هل تستطيع بائعة العرقي أن تتكلم!
رحمة جابر
حَدَثَ في إحدى ضواحي مدينة أم درمان خلال الأشهر الأولى من الحرب الحالية، أن شَبَّ اشتباكٌ بين أفرادٍ من قوات الدعم السريع، وعددٍ من شباب المنطقة راح ضحيته أحد هؤلاء الشباب، وأُصيب بقيتهم إصابات بالغة. بدأت المشكلة حينما هجم الشباب على منزل سيدة تعمل ببيع الشاي والقهوة والخمور البلدية (العرقي) لأفراد من الدعم السريع. قبل الهجوم واجه الشباب السيدة مُعترضين على عملها، وأمروها بأن تتوقف عن بيع العرقي، ولم تُولِيهم كثيرَ اهتمام، فهجموا على منزلها وأحرقوا عِشَّة صغيرة كانت تعمل داخلها، وكسروا الأثاث والمعدات التي كانت تستخدمها. بعد مرور عدة أيام وعند قدوم أفراد الدعم السريع الذين يتعاملون مع السيدة، أخبرتهم بما حدث، فهاجموا الشباب الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم بلا طائل، أمام أسلحة الأفراد المُنتمين إلى الدعم السريع.
خرجت أعداد مُقدَّرة من الأسر التي كانت تقطن العاصمة في رحلة نزوح داخل وخارج البلاد، عقب انطلاق شرارة الحرب الأولى صباح الخامس عشر من أبريل 2023م من العاصمة الخرطوم، وقد تبقى القليل منها، وأغلبها من الأسر التي لا تمتلك المال الكافي للمغادرة وتغطية تكاليف السفر، أو ليس لديها أهل خارج العاصمة، ومنها أيضاً أُسَرٌ رفضت مغادرة منازلها رغم قدرتها على ذلك. ما يهمنا في هذه القصة، أن تلك السيدة حتى قبل قيام الحرب، كانت تعمل ببيع الشاي، وتكسب قوت يومها من هذه المهنة التي تعتبرها الحكومة غير رسمية، وتابعة لقطاع العمل غير المنظم. أي أنها مهنة تعتمد كليّاً على حركتها اليومية ودخلها اليومي دون راتب أو حوافز أو عطلات رسمية، بل حتى أنها لا تتمتع بخدمات الدولة في قطاع الصحة أو أيِّ حماية اجتماعية. أضف إلى ذلك، لم تكن هذه الحربُ أول حرب تعيشها تلك السيدة، فقد جاءت إلى العاصمة بعد رحلة نزوح من موطنها الأصلي في غرب البلاد نتيجة الحرب والنزاعات هناك، منذ ما يقارب العشرين عاماً، بحثاً عن طرق للنجاة وتوفير حياة كريمة لها ولأفراد أسرتها التي تتولى إعالتها.
اتخذ النمو السريع والتوسع في قطاع العمل غير المنظم في مدن السودان، شكلاً من أشكال التعبير عن الاقتصاد السياسي للحرب، التي دارت رحاها في جنوب وغرب البلاد منذ بداية الألفية الثانية. فالسمة الغالبة التي يعتمد عليها اقتصاد الحرب السياسي، هي تدمير الاقتصاد الرسمي أو التحايل عليه، وتوسّع العمل غير الرسمي وازدهار السوق السوداء. الاقتصاد السياسي للحرب، هو بالأصل اقتصاد قائم على الاستغلال والسيطرة على وسائل الإنتاج، وتوفير بيئة مناسبة للنُّخب السياسية كي تحافظ على أنشطتها ومكاسبها وامتيازاتها. وهذا الجانب من الاقتصاد يُحرِّكه على نحوٍ واسعٍ أفرادُ المجتمع ممن لا يمتلكون امتيازات فيما يتعلق بالمستوى التعليمي أو العلاقات الاجتماعية مع أصحاب رؤوس الأموال أو أصحاب المناصب العليا في الدولة[1]. تخدم هذه الطريقة عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي[2] والآليات التي تُعزِّزُ التفاوت الطبقي داخل المجتمع، واستقرار علاقات الإنتاج السلطوية؛ فنسبةً للأوضاع الاقتصادية المُتدنّية للفئات العاملة في القطاع غير المنظم وعدم توفر الإمكانيات للسكن الجيد والدراسة والغذاء وغير ذلك، يعجز مُعيل الأسرة عن توفير ظروف تساعد على تأهيل أفراد لديهم القدرة على المنافسة في سوق العمل؛ مما يقودهم في نهاية المطاف إلى ممارسة مهن آبائهم وأمهاتهم ذاتها كإرث، أو ممارسة مهنة مختلفة، لكنها تُعد في قاموس تعريف المهن في الدولة أيضاً، مهنةً هامشية؛ فضلاً عن أن إعادة الإنتاج الاجتماعي بتلك الطريقة يساعد في انتشار العنف وتزايد النهب والسرقة والتهريب والتجارة العابرة للحدود وغيرها من الظواهر غير القانونية في الدولة.
