كيف نفهم العدالة الاجتماعية من منظور نسوي؟

كيف نفهم العدالة الاجتماعية من منظور نسوي؟

دعاء طه

 

يتفحص كتاب ”كيف نفهم العدالة الاجتماعية من منظور نسوي؟“ أسئلةٍ تتعلق بقضايا نسوية متنوعة ومتباينة يربط فيما بينها خيط ناظم، يتمثل في سؤال العدالة الاجتماعية وتقاطعاته، والكيفية التي تعمل بها الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية (الأبوية – الرأسمالية – والنيوليبرالية) في قمعها وتأطيرها والهيمنة عليها. صدر الكتاب في 2024 عن جمعية لينا بن مهني، وهي جمعية نسوية تونسية أنشئت منذ خمسة سنوات تخليداً لذكرى المدونة والناشطة التونسية الراحلة لينا بن مهني (1983–2020) التي كانت رمزاً للثورة التونسية.

نقد الرأسمالية من منظور نسوي

عبر 14 مقالة لكاتباتٍ وكُتّاب بالإضافة لـ ”ملحق نظري لفهم الرأسمالية من منظور نسوي“ يُركب الكتاب عدساتٍ تحليلية نسوية تُعيد التفكير في أسئلة العدالة الاجتماعية، والتحديات الهيكلية ودورات العنف التي تقف عائقاً أمام تحققها في الفضاء الاجتماعي المعيشي، سواء خارج المنزل في فضاءات العمل الاقتصادي المدفوع أجره أو غير المدفوع داخل المنزل، كالعنف الواقع على النساء الفلاحات العاملات في الريف التونسي، إذ تتقاطع أنظمة الرأسمالية والأبوية في خلق ظروف عمل غير إنسانية. ففي مقال أميرة الظاهري ”الفولارة التي لن نلبسها أبدا“ يسلط الضوء على العنف الاقتصادي الواقع على النساء العاملات، واللاتي يشكلنْ %58 من الأيدي العاملة في الريف و %35 من مجموع النساء التونسيات، لكن بالرغم من ذلك يوجد خلل بنيوي في سياسات الدولة تجاه قضاياهن ومعاناتهن اقتصادياً واجتماعياً وصحياً. فدائماً ما تُقدم حلول سطحية أشبه بإن ”يدافع العالم عن حقّك في الذهاب إلى حبل المنشقة ولكن ببدلة فاخرة، أو أن تًخلّصك الدولة من عبء الضرائب ولكن بعد أن تموت“. فمثلاً استبدلت الدولة الشاحنات التي تقل الفلاحات بحافلات، بدلاً من النظر إلى المشاكل البنيوية في بيئة العمل والأجور، علاوةً على الانتهاك والاستغلال للنساء من قبل ملاك الأراضي.

تتجلى مظاهر هذا الاستغلال بصورة أكثر كثافة في مقال نعيمة بن منصور ”ثلاثة نساء من نفزاوة“ إذ تتضح عمليات الهيمنة والاستغلال التي تعيشها النساء تحت وطأة النظام الأبوي. تعامل النساء كممتلكات للرجل ولا يدفع لهنْ مقابل عملهنْ في الأراضي المملوكة لرجال العائلة، بحجة أن هذا العمل ما هو إلا امتداد للعمل داخل المنزل، غير المدفوع هو الآخر. لكن عبر المقاومة اليومية، اقتلعت بعض النساء حقهن في العمل المأجور في مزارع أخرى، ما أدخلهنْ أيضاً تحت وطأة نظام رأسمالي استغلالي تمثل في ملاك الأراضي، الذين استغلوا حاجة النساء للعمل ليهيمنوا على أجسادهن، فمن خلال تشابك الرأسمالية مع الأبوية تولدت ظروف عمل بالغة القسوة، لا توفر للنساء الحد الأدنى من احتياجاتهن الاقتصادية والصحية، من خلال امتصاص دماء النساء الفلاحات، عبر التمييز في الأجور بين الرجال والنساء برغم أن النساء يقمن بالعمل الأكبر. كما تُظهر المقالة أيضاً الديناميات التي يتقاطع فيها الاستغلال والهيمنة على النساء مع عوامل الطبقة والعرق، تظهر أيضا علاقات العمل الإقطاعية التي يستثمر فيها مالك العمل جهد النساء ووقتهن للعمل في منزله ومن أجل خدمة أفراد أسرته أيضا بشكل مجاني.

الرعائية عاطفة المرأة وليست عملاً!

