الكاميرا في موقف حرج

الكاميرا في موقف حرج

آية سنادة

أكثر ما أفتقده خلال نزوحي، هو مشاوير التصوير (photo walks)، في الخرطوم. مشاوير مشيتُها مع أصدقاء مُصوّرين، حتى قبل أن يُصبح التصوير وسيلتي للتعبير بسنوات. أرى أصدقائي يقفون مثل صياد متربص بفريسته، ويمشون بصورة عادية ثم، فجأة، يَخفّون الخطى أو يتوقّفون لثوانٍ معدودة، قبل أن يُواصلوا سيرهم مجدداً. ثم امتلكت كاميرا، وسرتُ بعد ذلك في مشاوير التصوير تلك لسنوات وحدي دون خوف أو قلق، أقطف ثمار التكوين مكتمل العناصر للمدينة والشارع (من غير الضروري أن يكون الموضوع جميلاً، فالخرطوم حينها كانت قبيحة جداً من كل النواحي، وما زالت، إلى أن اندلعت الحرب).

اللقطات التي تظل عالقة في ذهني بوصفي شخصاً يَهوى تصوير الشارع، هي اللقطات الاستثنائية التي خانتني الظروف ولم ألتقطها حينها. حدثت تلك اللحظات عدة مرات منذ أن امتلكت كاميرا، وحين تحوَّلتُ للتصوير بالهاتف المحمول، ثم عودتي للكاميرا مجدداً.

خنتُ توثيق اللحظة، في بعض الأحيان، إما لعدم انتباهي، أو لغرَقي في جمالية الموقف نفسه، أو لأسباب تخص سلامتي الشخصية. رافقتني الأخيرة منذ بروز ظاهرة تسعة طويلة (النهب بالدراجات النارية)، في المشهد الأمني للخرطوم. صرتُ أخاف إبراز الكاميرا أو الهاتف في شارع مزدحم. كان العبور سيراً على الأقدام في صينية السوق المركزي أسوأ كوابيسي في الصحو. بالتأكيد، تضاعف ذلك الشعور مع اندلاع الحرب في الخرطوم منذ حوالي الأربعة عشر شهراً، حيث ضمت كوابيسي الآن احتمالية القتل، أو العنف الجسدي أو الاختطاف. لم أُحسِن التقدير عند بداية الحرب، حين تركت خلفي كل الصور المطبوعة، وحاسبي الآلي، ووحدة التخزين الخارجية على أمل (يوم يومين ونرجع). لم أعد أملك بعدها، ولشهور عدة، إلا هاتفي النقال، والصور التي عليه والصور على الإنترنت.

إليكن/م خطتي التي أنفذها دون تفكير: في كل مرة نضطرُّ إلى النزوح بعد هجوم قوات الدعم السريع علينا: أقفل هاتفي وأنزع شرائح الاتصال، أرتدي طبقات عديدة من الملابس، ثم أضع الهاتف في حافظة مع جواز سفري تحت الطبقتين الخارجيَّتَيْن. نجحت هذه الخطة مرتين. لا أخاطر بفقدان هاتفي لأنه يحوي أرقام الأهل والأصدقاء وتطبيق البنك، وبالتأكيد النسخ الأخيرة من الصور التي كانت يوماً ما حياتي.

يتملّكني، دائماً، شعورٌ بالتقصير والخزي، عندما أرى كمَّ الانتهاكات التي نتعرَّض لها كمواطنين سودانيين منذ بدء الحرب، دون أن أشارك في توثيقها. تدور الخاطرة في رأسي بمجرد وصولي لأول نقطة أمان بعد مناطق النزاع. أعلم أن تصويري لأي شيء قد يُساوي فقدان حياتي. يُراودني أحياناً حلم أن أكون مصورة صحفية أنقل الصورة كما حدثت؛ لكن، في الحقيقة، لستُ شجاعة إلى هذه الدرجة. يخفُّ تأنيب الضمير قليلاً عند رؤيتي أصدقائي المُصوّرين الذين لم يغادروا بيوتهم، وهم يملأون حوائطهم في وسائل التواصل الاجتماعي بصور تُوثّق ما يحدث، أذكر منهم مصعب أبو شامة وصوره من أم درمان. (الحمد لله هناك من يقوم بالواجب). رغم قلة الصور المنشورة، ودرجة الاحترافية التي لا تتناسب مع صور وكالات الأنباء العالمية، إلا أن الصورة تظل تتحدّث عند عجزنا عن الكلام أحياناً، وعند انشغالنا بصدماتنا ومحاولات التعافي، تكون دليلاً كافياً لنُعيد النظر إليها فيما بعد، وللأجيال القادمة. لكن لحداثة التجربة، فإننا جميعاً في طور تعلم وتحسّس وضعنا الأمني الجديد. فالحرب لا تشبه تظاهرات ثورة ديسمبر، ولا الاعتصام وفضه، ولا انقلاب أكتوبر. لن ننسى أن العديد من المصورين عرَّضوا أنفسهم لخطر الموت، وهم يوثقون لهذه الاحتجاجات وقمعها الوحشي، كفائز أبو بكر وصوره التي كانت في خط تماس مع الخطر، توثق انتهاكات الحكومة الانتقالية والمجلس العسكري ضد الثوار. لكن كنا في نهاية يوم حافل بالعنف نعود إلى منازلنا وحياتنا اليومية.

