تأنيث القبح

                                                                                                      الصورة للسيدة دار السلام مزارعة من سنار

تأنيث القبح

هناء جعفر

أوصتني صديقةٌ بأن أمنح تعريفاً أكثر شمولاً للقبح الذي أقصده في ثنايا المقال؛ وأخبرتني “نكتة” عن كيف اضطرَّ شخصٌ حين طُلِبَ منه نفس الطلب، بالإتيان بالمعنى الاصطلاحي. ضحكنا كثيراً. بدأتُ بعدها بقراءة قليل عما ذكر حول القبح في الفلسفة والفن والطبيعة؛ لكن تعثرت، لحَظِّي، بهذا التعريف “الاصطلاحي” في معجم المعاني الجامع:

القبح: (مصطلحات)

  • ما ينفر منه الذوق السليم، ومنه: امرأة قبيحة. (فقهية).

استطال أمدُ الحرب في السودان، والنساء ما زلن يتأرجحنَ بين مستويات مُخيفة ومُخزية من العنف الجنسي، والجسدي، والنفسي والعاطفي. أعتقد أن إحدى وظائف الحرب هي تعميق أزمات النساء، فسياسات العنف الماثلة الآن ليست وليدة الصراع الحالي، بل هي استمرار لسياسات الدولة ضدهنّ، ومثابرتها على إقصائهنّ، وتشيئتهنّ إلى مجرد أجساد لتوظيفها في الحفاظ على التكاثر والإرضاع والإشباع، والإبقاء على النظام الذكوري بكامل سلطته وقدسية قضبانه.

نجحت محاولات الدولة لفترة، وبوجهٍ جزئي، في جعل النساء بطاركةً فرعيَّين للنظام الأبوي، بسبب ما فرضته عليهنّ من أميّة وتبعية اقتصادية، وتجميعة قوانين قمعية ومُجحفة ضد حقوقهن الحياتيّة. وزادنا في الشِّعر بيت، الفترةُ العصيبةُ لنظام الإنقاذ الذي ضيَّقَ، إن لم يكن ألغى تماماً، كثيراً من الحريات الشخصية، فارضاً أيديولوجية دينية-سياسية، زادت من موقعة النساء خارج المساحات الإنسانية، بدسِّها رغبات هائلة – غذتها بالسلطة، ودفعتها بالحمية الدينية – في أذهان مؤسسات الدولة والمجتمع، لضبط النساء وجعلهن مُجرَّد تابعاتٍ لا يتكلمن؛ أجساد ليست (هن)، أجساد هي (لهم).

على حواف الفقر

أنّثت التحيّزات الجنسانية الفقر، وحصرت النسبة الأكبر من النساء في الأعمال الرعائية. تطعم، وتنظف، وتربي، وترعى كبار السن، وضيوف البلد، ومن أتى للدراسة الجامعية والضيوف اليوماتي، غير مشكورة. ولم يكن حصول “المُتعلِّمات منهن” على موافقة الأسرة ليعملن، ناهيك عن توفر فرص العمل نفسها، بالأمر السهل. حتى عند الحصول على كلا الأمرين، تنحصر فرصهنَّ في وظائف هامشية ذات دخل منخفض، فتتسع فجوة الأجور بينهن والرجل، مما يجعل الاعتماد المالي الأكبر على صاحب الدخل الأعلى. ناهيك عن أماكن العمل المُعادية للنساء، وبعض القوانين الغرائبية السابقة، كقانون المُشاهرة، الذي يفرض على المرأة العاملة تقديم استقالتها بعد الزواج لتعمل بموجب عقد عمل مؤقت شهراً بشهر.

لكن، حتى في ظل التهميش الاقتصادي العام للنساء، تباينت (الغباين)، واختلفت أوضاعهنّ باختلاف مواقعهنَّ الجغرافية والاجتماعية والإثنية، فلم يكن يوماً تجميعة واحدة متجانسة. ولم يجري النظر إلى الهويّات الأخرى لنساء الهامش، تلك المتعلقة بالطبقة واللون والدين، إلا بوصفها مُبرِّراتٍ أقوى للتجاهل المؤسسي لهنّ. فقاد تقاطع سياسات الهوية مع نُظم التمييز والهيمنة، إلى تعدُّد الصور القمعية الواقعة عليهن. فحُرمن من أقلّ الحقوق المُتمثّلة في تعليم منتظم، وتوفير خدمات صحية وإنجابيّة جيدة، إضافة إلى قلة حظ – أو انعدام – مناطقهنّ من التنمية، مما جعلهن يعانين من أشكال أكبر وأعمق من التمييز، ويتحمّلن العبء الأكبر للفقر.