لكن الاستغلال لا ينتهي أو يتحدد في فضاء العمل في الواحات الزراعية فقط، بل وبعد انتهائه، وبعد وصول النساء إلى منازلهن ”تبدأ دورة جديدة من العمل غير المرئي وغير مدفوع الأجر“. وهذا ما ينقلنا إلى مقال ”اقتصاد العاطفة أو الأعمال غير مدفوعة الأجر“ لفاطمة محجوبي، والذي يتوسع في مفهمة ليس فقط العمل الرعائي الذي يقدمنه النساء في فضاءات المنزل، بل يستكشف كيفية عمل النظام الأبوي وطرق شرعنة هذه الهيمنة، من خلال ترسيخ مفاهيم أن العمل الرعائي نابع من عاطفة ترتبط بالنساء واهتمامهن بالآخرين، وبذلك تتحالف الرأسمالية والأبوية في تنميط العمل الرعائي جندرياً وقصره على النساء وعاطفتهن، لتصبح العاطفة أمراً غير قابل للتسيس، فعلاوةً على عمل النساء الاقتصادي خارج المنزل، تضاف طبقة جديدة من العمل الرعائي غير المدفوع داخل المنزل. ومسألة تسييس المشاعر هي ما تناوله مقال شيماء تليلي ”نحو مشاعر مسيسية“ في إبرازه للكيفيات التي تعمل بها الرأسمالية وأنظمة الهيمنة، متمثلة في الأبوية، وفي انتزاع مشاعر النساء من سياقاتها التاريخية والاقتصادية والسياسية، وموضعتها كهويات فردية مجزأة للسيطرة عليها.

وقد يبدو لأول وهلة أن ممارسات الرأسمالية هي ممارسات سياقية، إلا أنه ومن خلال استعارة مفهوم ”أثر الفراشة“ واصلت مقالات الكتاب لفت النظر إلى أثر التحولات الكبيرة في أنظمة الاستغلال العالمية والتي تنعكس وتؤثر على حياة النساء اليومية؛ كالنيوليبرالية والتي حاول العالم طرحها كخيار أفضل وحيد، مما دفع بمبررات للسماح بالاستغلال المفرط للموارد الطبيعية ليؤدي ذلك إلى تدمير المناخ والبيئة، حيث يطرح المقال كيف أثرت هذه التغيرات في المناخ على المهمشين والمهمشات، وهو ما يتقاطع مع مقال آية سالمي ”أنظمة القهر في ظلال البيوت المكيفة“. والتي تفند فيها مسألة البيوت المحمية كبديل في ظل التغير المناخي، وتبرز تأثيرها على صحة وسلامة النساء الفلاحات في الريف التونسي، بدءاً من تصميمها واستخدام المبيدات المفرط وظروف العمل داخلها، والتي تدفع تكلفتها النساء بصمت ومعاناة غير مرئية.

تداخل الهوية الجندرية مع العدالة الاقتصادية والحق في الصحة

يبرز سياق المعاناة غير المرئية هذا في فضاء آخر وعابر للأجيال، وهو مسألة وقضية ”الإرث“ في تونس وكيفية توزعه وتشكل الوصاية حوله، الأمر الذي تجلى في سرد الكاتبة لحكايات نساء من أجيال مختلفة في عائلتها، ما يتماشى مع التنظير النسوي حول حرمان النساء من الميراث كرغبة ووسيلة للنظام الأبوي لمراكمة المال والسلطة لصالح الرجال. لكن ”مقاومة النساء لأنظمة القهر هذه على مستوى العائلة قد خلق تراكم ساهم في تغيير حياة النساء مستقبلاً“ كما أشارت تَمُوطَف في مقالها ”هذه وصيتي، وصية أمي“.

وبينما تعمل أنظمة القهر والهيمنة على تشكيل واقع معاناة النساء، فإنها تحاول في ذات الوقت تقديم حلول مخادعة دون معالجة الأسباب الجذرية. مثل طرح سياسة القروض الصغيرة كحلٍ لمعالجة الهشاشة الاقتصادية للنساء، وهذا ما تناوله تحليلياً مقال ”الثقب الوردي: في أروقة التمكين الاقتصادي للنساء“ لعزيزة الفاخر، في نقدها لبرامج القروض الصغيرة، بوصفها آليةً من آليات التوسع الإمبريالي التي تبنتها الدول الفقيرة والتي ترسخ للنظام القائم الذي يخدم البرجوازية، كما تساهم سياساته في تعزيز الهشاشة الاقتصادية للنساء بتونس. وتناول المقال ايضا كيف تتحالف هذه الأنظمة لتجبر النساء إلى اللجوء لحلول مثل (سياسة القروض) والتي تزيد من افقارهن، بل وتحملهن مسؤولية الفقر كما جاء في النقد الذي قدمته كل من سيلفيا فيديريتشي ونانسي فريزر وتيتي بتاشاريا في كتابهنّ «نسويّة من أجل 99.9%).