الجانب الآخر في الاقتصاد السياسي للحرب، هو خلق المشكلة وتعزيزها ومن ثم ادّعاء محاربتها، وذلك لتحقيق مكاسب فئات معينة كما ذُكر. فإنْ توقّفْنا على سبيل المثال في ظاهرة الفقر الحضري، وهو تدني المستوى المعيشي الذي يواجهه من يعيشون في السياقات الحضرية، فإنه فيما يخص السودان، دخل في حلقة الفقر الحضري النازحات/ون أو المهجّرات/ون على نحوٍ عام من الأرياف إلى المدينة، بسبب الحروب أو التحولات المناخية التي صّعبت شروط الإنتاج؛ وبعد أن سُلبوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم الأصلية. ونجد أن بيع الخمور الذي تعاديه الحكومة والشرطة، هو بالأصل قد صُنع من قِبلهما، بمعنى أنهما السبب في جعل النساء يمارسن هذه المهنة على نحو واسع، بعد أن ضاقت بهن المدينة ذرعاً. في مقال لها صدر عام 2016 في رصيف22، كتبت الباحثة ريم عباس، عن ما يفعله رجال الشرطة من ممارسات غير قانونية مع السيدات العاملات في بيع الخمور. تقول إحدى السيدات اللواتي التقتهن إن “أفراد الشرطة يأخذون معدات ليس لها علاقة بصناعة الكحول، مثل التلفاز والهواتف النقالة”[3]. إن أفراد الشرطة وعناصر الحكومة هم المستفيدون من تلك النشاطات عن طريق الابتزاز والتهديد، فهم الذين خلقوا هذا العمل وهم نفسهم الذين يحاربونه. تواصل السيدة: “قبل فترة، حضر عنصر من الشرطة، وطلب 500 جنيه، نحو 87 دولاراً، كي لا يقوم بالقبض علينا ومصادرة الأواني، أعطيناه المبلغ، لكنه عاد بعد يومين جاء طالباً مبلغاً أكبر”[4].
أما الناحية الاجتماعية في القصة التي بدأتُ بها المقال، فلها عدة جوانب، بدايةً بالوصمة الاجتماعية للعاملات في بيع الخمور؛ وارتبطت في التصور الجمعي للناس بحمولات أخلاقية تجاه مجموعات عرقية مُعيّنة، ويترتَّب على ذلك تفاوت اجتماعي وتراتبية في المواطنة، مما يجعل أفراد تلك المجموعات منبوذين اجتماعياً، ويُعزِّز من تلك النزعة، العنصرية والتفرقة واندلاع الحروب الأهلية كما نراها الآن.
إن ما وضعته دراسات التابع[5] وخاصة مُنظّرتها الأهم غاياتري سبيفاك، حول سؤالها الذي يتعلق باستطاعة وحق التابع في الكلام، يمكننا أن نستخدمه هنا في موقف السيدة في القصة المذكورة بداية المقال، التي أرى أنها في الأصل ليست مالكة لزمام أمرها. . إذن هي مضطرة للقيام بها كي تعيل نفسها وأسرتها، أي أنها لم تُقرِّر ارتياد هذا العمل، ولم تُتَح لها فرصة اختيار غيره. نجد هذا الاعتراف قد ذُكر على لسان سيدة في مقال ريم عباس السابق ذكره، إذ تقول: “إذا لم تكن الظروف قاسية، كان في إمكاننا العمل في أي شيء غير هذا العمل المُذِل، الذي يُعرّضنا لكثير من المشكلات، لكننا مجبرات عليه”[6]. أما النقطة الثانية فهي النزعة الوصائية السلطوية لدى الشباب الذين حاولوا منعها من مواصلة عملها، والذين تدفعهم قوة السلطة الاجتماعية التي يمنحها المجتمع للرجال في العادة، والتدخل المشروع في أمور لا تخصهم بوجه مباشر. وإذا أخذنا الأمر من جانب علم النفس الاجتماعي، فهذه السيدة مُتنفّسٌ لغضبهم الذي لم يستطيعوا تفريغه ضد أفراد الدعم السريع الذين أهانوهم وهددوهم، فالأمر له علاقة بإثبات الذات والرغبة في ممارسة السلطة كشرط للرجولة والقوة. ومن جانب آخر، فالأمر يتعلق بأفراد الدعم السريع الذين سمحوا لأنفسهم بأن يكونوا أوصياء على السيدة، وقرروا أن يأخذوا حقّها، وينتقموا لها من (الرجال) الذين اعتدوا عليها وعلى منزلها. فالصراع هنا ليس صراعاً بين جنودٍ ومواطنين، بقدر ما هو صراع إثبات الذات (الرجولية) في مشهدٍ العنصرُ الأساسيُّ فيه امرأة!
