فصول من رواية لم تكتمل
عزّية 3
أميمة الزبير
عشق مستحيل
”علمني كيف أحبّ، لكنّه لم يعلّمني كيف أتوقف عن ذلك “
شخص ما..
سمعت صوتي مختلفاً هذه المرة: ”ماهو سر هذه الفتاة؟“
علي: ”من؟ عزّية؟ قليل من يتذكر أنها فتاة هذه الأيام، لكن صدقيني إنّها كانت زينة الفتيات. وفي حياة والدها، لم تغب عن أحلام فتيان البلدة جميعهم. كانت أكثر الفتيات فتنة، وتمنعاً، ورزانة، ولطفاً، ورقة، وحياءاً وجمالاً، في الملامح والقوام. لُقِبت، سراً، بعزّية الحورية. واقتتل عليها الشبان، كلُّ يريدها لنفسه، لكن لم يجرؤ على التحدث معها دون أن يخشى غضبها، سواي.“
– ” لا بد أنك تفخر بذلك، أو كنت تفعل!“
– ” الله، ما أجمل تلك الأيام، كانت عشقي الأول. نعم، كنت أشعر بأنني شخص مهم جداً، لدى حديثي معها، وحين أتلمس اللطف في نبرتها، ومحاولاتها إرضائي، واستجابتها لنداءاتي عندما كنت أوقفها لأحييها وأسأل عن أسرتها، وقد كان هذا جل ما استطيع قوله حينها، لكنه كان يعني لي ولها الكثير. لم نلتق إلا في الطريق أمام الجميع، لكن لم نكن نحتاج أكثر من ذلك لنغذي شجرة الحب التي ما فتأت تتعملق داخل كل منا“.
– ”شيء غريب فعلاً، وكيف أنتما الآن؟“
– أكاد لا أشك أبداً في حبها لي ونحن صغار، أو قبل وفاة أبيها. بعدها لم تخف ذلك الحب، لكن، خفت حرارته قليلاً. فهي مثلاً لم تكن تجلس على مقعدها المعروف في المقهى، أو تشارك في لعب الورق ما لم أك حاضراً. لكنها تغيرت فجأة لا أعرف لماذا! وأصبحت لا تكترث لوجودي ولا تسأل عني في غيابي. إنّها امرأة ليست كالنساء. أعترف أنّ فيها جمال تحاول جهدها إخفاؤه. وأعترف أيضاً أني غير مرة فكّرت في الزواج منها، لكني تراجعت فوراً. كيف أتزوج من تجالس الرجال في السوق، وتخرج من بيتها كل يوم لتعود آخر النهار؟ كيف أتزوج المرأة الوحيدة التي تخرج دون أن يرافقها رجل من قريتها، وتعبر النيل للضفة الأخرى وحدها، دون أن يكون لها قريب أو بيت هناك؟ كيف أتزوج امرأة تظل في السوق أغلب وقتها ولا ترى منزلها إلا ليلاً، وتغادره فجرأً. حسناً أنا لا أقصدك، لأني أعرف أن لك زوجاً، وأنك تعملين في مهنة تتطلب تواجدك خارج القرية ليلاً، لكن هي! هي ليست مثلك. لقد اختارت أن تصبح رجلاً لذلك فليس من الحكمة الزواج منها، فأنا رجل مثلها ولا أقبل بذلك من زوجتي. الحقيقة، لست أنا فقط، لم تشهد عائلتي ولا قريتي ولا حتى قرية عزّية أمراً كهذا من قبل. لم تخرج لنا امرأة من بيت، ولا فكرت حتى بالعمل في السوق ولا في أحلامها.