لنعد إلى البداية لأحكي لكم عن صورة لم ألتقطها، وظلت عالقة في ذهني منذ فترة التظاهرات أثناء ثورة ديسمبر. أطفال في الكلاكلة شرق يرصّون طوب بناءٍ في صف طويل يمثل سيارات في ازدحام لملء الوقود، ويهتفون هتافات الثورة ضد أصحاب محطة الوقود الذين هم أصدقاؤهم. شعرتُ بالأسف حيالهم، وكيف ينقلون ضيق الشارع العام إلى ساحة لعبهم. واصلتُ سَيْري دون الالتفات إليهم مجدداً. لم تكن طفولتي التي تزامنت مع سنوات الإنقاذ الأولى عرضة لأي ضغوط، لا أذكر أن لعبي اهتم بالحصار الاقتصادي، أو الكشة (الخدمة الإلزامية وزج الفتيان إلى الحرب)، أو الأزمات الاقتصادية المُتتالية. لأصادف هذه الطريقة التي تقتحم عالم الكبار وتستعير من أفكار وأدوات اللعب.

في العيلفون، مع (بركات) ذي التسعة أعوام، الذي كان يقود أصدقاءه في لعبة الحرب، ينقسم الجميع إلى فريقين، أحدهما الجيش والنصف الآخر الدعامة، ويبدأ القتال. صنع بركات، بعد محاولات اقتحام العيلفون من قبل الدعم السريع في الشهور التي سبقت سقوطها، أسلحة (دبابات ومدرعات وطائرات) من الطوب والطين، ووضعها في حوش الضيوف وسط اعتراض بعض من أسرته، واندهاش بعض آخر من خياله الخصب. لم أغفل هذه المرة التقاط صور له ولجيشه، مع شعوري بالأسف والعجز، لأن يمر بتجربة الحرب هو وكل أطفال السودان. عندما طُرحت فكرة هذا العدد (عسكرة الدولة)، لم أفكّر في شيء أكثر مناسبة لها من عسكرة أدمغة الأطفال.

لكن هل يمكن أن تخرج عدستي المحاصرة في وضع حرج من خوفها لتوثيق اللحظة كما يجب؟ أم أتجنب تبعات ما قد يحدث لي في حال تم ضبطي وأنا أضغط زرها؟ هذه الـ (Dilemma) أو المعُضلة التي أقف أمامها، أنجاتي وغضي الطرف أنانية مني؟ أم أن سلامتي الشخصية أولوية فردانية؟ وأكاد أجزم أن كل أصدقائي المصورين يمرون بنفس هذه المعضلة في رحلة نزوحهم، لجوئهم أو حتى اختيارهم البقاء في أماكنهم.

على كل حال، ربحت ضرورة التوثيق في معركتين فقط. صف التفتيش في ارتكاز للجيش (مظهر تأميني من مظاهر الحرب في السودان)، خلال رحلتنا من بورتسودان صوب مدينة دنقلا، حيث يُطلب من الرجال إنزال حقائبهم بغرض تفتيشها، والتأكد من صحة أوراقهم الثبوتية والتحري معهم. ومرة ثانية في مدينة بورتسودان، تصوير خياطة زيّ شرطي في السوق الكبير أمام أعين المارة. لا بد وأن مصنع الزي العسكري في الخرطوم قد دُمّر.

المقالات +

فنانة بصرية وكاتبة