في الحقيقة، أنا لا أعلم إن كانت السيدة قد طلبت منهم أن ينتقموا لها لدرجة القتل، ولكن وإن افترضنا أن ذلك صحيح، فهو أيضاً مُؤشّر لطبيعة العلاقات بين الذكر والأنثى داخل المجتمع، وتصوير الرجل حامياً مُطلقاً ومُدافعاً قادراً. ويُمكننا أن نعود لسبيفاك مرة أخرى، حينما تساءلت عن رأي النساء في حادثة تجريم عادة (الساتي)، والسياق هنا يتعلق بما حدث في الهند في عام 1829م، إذ شرَع الاستعمار البريطاني قانوناً يجرّم عادة الساتي، وهي عادة عند الهنود الهندوس، حيث تقوم المرأة الأرملة بحرق نفسها بعد وفاة زوجها، فاعترض الرجال الهنود بحجة أنه قانون استعماري وأنهم الوحيدون الذين يحق لهم تشريع أو تجريم العادات التي تخصهم. وقد استمر الصراع بين الطرفين دون أن يكون للنساء أيُّ رأيٍ في ذلك، رغم أن القضية تخصهن وحدهن. لا بل إن بعض الرجال الهنود قد ذكروا أن النساء موافقات على حرق أنفسهن، وأنهن قد صرّحن بأنهن ضد القانون الاستعماري. ما أضافته سبيفاك هو أن هؤلاء النسوة، حتى وإن قبلن بالمحرقة، فهذا القرار ليس نابعاً عن إرادة حرة، بل نتيجة تنشئة اجتماعية فَرضت على المرأة أن تُفضّل قبول الموت بهذه الطريقة البشعة على أن تواصل حياتها دون رجل! فالمرأة هنا مجرد تابع، لا تملك ذاتاً حقيقية، ولا رأياً يُعبّر عنها بوجهٍ أصيل. والأمر في الحقيقة هو أن “الرجال البيض ينقذون النساء السمراوات من الرجال السمر”[7] وهو ادعاء استعماري بالكامل، فالرجال البيض لا ينقذون سوى مشروعهم ومصالحهم، وفي الحقيقة الرجال السمر كذلك.
إن التراتبية في الوصاية والحماية، ينتج عنها أيضاً تراتبية في العمل، فنجد أن النساء هن اللواتي يعانين بنسبة أكبر من الرجال جرَّاء العمل في القطاع غير المُنظَّم؛ كما أن المُجتمع يصف عمل الرجل بأنه شجاعة ومسؤولية، ويصف عمل النساء بأنه فجور وقلة حياء في إطار التدقيق الأخلاقي الصارم في سلوكهن واستقامتهن، في حين أن مسؤولية الرعاية وإعالة الأسرة تقع على عاتقهن بذات المستوى. كما أن استقلالهن المادي لا يُعفيهن من السلطة القائمة، فمع أنهن ربما استطعن توفير احتياجاتهن المادية، إلا أنهن ما زلن تحت عصمة ذَكَور يُحدِّدون لهن أوقات الخروج والعودة، وما زلن يؤدين واجباتهن المنزلية من رعاية وتربية بالقدر ذاته حينما يكنَّ نساءً خارج ساعات العمل الطويلة.
ما يترتب على الاقتصاد السياسي للحرب، هو استمرار البنية الاجتماعية القائمة بجميع شروطها الذكورية الأبوية المُتسلّطة، وعلى النساء أن يدفعن قهراً ثمن ذلك، خصماً على مكانتهن الاجتماعية، وحقوقهن في المساواة، وحقوقهن في المواطنة، والأدوار الاجتماعية والسياسية داخل الدولة. فهن طبقة داخل طبقة، يقع على عواتقهن القهرُ مضاعفاً، مرة من قِبل السلطة ومرة أخرى من قِبل الرجال داخل محيطهن الصغير في الشارع ومكان العمل والبيت.
المصادر:
[1] بيار بورديو، إعادة الإنتاج، ترجمة: ماهر تريمش، المنظمة العربية للترجمة، 2011.
[2] يعرفه بورديو على أنه: الرؤية والممارسة العملية التي يتم عبرها إنتاج وإعادة انتاج الجماعات، المصدر السابق.
[3] ريم عباس، بائعات الخمور في الخرطوم: بين سوق منتعش وشرطة طامعة، رصيف 22، 2016.
[4] السابق.
[5] مدرسة أو دراسات التابع هي نظرية ما بعد استعمارية وضعها جماعة من المفكرين/ات في الهند، راجعوا من خلالها قراءة التأريخ الهندي السائد. راجع/ي: دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي، ديبيش شاكرابارتي، ترجمة: ثائر ديب، أسطور للدراسات التاريخية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 3، 2016.
[6] ريم عباس، مصدر سابق.
[7] غاياتري سبيفاك، هل يستطيع التابع أن يتكلم، ترجمة: خالد حافظي، صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2020.