ثم عملت الحروب الأهلية الماضية على تعميق الأزمة، من خلال نزوح أعداد كبيرة منهنّ نحو العاصمة، التي لم تكن مهيأة لاستقبالهنّ؛ ليبقى العديد من الرجال هناك يواجهون حرب البندقية، وواجهنَ هنّ حروبـهنّ اليومية، كمُعيلات وحيدات لأسرهن.

عمل جزء منهن في الخدمة المنزلية وبيع الأطعمة والمشروبات. وعانت الأخيرات من تضييق الأجهزة الشرطية والمحليات على مصادر عيشهنّ، على شاكلة جبايات متواصلة، وكشّات، ومصادرة أدوات الإنتاج. واجهن، قانونياً، عقوبات تراوحت بين الغرامة والسجن والجلد، وخلف واجهات عمل القانون واجهن الابتزاز، والإهانة والتحرش. هُمّشن أيضاً على الصعيد الاجتماعي من قبل نخب الخرطوم التي تنظر إلى هذه الإثنيات، وهذه المهن، ولا تراها، فلم يتم شملهنّ في جملة أولويات المركز وإنسانه الممتاز.

تأنيث الحرب

تأتي الحربُ وتُلغي إنسانية الجميع، لكن آثارها المدمرة على حياة النساء وكرامتهنّ كارثية؛ إذ تشكّل النساء والفتيات ما يقرب من 80 في المائة من النزوح داخلياً في جميع أنحاء العالم. كما تشير التقديرات إلى أن معدلات موت النساء أثناء الحروب أعلى من الرجال، نتيجة للآثار المباشرة كالقتل، وغير المباشرة مثل العنف الجنسي ونقص خدمات الرعاية الصحية والإنجابية التي تُفاقم المخاطر الصحية للنساء والفتيات.

في حقيقة الأمر، ليس العنف الجنسي أثناء النزاعات بالأمر المُستحدث، تقوم به بعض الجيوش وترفضه بعض الحركات المسلحة أو العكس؛ بل ظل الاغتصاب على أساس الهوية في الحروب الأهلية في السودان يتكرَّر كاستراتيجية حربية يمارسها كلٌّ من الجيش والمليشيا. فحين النظر للتاريخ السياسي والاجتماعي لسياق العنف الجنسي السابق في دارفور مثلاً، نجده يقوم بشكل كبير على استخدام اغتصاب النساء كأداة للنَّيل من/إخضاع، بعض الإثنيات كالمساليت، وإجبارهنّ على ترك أراضيهن.

تتجاور أفكار الاغتصاب على أساس الهوية “باعتباره وسيلة للتطهير الإثني” لأخريات تحاول تبيان تفاسير للعنف الجنسي ضد النساء في زمن الحرب، مثل العسكرة (والتي تُحطَّم فيها قصداً المواقف والسلوكيات المدنية… وتتغير الأفكار القديمة حول المستويات المقبولة من العنف.. ولأنه على مر الزمن وفي مختلف بقاع العالم كان المقاتلون في أغلبيتهم الكاسحة ذكوراً، وكانت عملية إعادة التنشئة الاجتماعية تجري، في جزء منها، عبر تكوين هويات “مفرطة في ذكوريتّها”، مبرزة سمات العدوانية والتنافسية و”كراهية النساء” والعنف والسيطرة)،[1] والأبوية، واستخدامه كاستراتيجية حربية، على سبيل المثال. وجميع هذه المداخل تجد أرضية مناسبة للعمل في السياق السوداني.

اتخذ العنف ضد النساء في الحرب الدائرة الآن في السودان عدَّة صور منها الاختطاف، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاغتصاب، والمعاملة القاسية والمهينة، والإجبار على العمل في الجنس القسري.

ومنذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب في الخرطوم وأخبار اغتصاب مليشيا الدعم السريع للنساء تتواتر، ولم تسلم منها حتى الطفلات. ذكرت منظمة إنقاذ الطفولة، أن الطفلات يتعرضن للاعتداء الجنسي والاغتصاب من قبل مقاتلين مسلحين في السودان بأعداد مثيرة للقلق، وتتراوح أعمار العديد منهن بين 12 و17 عاماً. وطالعنا التقرير الصادم عن العبودية الجنسية بخور جهنم، وحالات اغتصاب جماعي في خور القرير، وحلة دينكا بمدينة التبون، واغتصاب مسنات بمنطقة طويلة بشمال دارفور. وثّقت هيومن رايتس ووتش 78 ضحية للاغتصاب في الفترة، فقط، من 24 أبريل إلى 26 يونيو. كما أفادت “منظمة مستقبل النساء” الدارفورية أن 24 فقط من بين 103 ضحايا في حوادث اغتصاب سجلتها المنظمة تلقّين خدمات طبية لاحقة. ووقعت 73 حادثة اعتداء في غرب دارفور.