اشتغلت مقالات الكتاب كذلك على معالجة قضايا العنف المرتبطة بالجنس وبالهويات الجندرية وتقاطعاته مع أنظمة القمع والهيمنة؛ بداية من تناول فقر الدورة الشهرية، مرورًا بالعنف الطبي أثناء عمليات الولادة، حيث تبرز أنساق عنف تشكل واجهه لترسيخ الرأسماليه بأشكال مختلفة؛ إذ يسلط مقال شاهيناز بومية ”الدورة الشهرية كواجهة لترسيخ الرأسمالية“ الضوء على الوصم بالعار الذي يحيط بالدورة الشهرية، وكيفية تأثير ذلك على نظرة النساء لأجسادهن، وتعاطي الآخرين معهن، وأجسادهن، ودورتهن الشهرية كحدث يجب اخفاءه والسكوت عنه، لتخوض النساء معركتهن مع فقر الدورة الشهرية بصمت تام.

يُشير مصطلح فقر الدورة الشهرية لمعاناة النساء اللاتي يمررن بتجربة الحيض، ويعانين من عدم الحصول على منتجات الدورة الشهرية والخدمات الصحية. وقد وضحت الكاتبة أن مفهوم فقر الدورة الشهرية في جنوب العالم يعكس أبعاداً أعمق؛ كحرمان الفتيات من التعليم وتعزيز الفقر والتبعية. وهو ما اتفق معه وأراه قد كان محركاً لظهور حراكات نسوية تهتم بقضية الحيض والدورة الشهرية، مثل مبادرة ”فوطة تسد الخانة“ بالسودان، والتي تعالج نفس القضية من منظور نسوي في السياق السوداني. المسألة الأخرى المهمة التي تشتغل عليها الكاتبة هي كيفية تعامل النظام الرأسمالي مع منتجات الدورة الشهرية كسلع غير أساسية وحياتية، عبر تقديمها وعرضها كسلعٍ ربحية مما يزيد عبء الحصول عليها.

لم يغفل المقال تناول تقاطعية معاناة الدورة الشهرية مع هويات محددة كالرجال العابرين جنسياً، في ظل عدم اعتراف ثقافات معينة بهذه الهويات، وهو ما يتمظهر بصورةٍ أوضح في مقال حكيم ”الخروج من الخزانة وإعادة تشكيل الهويّة“ إذ يستكشف في كتابته العنف الموجه ضد هويات جندرية محددة في سياق تونس، وكيف تتحكم الأنظمة في طريقة الأفراد للتعبير عن هوياتهن/هم عبر إسقاط نموذج كويري أبيض وقوالب في شكل جديد من أشكال الاستعمار الثقافي. فتح المقال أيضاً نقاشاً جديداً حول تأثير الاستعمار على الهويات الجندرية وخلق معاداة وقطيعة بينها وبين ثقافاتها.

مهننة النسوية

وتجدر الإشارة إلى أن ممارسات العنف لا تتوقف على أجساد النساء خلال الدورة الشهرية فقط، بل تتعداها إلى الإنجاب، وتحديداً أثناء عمليات الولادة، وهو المحور الذي تتناوله ريتا هلايلي في مساهمتها ”مشرط حاد: عن العنف الطبّ أثناء الولادة وبعدها“ والذي يبرز العنف أثناء هذه العمليات كتآمر للأنظمة على النساء، ومحاولة الهيمنة على أجسادهن؛ خاصة النظام الرأسمالي المسيطر على القطاع الصحي، والذي يفرض على النساء الحوامل، في أحيانٍ كثيرة الخضوع لعمليات قيصرية دون حاجة طبية فعلية لها، وذلك بغرض الربح والترويج للرضاعة الصناعية كخيار مثالي للأمهات.

مع طرح كل هذه القضايا جاء مقال زينب هاجر النحالي ”نسوية كويرية من أجلنا جميعاً“ ليعبر عن حاجة الفضاء النسوي لنسوية تستوعب وتفكر في الجميع. يطرح المقال تساؤلات ويقدم تحليًلا حول كيف ساهمت النيوليبرالية، في تشكيل طرق النضال النسوي، والتأثير على النسوية بحصرها في إطار تحدده المنظمات المانحة، أطلقت عليه الكاتبة ”مهننة النسوية“. يطرح المقال أيضا سؤالاً مفتاحياً ومُهماً حول أن ”النســويّة الكويريّــة في تونس عالقــة بيــن نســويّة مؤسّســاتيّة ليبيراليــة لا تتــلاءم مــع هويّتنــا الجنوبيــة المعادية للاستعمار، وبيــن يســار أرثودوكســي غيــر قــادر علــى اســتيعاب ذواتنــا بتعدديتهــا. فــأيّ مــكان لنــا فــي خضــم الصــراع ضــد الســلطة، وضــد الإمبرياليــة وضــدّ الأبويــة؟“ وهو سؤال لا يخص سياق تونس فقط بالتأكيد.