رغم ذلك، لا زلت أذكر الأيام التي كنت أرافقها فيها إلى الحقل لنحصد البصل، ونجمعه، ونأخذه للسوق. كانت كريمة معي في توزيع الأرباح، وأحياناً أعتقد أنّها كانت تؤثرني على نفسها. كانت لا تأكل حتى أحضر، وتخبئ لي من الحليب أطيبه، وتكثر لي فيه من الدسم لأنّها تظن أن بنيتي الضعيفة سببها قلة الدهن في طعامي. حسناً هذا موضوع آخر لكن ما أقصده هنا هو مظاهر الحب في تعاملاتنا. كانت تسبغ علي محبة منها ظاهرة، يعلمها القاصي والدانِي في عالمنا الصغير. وقد وصلت أخبار هذه المحبة إلى أهلي ما جعل أمي تسرع في تزويجي خوفاً من أن تختطفني عزّية فلا أعود إلى المنزل، أو هكذا كانت تظن أمي.
حسناً، كانت النساء في قريتي ينفرن منها، ويعتقدن أنّها تسيء إلى سمعتهن. قالت أم كلثوم بنت خالتي الزهو أنّها كانت السبب الرئيسي في خلافها مع زوجها. كون زوجها يرفض دائماً خروجها إلى أهلها في المناسبات خوف أن تعتاد الخروج فتصبح مثل عزّية.
كنت أنظر إليه وهو يسوغ الأعذار الواهية وفي نبرته شيء من ندم خفي. شردتُ عن ماكان يقوله، وانتبهتُ إلى إن ملامحه تشبهها كثيراً، هل هما قريبين؟. ما زال يتحدث، وفي حركة شفاهه شبه بحركة شفاهها عندما تتحدث، على قلة مناسبات حديثها. الحقيقة هي لا تتحدث كثيراً، لكن تبتسم طوال الوقت، وتستمع كثيراً، كثيراً جداً. تستمع إلى هموم الناس، وتفعل ما بوسعها لحل مشكلاتهم. هل تراها تحاول أن تقدم لهم نموذجاً لكيفية ما تتوقعه منهم من معاملة؟ أو تأمل ربما أن يحاولوا يوماً الاقتداء بها؟. لكن كيف؟ وقد جردها الرجال من القلب، والنساء من العقل. عاملها علي بقسوة وجحود رغم ما لمسه منها من لطف قلما تظهره لأحد. استهان بما وضعته فيه من ثقة حثتها على الكشف عن لين جانبها، وأنوثتها المتوارية من خلال اهتمامٍ أصيل، واعتناء جميل، ولفتات بارعة، وذكية، وبريئة وخاطفة، تقول آلاف الحكايات عن عشق مستميت، عشق مستحيل، وأمل واهٍ، وواهن، وطريق طويل موحش وغريب. يتقبلها الناس فيه كأمر واقع، ويعرفون حقيقتها لكن، لا يعطونها حقها، يظلمونها ولا يواجهون أنفسهم، يغبطونها على شجاعتها لكن يستكثرون عليها الكلمة الطيبة الصادقة، والتشجيع النقي النابع من القلب، والاحترام التام الذي يدفنونه في الأعماق بعيداً عن بصرها، وبصيرة قلوبهم.
– حسناً يا علي عرفت ما كان من شأنك وشأنها، لكن لم تظن أنّها تغيرت؟ هل يئست من أن تلتفت إليها وترى تلميحاتها؟ هل عرضتْ عليك الزواج؟
– الصراحة لم تعرض علي لكن شجعتني. كانت تتمنى لي الزواج في كل عيد، وكانت تخبرني بأني أمنية ربات الخدور الغانيات، فأطرب لما تقول وتنتشي روحي، وأحلم بالزواج من أجمل بنات القرية، ولم أشك لحظة في أنّها هي الأخرى تستبعد احتمالات الزواج بي. الحقيقة ربما كانت تريد أن يأتي الأمر مني، وربما كانت لا ترى في نفسها الكفاءة، أو الجمال، أو ما يطلبه الرجال من النساء. كانت معروفة بخشونتها، وإن كانت خشونة مقصودة ومفتعلة. وكانت معروفة أيضاً بحدتها في التعامل مع رجال المدينة والقرية ممن يبدون إعجابهم بها كأنثى. لم يعرف أي منا ما تريده هذه المرأة. لذلك كنا نتعامل معها فقط بما تظهره لنا، وما تصرح به. ولم يجرؤ أحد على الخوض في شأنها الخاص. البعض كان يراها مجنونة، واعتبرها البعض الآخر ممسوسة أو تسكنها روح مذكرة، لذا صاروا يلقبونها بالحاجّ، الحاجّ عزّية.