كما تواترت الأنباء عن ذكر كثير من المفقودات أمثال سعاد وثريا عثمان محمد خير ورقية ابراهيم، وخديجة يوسف سعيد وعنايات عثمان و104 أخريات حسب تقديرات شبكة صيحة، التي ذكرت أن هذه الإحصاءات أقل بكثير من الحوادث الحقيقية، مثلها وحوادث حالات الاغتصاب. فرغم جميع التقارير ومحاولات الرصد والتقصي ما زلنا لم نقترب حتى من الرقم الحقيقي، لعدة أسباب منها عدم مقدرة الضحايا الوصول إلى الأجسام العاملة في مجال تقديم الدعم الصحي والنفسي، أو نتيجة خوفهنّ وأسرهنّ إذ تم بالفعل ترويع العديدات وإسكاتهنّ؛ وخوف أخريات من الوصمة وعدم وجود آليات للتبليغ.

تضيف مأساة نقص الرعاية الصحية ملْحاً على الجرح. يجب أن تتوفر لضحايا الاغتصاب الرعاية الصحية اللازمة، وتقديم العلاج الوقائي لهن خلال 72 ساعة فقط للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسياً، كما يجب توفير وسائل منع الحمل، وبعض التطعيمات الأخرى، إضافة إلى العناية بالإصابات الجسدية وتوفير الدعم النفسي. لكن، أدى عدم توفر الرعاية ووسائل منع الحمل الطارئة، إلى حمل كثير من الضحايا، وتعرضهنّ لمخاطر الإجهاض غير الآمن والذي يعد ضمن الأسباب الخمس الأولى لوفيات الأمومة. تلجأ المغتصبات في السودان للإجهاض غير الآمن بسبب المعيقات القانونية التي تواجههنّ، حيث تمنح ضحايا الاغتصاب الحق في الإجهاض بموجب القانون الجنائي السوداني لعام 1991 في حال لم يبلغ الجنين 90 يوماً، وتسبق الموافقة عدة إجراءات قد تستغرق 40 يوماً لإكمالها، منها إحضار أورنيك 8، وتحليل الحمل وصورة توضح عمر الحمل وتقرير الحالة العامة للمُغتصَبة.

تعاني النساء في الوضع الراهن الأمرّين من أجل النجاة وسد رمق أسرهنّ في مناطق الحرب التي لم يستطعنْ مغادرتها. نراهن نازحات، مكدسات في دور الإيواء، وبيوت الأقرباء في الولايات التي ما زالت تحظى ببعض الأمان النسبي، لكنها ترزح تحت ويلات الحاجة. أجساد نحيلة أنهكها الجوع، ونقص الرعاية الصحية، وقلة النوم، والخوف المتواصل، وخطر الموت أثناء الولادة، بعدما أغلقت خدمات الأمومة في مختلف أنحاء البلاد أبوابها أو لم تعد تعمل بانتظام، ممّا يضع النساء الحوامل في مواجهة مضاعفات تهدد حياتهن من دون سبيلٍ لتأمين الرعاية التوليدية في حالات الطوارئ، وحين تتوفر خدمات الرعاية الصحية تكون جودتها موضع شك. مُحاصرات برعبهنّ الأكبر (فجيعة فقد الأبناء)، إما بالرصاص والقذائف، أو الجوع، حيث في معسكر زمزم، على سبيل المثال، يموت طفل كل ساعتين بسبب سوء التغذية. من القساوة أن يظلل حيوات الأمهات شبح الفقدان المتربص والمستمر، وهو ما سمته لمى غوشة بـ”سياسات نزع الأمومة.

طال العنف المنزل

(أكثر أشكال العنف ضد المرأة تفشياً في مختلف بقاع الأرض، سواء وقت سواء وقت السلم أم في وقت الحرب هو العنف الأسري).[2]

كان هروب الأسر من مناطق الحرب خوفاً على حياتهنّ، وضمان سلامة بناتهنّ من موجة الاغتصاب الممنهجة التي قامت بها قوات الدعم السريع، أمراً بديهياً. هروب سريع دون تخطيط ودون إمكانيات مُعِينة لفترة طويلة، في موجة نزوح تعد الأعلى في العالم؛ إذ تشير مصفوفة تتبع النزوح التابعة لمنظمة الهجرة الدولية الأخيرة إلى أن أكثر من 10 ملايين شخص تركوا منازلهم، في حرب ظنّ معظم الناس أن أمدها لن يطول، وأن الجيش سيحسم فوضاها في غضون أسبوع أو أسبوعين.

