوق شرطًا أساسيًا لاستمرار الحياة في الحيز الخاص، وتصبح عسكرته أداة لضرب العمق المعيشي والاجتماعي الذي تتماسك به الأسر السودانية اليوم. وفي سياق فهم آليات التكيف اليومي والتعامل مع العنف تصف إحدى البائعات في أسواق الخرطوم مناخ العمل وبيئته المحفوفة بالمخاطر فذكرت أن: “الاشتباكات تحدث بالقرب من السوق، لكنني لم أرَ بعيني شخصًا يُقتل أمامي. نحن نسمع أصوات إطلاق النار ونتعامل معها كجزء من حياتنا اليومية. عندما تشتد الاشتباكات، أتوقف عن العمل وأعود مرة أخرى إلى فرش بضاعتي والبيع بعد توقف إطلاق النار”.

 وامتد أثر العسكرة ليشمل أنماط التفاعل الاجتماعي داخل الأسواق، بما في ذلك القدرة على التعبير والتفاوض اليومي، حيث انتشر الخوف وتراجعت قدرة النساء داخل الأسواق على المطالبة بحقوقهن أو التعبير عن آرائهن بحرية. كما أصبحت العلاقات اليومية داخل الأسواق محكومة بمنطق القوة والخضوع بدلًا من الحوار وأصبح السلاح عنصرًا حاسمًا بشأن من يستطيع البيع، ومن يحظى بالحماية أو المساحة داخل السوق، مما يوضح إعادة تشكيل للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في سياق الحرب. 

وتعكس شهادة إحدى البائعات في أسواق دارفور هذا التحول بوضوح، وتقول حول تعامل المسلحين من العساكر والمستنفرين مع البائعات المتجولات والتاجرات: “رفضتُ ذات مرة البيع بالسعر الذي فرضه أحد العساكر، متمسكة بسعر عادل يناسبني، فما كان منه إلا أن عمّر سلاحه أمامي وتلفظ بعبارات مسيئة لإحراجي. وعندما دافعت عن نفسي لفظيًا، وجّه فوهة السلاح نحو وجهي مباشرة واعتدى عليّ بالضرب”. وأضافت بائعة أخرى أن بعض العساكر يقومون بأخذ البضائع من غير دفع أموال مقابلها، فذكرت “يبدأ العسكري بالسؤال عن سعر المنتج، وعندما أُخبره بالثمن، يأخذ البضاعة المعروضة ويمضي دون دفع مقابل، دون أن أمتلك القدرة على الاعتراض أو التحدث”.

إعادة تعريف القيمة

تتجاوز الفعالية الاقتصادية للنساء معايير التراكم المالي التقليدي لتُقاس، كما أشارت نانسي فريزر في كتابها (تناقضات رأس المال والرعاية)، بمدى قدرتها على استدامة العمل الاجتماعي بالإضافة إلى القدرة على تزويد السوق باليد العاملة. وحماية النسيج المعيشي من الانهيار. فخِلافًا لأنماط الثراء الطفيلية التي يفرزها اقتصاد الحرب، لا ينبع انخراط النساء في هذه الأسواق من دوافع فردية للربح أو استغلال انعدام الأمن لتراكم الثروات، بل يتجلى عملهن كفعل حماية اجتماعية وجودي، وصعود النساء إلى مساحات العمل اليومي هو محاولة لترميم ما دمرته الحرب وتعبئة للأدوار الاجتماعية التي تخلى عنها الرجال نتيجة الخوف من الأوضاع الأمنية المعسكرة، أو التخلي عن المسئوليات فتقوم النساء بملء هذا الفراغ بدءًا من صيانة المنازل المنهوبة، وصولًا إلى إعادة الأطفال لمسار التعليم، وتأمين استمرارية الطقوس الاجتماعية والمجاملات الرمزية كالغمتات والختات[5] وغيرها. 