– لقد حكمتم عليها جميعاً بالنفي بسبب هويتها، ولم تمانع هي، بل انساقت أمام أحكامكم في إذعان مثير للرعب. ألم تقاوم؟ إنت شاهد على تحوّلها القاسي هذا، حدثني أكثر عن رحلة التحول. كيف تحولت من تلك الفاتنة الغريرة المعتدة بنفسها، إلى هذه المتخلية عن هويتها، الراضية بقدرها، القاسية على نفسها؟ ما هو العامل الأقوى الذي حرّك رياح هذا التغيير؟ ما هي الأدوات؟ وما هي الدوافع؟، لا أتحدث هنا عن عزّية وحدها، بل عن المجتمع الذي تغير من حب عزّية الفتاة المثالية إلى لا مبالاة بما يحدث في حياتها من محن وأزمات؟ كيف لم يحرك المجتمع ساكناً ليمنع هذا التحول الآثم أن يذهب بأجمل ما في عزّية وبلدتكم، ويزيد من مسوخها واحداً جديدًا ينكأ في جرحها وجرحكم كل يوم، مع فرق بسيط أن جرحها ينزف كل مرة، وجروحكم متقيحة مخدرة ماتت أعصابها. ألا ترون في عينيها نظرات الألم كل يوم؟ أنا كنت أراها، أحيانًا تلمع عينيها ألمًا مثل الجمر المتقد لشاي الصباح وزلابية الشتاء الشهية، وتنطفيء في أحيان أخرى لتصبح كرماد في منزل أيتام، لا يجدون ما يشعلون به ناراً لعشاء هزيل في شتاء لا يعرف الرحمة. حتى أن عينيها تكتسي لون الرماد فعلاً، تصبغات قد تشي بزيادة الكوليسترول أو حتى زحف الغلوكوما خلسة إلى عينيها الدافئتين.
يطرق علي في حيرة حزينة…
– أنا أعتذر يا علي لم أنتبه وصببتُ عليك مطر مشاعري الحامض كله، مع أنك لست المسؤول الوحيد في هذا، هي مسؤولية الجميع.
– لا عليك. إنها تساؤلات مشروعة، كل الأمر إني لم أكن مستعداً لها الآن، لكن صدقيني حدث هذا التحول تدريجياً، فكنا نستخف بخطواته الوئيدة كخطى عسكر يفتحون مدينة وينسحبون من أخرى، لن يعود الحال كما هو بالطبع، فهم ما أن يدخلوا مدينة ما حتى يغيروا مصيرها بين ليلة وضحاها، ولكني أعترف، لم يحدث تحول عزّية بين ليلة وضحاها، لكنه حدث خلسة في غفلة منا جميعاً. لم نكن نفكر بعمق ولم نكن حاضري الذهن ونحن نعيش حياتنا الخاصة حتى، ناهيك عن حياة الآخرين وإن كانوا أحب أحلامنا إلينا. سرقنا هذا التحول ببساطة، لا ينبغي أن أتحدث عن الجميع، فلكل قصته الخاصة مع تحولات عزّية. أعترف الآن وكلي ألم غير ذي جدوى، ألم فظيع قد لا يترك لآلام عزّية مجالاً لأن تنطفيء مرة أخرى من هول حدته واتقاده. أرى الآن هذا البحر أحمر اللون ليس بسبب الطمي الذي تثيره التيارات الناجمة عن الفيضان الوشيك، بل بسبب حرقة روحي التي تفيض هي الأخرى من نوافذها الأبدية عبر محجري هاتين العينين اللتين عرفتا عزّية، وشهدتا في غفلة مني مسيرة التحولات المختلسة، رغم ضجيجها المدوي الذي لم يصم آذان بلدتنا فقط بل العالم وربما الكون كله، في هذا الزمان، وغيره أيضاً. فُتحت قبة السماء لا شيء يتوارى، بل كل في فلك يسبحون.