لكن، وبعد انقضاء أكثر من عام على الحرب، وازدياد الضغوط المعيشية على الأسر، بسبب ارتفاع إيجارات المنازل، والغلاء الصارخ للأسعار، وإعادة النزوح القسري مجدداً من مناطق النزوح الأولى بعد سيطرة مليشيا الدعم عليها، برزت للسطح نوبات غضب مكبوتة عانت منها النساء بشكل خاص، فزادت حدة العنف الأسري، وارتفعت معدلات الطلاق الذي سبقته موجات من التعنيف والإساءات غير المحتملين، إضافة إلى تزايد ظاهرة زواج القاصرات في محاولة من الأسر لحماية بناتهنّ من العنف الجنسي في المناطق التي تشهد النزاعات الكبرى.

نهضة الفساتين[3]

حتى دون مواجهة جنون الرجال على السلطة والاقتتال لأجل نيلها، اختبرت معظمنا المعاناة بطرق مختلفة ودرجات متفاوتة. صُمّمت حيوات النساء عموماً للدخول في التجربة، لكن، السودانيات، بنات المقاومة، خبرن دوماً شكل العيش على الهامش الاجتماعي والاقتصادي للحياة. مع ذلك لم يرتكسنْ، بل ثرنْ عليه دوماً، حتى في لمحات تكيّفهُنّ، ولا غضاضة. عملن على فهم مواقع ضعفهنّ في مواجهة قوة السلطات التستوسيرينيّة، ونتيجة إحساسهنّ المروع بثقل، وفداحة واستمرارية ما يواجهنه، قاومنْ أدوات القهر وبُنى السلطة تلك بطرق عدة، سواء بشكل فردي أو جماعي. لم يكتفين بإنشاء آليات تضامن اجتماعية ومؤسسية، بل خلقنَ على الصعيد الروحي عوالم بهنّ خاصة، وابتدعنَ ثقافاتهنّ الخاصة. وقاتلنَ على الصعيد العملي لإنهاء التراتبية القائمة على النوع الاجتماعي، ومن أجل عدالة الحقوق الأساسية مثل التعليم، والصحة، والعمل وزيادة الأجور.

وفي محاولات الخروج من شرنقة (جسد صنع بقوة الخطاب) إلى براح (عافية الجسد)، نجحت نساء السودان في كسر كثيرٍ من قيود المجتمع والدولة. وكانت آخر محطات المقاومة – قبل الحرب الحالية – هي ثورة ديسمبر  المجيدة، والتي وخلال محاولاتهنّ الجبارة لنسونَة الفضاء العام، نلنْ جسارة تسميتها “ثورة البنات”.

تقدمت البنات الصفوف الأمامية. بنات قيادات خشّن اللجنة وصادنْ البمبان، وداون الجرحى، ودفعنْ بقضاياهنّ وقضايا العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الفئات المهمشة صوب النور، وعملنّ على رفع الوعي بكل ما هو نسويّ وسط الثوار.

وكما صمّمن في أزمان السلام آليات تضامن ومقاومة ونجاة، فهن اليوم أيضاً، في زمن الحرب، يحاولنَ فعل ذلك بطرق مختلفة، يتقاسمنَ أثناء تلك المحاولات الخبرات، والتربيتات، والنصائح والعناق، ومساحات النزوح، والفوط الصحية، والنصائح الطبية، والأحلام، والعمل والبناء. اعتنين ببعضهن البعض وبالجميع في السراء والضراء، كما اعتنت السيدة دار السلام  المسنة التي قامت بحصد سبعة أفدنة لإطعام عائلتها المكونة من ١١ شخصاً. الأخت للأخت وللغير دائماً.

نعلم، لن تعجز النساء “أنثنة” كل ما هو قبيح؛ ديل قادرات، ما بأكلنكم خريفين،  وقدراتهن في بناء مجتمعاتهن قبل، وأثناء الحرب وبعدها، وإعادة بناء السلام، هي أمور لا يمكن الخلاف عليها. شهدناها من قبل وبعد حروب الجنوب ودارفور، وسنشهدها، وكلي يقين، بعد الحرب الحالية. النساء سيكنّ عناصر أساسية، برغبة السيد أو ضدها، في عملية التنمية وخلق سودان جديد.

المصادر:

[1] كتاب المرأة والحرب، باميلا ديلارجي، صـ149

[2]  المرأة والحرب صـ١٥٤

[3] نهضة الفساتين عنوان قصيدة للشاعر أحمد النشادر 

المقالات +

باحثة ومحررة