مشيرة لهذه التحولات، تحكي البائعات في أسواق الخرطوم ودارفور عن نمط مشترك وهو أن “معظم النساء اللواتي يشتغلن في الأسواق غاب عنهن أزواجهن، فمنهم من نزحوا إلى ذويهم في مناطق أخرى، ومنهم من لزموا البيوت وامتنعوا عن الخروج خوفًا من الارتكازات الأمنية ومنهم من هربوا خوفًا من تحمل مسئولية الاطفال. ونتيجة لهذا الواقع، تحولت مسؤولية الإعالة بالكامل لنا، فلم يعد الأطفال يطلبون شيئًا من آبائهم، بل يتوجهون إلينا قائلين: ‘يا أمي، نريد كذا وكذا”.

 وبذلك، تصبح الممارسات اليومية للنساء العاملات مدخلًا بنيويًا لفهم ماهية الفعل الاقتصادي الحقيقي في زمن النزاع، مما يفرض ضرورة الاعتراف بهذا الجهد الرعائي والإنتاجي كركيزة أساسية في توصيف الاقتصاد وفهمه، وإلغاء فكرة وجوده كمجرد نشاط هامشي، ليكون التفكير فيه بوصفه جهدًا مركزيًا لحماية النسيج المعيشي. 

تتجلى الآليات البديلة لسبل كسب العيش في شهادة إحدى البائعات، والتي تسترسل في وصف نماذج التنظيم المُستحدثة بعد الحرب بقولها: “أسسنا ما يشبه شبكة عمل تعاونية، نتلقى طلبات تنظيف منازل النازحات/ين العائدين إلى مناطقهم مقابل 15 ألفًا للمنزل الواحد. نعمل ككتلة جماعية ونتمكن عادةً من تنظيف أربعة منازل يوميًا بعائد يبلغ 60 ألفًا. وبدلًا من المحاصصة النقدية، نشتري بالعائد احتياجاتنا المعيشية من السوق ونقتسمها عينًيا. كما نستقطع جزءًا من الدخل للاستثمار، حيث قمنا بشراء معدات تشغيلية لبيع الشاي ومنحناها لإحدانا لتمكينها، ضمن خطة تضامنية تهدف إلى تمليك وسائل العمل لكافة العاملات بالتناوب”.

الاستلاب العسكري واقتصاد الحماية

يتجلى الاستلاب العسكري في أقصى صوره عبر ما يمكن تسميته باقتصاد الحماية، الذي لم يعد مجرد ظاهرة أمنية عابرة، بل أصبح آلية بنيوية لإعادة إنتاج العنف وتوزيع السلطة داخل الفضاء الاقتصادي. ففي ظل غياب المؤسسية، تُجبر النساء في الأسواق على دفع جبايات غير منظمة تُفرض من أطراف مسلحة متعددة، وفق منطق ارتجالي ومزاجي، مقابل السماح لهن بالعمل أو توفير حد أدنى من الحماية ضد النهب والاعتداء. وتعكس هذه الجبايات تحوّل السلاح من أداة مفترضة للحماية إلى وسيلة للجباية الممنهجة، بما يضع البائعات في حالة من المقايضة القسرية التي تستنزف مواردهن المحدودة وتُبقيهن في دائرة هشاشة مستمرة. وفي هذا السياق، تشير إحدى الشهادات الميدانية من أسواق دارفور إلى هذا الواقع بوضوح، حيث تقول: “بالنسبة للضرائب، يتم أخذ مبالغ أكبر من اللازم. اليوم يأتي شخص ويطلب أموالًا لصيانة السوق، وغدًا يأتي شخص آخر بصفة مختلفة… لهذا السبب أحيانًا يُغلق السوق، لأن الناس تخاف من الدفع المتكرر دون معرفة أين تذهب هذه الأموال، ولا توجد جهة تنفيذ واضحة ولا نظام إداري ولا أمن”.

