تسطيح الخطابات النسوية وصناعة نسوية الامتياز
ترتيل عثمان
حين لا يعني الانتشار تحرّرًا
شهد الخطاب النسوي خلال السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا في الإعلام والمنصات الرقمية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية. غير أن اتساع هذا الحضور لا يعني بالضرورة تعمّق المشروع النسوي أو قدرته على إحداث تغيير فعلي. ففي بعض السياقات، قد تصبح النسوية أكثر ظهورًا وقبولًا، بينما تنفصل تدريجيًا عن أسئلة الفقر والطبقة والعسكرة وتوزيع الموارد والسلطة.
تكمن المفارقة في أن الخطاب النسوي قد يكتسب شرعية وانتشارًا أوسع من دون أن يغيّر بالضرورة الشروط التي تنتج عدم المساواة بين النساء والرجال، أو بين النساء أنفسهن. بل قد تُعاد صياغة بعض المطالب النسوية بما يجعلها أكثر توافقًا مع أولويات الدولة أو المؤسسات المانحة أو منطق السوق، وأقل قدرة على مساءلة علاقات القوة القائمة. وفي هذه العملية، لا تتساوى جميع الأصوات في فرص الوصول إلى الموارد والمنابر والاعتراف، بل تكتسب بعض الفاعلات قدرة أكبر على تحديد الأولويات والتحدث باسم النساء، ومن هنا يبرز ما يمكن تسميته «صناعة نسوية الامتياز».
تنطلق المقالة، إذن، من سؤال بسيط: ماذا يحدث للنسوية عندما يصبح التمثيل والظهور والتمكين غايات في ذاتها، منفصلة عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية؟ وللإجابة، تستعين المقالة بمفهوم «الفيموقراطية» نقطة انطلاق لفحص الكيفية التي يمكن بها استيعاب بعض المطالب النسوية وإعادة صياغتها داخل الدولة والمنظمات والمنصات الرقمية، بما قد يجعل النسوية أكثر حضورًا، ولكن أقل قدرة على تغيير علاقات القوة.
الفيموقراطية كأداة تحليل نسوي
استخدمت الباحثة النسوية أمينا ماما مفهوم «الفيموقراطية» (Femocracy) في تحليلها للعلاقة بين النساء والدولة في نيجيريا خلال الحكم العسكري، للإشارة إلى نمط من الحضور النسائي المرتبط بمراكز السلطة، لا بحركة نسوية مستقلة أو قاعدة اجتماعية واسعة. وأظهرت كيف يمكن لصعود نساء من النخبة إلى مواقع النفوذ، وتبنّي الدولة خطابًا عن تمكين النساء، أن يمنحا السلطة مظهرًا تقدميًا من دون أن يؤديا بالضرورة إلى تغيير مادي في حياة غالبية النساء.
تكمن أهمية المفهوم في أنه ينقل السؤال من مجرد حضور النساء في مواقع السلطة إلى طبيعة هذا الحضور وآثاره: هل يوسّع قدرة النساء، ولا سيما الأكثر تهميشًا، على الوصول إلى الموارد وصنع القرار، أم يكتفي بإدماج قلة منهن في بنية تظل قواعدها على حالها؟ وهنا قد يتحول التمثيل من وسيلة لتغيير علاقات القوة إلى بديل عن تغييرها.
ولا تستخدم هذه المقالة «الفيموقراطية» وصفًا جامعًا لكل أشكال النسوية المؤسسية أو الممولة أو الرقمية، بل تستفيد من السؤال الذي يطرحه المفهوم: متى يصبح حضور النساء أداة لتغيير علاقات القوة، ومتى يتحول إلى مصدر للشرعية أو الظهور من دون تغيير جوهري؟ ومن هذا السؤال تنطلق المقالة لفحص آليات مختلفة قد تسهم في تسطيح الخطاب النسوي وصناعة الامتياز داخله.
السياق السوداني: ما بعد الثورة وإعادة تشكيل الحقل النسوي
شكّلت ثورة ديسمبر 2018 لحظة فارقة في الحضور السياسي للنساء في السودان. فقد شاركت النساء بكثافة في الاحتجاجات والعمل القاعدي والتنظيم داخل الأحياء والجامعات والمجتمعات المحلية، ولم يكن حضورهن مجرد إضافة عددية إلى حركة الاحتجاج، بل جزءًا أساسيًا من بنيتها السياسية والاجتماعية. ومع سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 وبداية المرحلة الانتقالية، اكتسبت قضايا النساء والتمثيل الجندري حضورًا أكبر في المجال العام، وبرزت مطالب بزيادة مشاركة النساء في مؤسسات الحكم وصنع القرار.