اختتم الكتاب صفحاته بثلاثة مقالات تناقش محاولات أنظمة الهيمنة تقييد نضالات النساء ضدها، ابتداءً بمقال آية غريسي ”الحجب والتغييب: العنف الموجه ضد الكاتبات“، حيث تقبع الكاتبات بين مطرقة النظام الأبوي الذي يحاول وضعهن في قوالب محددة واسكات أصواتهن بمنعهن عن الكتابة، وسندان الرأسمالية التى غزت سوق دور النشر بوضع معايير للنشر تتماشى مع معايير المجتمع الأبوية، التي تمنع الكتابة عن الظلم الذي تتعرض له النساء، لأن الأنظمة تعلم أن الكتابة هي أداة للمقاومة، واعادة كتابة تاريخ مضاد للتاريخ الرسمي المهيمن كما ذكرت الكاتبة. ويأخذنا هذا السياق إلى مقال رائد طعم الله المعنون ”مطرقة الُمهمّشين: في هدم السرديّات الُمهيمنة“ والذي يبحث في الفضاءات البديلة التي تخلقها الأقليات بعيداً عن السرديات المهيمنة، وذلك من أجل كتابة ذواتها الجماعية هناك، ومع أهمية الطرح الذي يقدمه المقال، إلا أنه لم يُأشكل الدينامية التي تعمل بها السلطة وسردياتها المهيمنة على ابتلاع محاولة تأتي من الهامش/ مجموعات الأقليات للتعبير أو تمثيل نفسها.

لكن، بالرغم من نجاح أنظمة الاستغلال والقمع في تشكيل واقع سيئ للنساء ومحاولاتها التلاعب بنضالاتهن، إلا أنها فشلت في إسكات خيالهن النسوي بعالم يؤمن بالحقوق والعدالة، وهذا ما جاء في المقال الأخير في الكتاب لبرهان شيحاوي ”والآن، تخيل معي..“ وفيه يأخذنا في رحلة تُخيل مستقبل نسوي يتساوى فيه الجميع وتتحقق فيه العدالة، مستقبل خالي من الأنظمة الرأسمالية الذكورية والعنصرية وكل أشكال الهيمنة والاستغلال، والخيال في المقال ليس لجعل الأمر حلم بعيد المنال بل هدف يمكن تحقيقه.

تسييق النضال النسوي

شكلت مقالات الكتاب مجتمعة إجاباتٍ متنوعة لسؤال الكتاب حول كيف تفهم التونسيات العدالة الاجتماعية من منظور نسوي. 14 مقالة كانت بمثابة مرايا تمكنتُ من خلالها رؤية بعض مناطق العنف الاقتصادي الواقع على النساء التونسيات من مناظير نسوية تقاطعية مختلفة، وأعتقد أن هذا ما يضفي ميزة للكتاب من خلال خلقه مساحة عكست منظور العدالة الاجتماعية من تجارب ومواقع مختلفة للنساء، يقودني ذلك إلى التفكير في الكتاب كمحفز للفاعلات النسويات في المنطقة العربية والإفريقية، وإسهامات الكتابة عن واقع النساء في مناطقهن، للمساعدة في فهم كيف تعمل أنظمة القمع والهيمنه في تلك المناطق، كونها تشتغل وتؤثر بشكل تقاطعي مع ظروف وأنظمة الدولة الداخلية وما تعيشه النساء داخلها. كما أخذني إلى حدث موت فلاحة سودانية في مزرعة بمنطقة جنوب كردفان وأنا أقرأ كل المقالات التي تناولت قضايا الفلاحات التونسيات. إن فهم كيف تعمل الأنظمة في سياقات مختلفة يساعد الحراكات النسوية على تطوير آليات وخطابات النضال للتتبع بها تأثيرات هذه الأنظمة، وأخيرا أعتقد أن الكتاب يشكل محفز للكتابة وتوثيق واقع وتجارب النساء، عبر استلهام الماضي والحفر في الحاضر، وتشكيل إرث تلتقطه الأجيال القادمة.

دعاء طه
المقالات +

ناشطة نسوية سودانية مهتمة بالعمل القاعدي وتطوير المعارف النسوية، عضوة مؤسِسة لجمعية تاء التأنيث النسوية، ومسؤولة مكتب البرامج بالجمعية، تدرس لنيل درجة الماجستير في دراسات النوع والتنمية من جامعة الاحفاد