لا يقتصر هذا الاستغلال على المجموعات المسلحة وحدها، بل يتسع ليأخذ شكل عنف بنيوي مزدوج تتقاطع فيه سلطة السلاح مع ذكورية وطبقية فضاء السوق. فإلى جانب الابتزاز العسكري، تواجه النساء استغلالًا اقتصاديًا من قِبل بعض التجار وأصحاب المحلات الذين يمارسون سلطة طبقية وجندرية عبر فرض أجور متدنية مقابل أعمال شاقة، أو انتزاع إتاوات مالية مقابل السماح للبائعات بالفرش أمام متاجرهم، يتسع هذا العنف البنيوي ليشمل تحالفًا غير معلن، يستفيد من خلاله التجار وأصحاب المحلات من تاريخ عنف الدولة الموجه ضد النساء في ظل هذا الفقر والعوز الممنهج، يجد التجار أنفسهم في موقع قوة فيستغلون حاجة النساء العاملات لبيع حق التواجد في الفضاء العام.

الأسواق كساحات للمقايضة القسرية والنجاة

لا ينفصل العنف الممارس في سياق النزاع الحالي عن المساحة الجغرافية التي يتشكل فيها، إذ لا تؤثر عسكرة الأسواق على النساء بصورة متساوية، بل تتقاطع بحِدة مع الطبقة، والموقع الاجتماعي، والعمر، وطبيعة النشاط الاقتصادي. تواجه العاملات في هوامش السوق مثل بائعات الأطعمة والشاي وصاحبات الأعمال الصغيرة أشكالًا مركبة من الانكشاف الأمني،      حيث دفعهن فقدان الدخل إلى العمل لساعات إضافية أو نقل نشاطهن داخل المنازل، مما جعلهن عرضة لعمليات استدراج ممنهجة تحت ذريعة توفير فرص عمل. كما روت إحدى البائعات عن واقع مأساوي يواجه العاملات المنزليات والتاجرات، يتراوح بين الاستغلال المادي والجنسي، والحرمان من الأجور، والتهديد بالنهب أثناء التنقل والحركة من منطقة لأخرى. “إننا نتعرض أحيانًا للعنف ومخاطر شديدة أثناء العمل، ففي كثير من الأوقات نُنجز العمل المطلوب ثم نُحرَم من مستحقاتنا المالية، بل ويُقال لنا بنبرة تهديد: ‘لا تعبري هذا الشارع مجددًا!’. وفي أحيان أخرى، نذهب لتنظيف منزل تحت ادعاء أنه يخص عائلة، وعندما نصل نكتشف أنه خالٍ تمامًا ولا تقطنه أي أسرة، مما يضعنا في مواجهة خطر حقيقي اضطرنا للتوقف عن العمل في المنازل، إذ حدثت انتهاكات جسيمة بالفعل، وتعرضت زميلاتنا للضرب والاغتصاب”.

 وقد أفرزت هذه الأوضاع أنماط تكيف هش بالغ القسوة، حيث اضطرت النساء لتقليص ساعات العمل ومغادرة الأسواق مبكرًا تفاديًا للمزاج العسكري المتقلب، أو ابتكار آليات حماية جماعية كالحركة في مجموعات. وفي مفارقة مريرة، أُجبرت العديد من النساء على التعامل المباشر مع الجنود كـ “زبائن أساسيين”، مما يفرض عليهن تفاوضا يوميًا شاقًا مع أدوات العنف نفسها من أجل تأمين لقمة العيش، ويحول فعل البيع البسيط إلى مواجهة معقدة مع منظومة السلاح.

كما يعتمد العنف الممارس اليوم ضد النساء العاملات على إرث الدولة القمعي الذي سبقه، فقبل الحرب، كانت الدولة تُلاحق النساء في الفضاء العام تحت غطاء قوانين النظام العام، وتهم الدعارة، والاتجار بالمخدرات، بهدف تقييد وجودهن المكاني والتحكم في مظهرهن العام. واليوم يتخذ هذا القمع شكلًا أكثر عنفًا وبصبغة أمنية، حيث استُبدلت تُهم الأخلاق بتهم التخابر والتعاون مع أحد طرفي الحرب، بالإضافة إلى قانون الوجوه الغريبة[6]وتصاعدت خطورة هذا التحول، حيث صدرت أحكام وصلت إلى الإعدام والسجن المؤبد في غياب للمحاكمات العادلة والأسس القانونية الشفافة. وتُشير هذه الممارسات إلى الانتقال من نمط سلطوي يهدف لضبط السلوك إلى تجريم وجود حركة النساء الحرة في الأسواق وتحويل هذا الوجود لشُبهة أمنية، مما شرعن عمليات التصفية والإقصاء المكاني تحت مبررات الحرب وكشف من حالة التنميط السلبي والعنف تجاه النساء العاملات في مهن كبيع الشاي والأطعمة. 

يتجاوز تحليل عسكرة الحياة اليومية في السودان حدود الرصاص، ليكشف عن استهداف بنيوي للوجود الإنساني عبر تقاطع البندقية ورأس المال وموروث الدولة القمعي لاستلاب جهد النساء. ومع ذلك، لم ينجح هذا التمدد في تدجين إرادتهن، بل دفعهن لابتكار واقع مقاوم يتجاوز منطق الحرب. فنجحت النساء في هدم مفهوم البطولة الاجتماعية وقمن بإعادة تعريفها وفق منظور أخلاقي وإنساني مغاير، بعيدًا عن أطر الفعل العسكري والاستنفار أو القدرة على الثبات المكاني. فبينما يختزل المنظور الأبوي الفعل البطولي في أزمان الحروب داخل تمجيد القوة الجسدية، برزت جسارة النساء السودانيات في ابتكار آليات معقدة للنجاة، تجلت في سرعة الاستجابة واتخاذ قرارات مصيرية كالنزوح، والتضحية بالمدخرات المالية، وتحمل عبء الحماية الشاملة لتؤكد النساء أن إرادة استمرار الحياة تتفوق دومًا على أمننة الوجود، وأن استعادة الفضاء العام ستبدأ حتمًا من تلك المساحات الهشة التي رفضت الانكسار أمام سطوة السلاح.

هوامش

1. العامل الذي يمارس مهنة التجارة ونقل البضائع، الأمتعة، أو المنتجات داخل الأسواق الشعبية والمناطق التجارية باستخدام عربة يدوية صغيرة.

2. يشير المفهوم إلى مجموعة العمليات والأنشطة التي تضمن استمرارية الحياة اليومية وتجديد قوى العمل عبر الزمن، بما يشمل الرعاية، والتنشئة الاجتماعية، والتعليم، والعمل المنزلي، والدعم العاطفي، والصحي. وغالبًا ما تكون غير مدفوعة الأجر أو غير مُعترف بقيمتها في الحسابات الرسمية.

 3. هي منظومة من الأنشطة والآليات الاقتصادية الاضطرارية التي يلجأ إليها الأفراد والمجموعات في ظروف الأزمات الحادة مثل الحروب، المجاعات، وانهيار الدول لتأمين الحد الأدنى من الكفاف اليومي واستمرار الحياة، بعيداً عن منطق الربح أو التراكم الرأسمالي.

4. هو عملية تجريد الأفراد قسراً من السيطرة على مواردهم، وعائدات عملهم، وقرارهم الاقتصادي المستقل. وفي سياق الأسواق المعسكرة، يعني المصطلح تحول عمل النساء من أداة “تمكين وتأمين دخل مستقل” إلى آلية يتم فيها انتزاع مجهوداتهن وفائض أرباحهن لصالح قوى الأمر الواقع وتجار الحرب.

5. مبالغ نقدية او مواد عينية تعطيها النساء من الحي او الأسرة أو القبيلة لربة المنزل بغرض دعمها اقتصاديا ومعنويا.

6. هذا المصطلح إشارة لممارسات أمنية يتم اتباعها عادة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الجيش السوداني، وترتبط بالاشتباه في الأفراد بناء على سحناتهم/ن وملامحهم/ن.

فريق مطمورة
Website | المقالات +