لكن الانتقال من الثورة إلى الحكم الانتقالي غيّر أيضًا شروط إنتاج الخطاب النسوي. فمع توسع المجال المدني وتزايد اهتمام المؤسسات الدولية والجهات المانحة بقضايا النساء والسلام والمشاركة السياسية، أصبحت بعض أشكال العمل النسوي أكثر قدرة على الوصول إلى التمويل والمنابر ودوائر صنع القرار. أتاح هذا الانفتاح موارد وفرصًا جديدة، لكنه أسهم أيضًا في إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحقل النسوي، ومنح بعض القضايا والأصوات قدرة أكبر على الظهور والاعتراف من غيرها.
في ورقتهما البحثية المهمة، تجادل الباحثتان ميادة حسنين وسيراف صديق أن الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر (2018-219)شهدت توسعًا في تعبئة المجموعات النسوية من أجل الحق في المشاركة السياسية وتمثيل النساء، غير أن القضايا المتعلقة بالعدالة الاقتصادية ظلت مهمشة ولم توضع في صميم تلك الحراكات.
ازدادت أهمية هذه المسألة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، التي عمّقت الفقر والنزوح والعنف وفقدان سبل العيش، وأعادت تشكيل منظومة العمل المدني والإنساني والتمويل الدولي. وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بمواجهة بين نسوية «نخبوية» وأخرى «قاعدية»، بل بفهم الآليات التي تصنع الامتياز داخل الحقل النسوي نفسه، وتمنح بعض الأصوات قدرة أكبر على تحديد الأولويات وتمثيل تجارب النساء. ويمكن تتبع هذه الآليات، وإن بصور مختلفة، في عمل المنظمات ومؤسسات الدولة والمنصات الرقمية.
نسوية المنظمات: حين يُعاد ضبط النسوية عبر التمويل والبيروقراطية
في السودان، كما في سياقات أخرى يعتمد فيها جانب كبير من العمل المدني على التمويل الخارجي، تحتل المنظمات النسوية موقعًا مهمًا في الحقل النسوي، إذ توفر مساحات للعمل الجماعي وموارد لدعم قضايا قد يصعب العمل عليها في غياب التمويل. لذلك، لا تكمن المشكلة في وجود المنظمات أو تلقيها التمويل، بل في الشروط التي تحكم هذا التمويل وأثرها في تحديد الأولويات وحدود ما يمكن قوله وفعله.
فحين يتحول العمل النسوي إلى مشروعات محددة المدة والأهداف والمخرجات، تصبح القضايا مطالبة بأن تكون قابلة للتمويل والقياس والتوثيق. وقد يؤدي ذلك إلى اختزال مشكلات بنيوية، مثل التفاوت الاقتصادي والعسكرة وتوزيع الموارد، في حلول تقنية تقوم على التدريب والتوعية و«بناء القدرات». وهكذا، لا تختفي لغة التغيير، لكنها قد تُفرغ من بعدها السياسي، فيصبح التمكين عددًا من النساء المشاركات في ورشة، بدلًا من تغيير علاقات القوة التي تحدد من يملك الموارد والقرار.
كما تعيد هذه المنظومة ترتيب مواقع الفاعلات أنفسهن. فالوصول إلى التمويل والمنابر يتطلب إجادة لغة المؤسسات، وكتابة المقترحات والتقارير، وبناء العلاقات مع المانحين، وهي مهارات ليست موزعة بالتساوي. ومن ثم، قد تكتسب فئة محدودة قدرة أكبر على تحديد الأولويات والتحدث باسم النساء، فتتحول الخبرة المهنية تدريجيًا إلى سلطة تمثيلية.
وهنا لا يجري إسكات الخطاب النسوي بالضرورة، بل إعادة ضبطه: تصبح بعض القضايا واللغات أكثر قابلية للتمويل والاعتراف من غيرها، ويضيق هامش مساءلة علاقات القوة التي يفترض أن يسعى العمل النسوي إلى تغييرها.
نسوية الدولة: حين يصبح التمثيل مصدرًا للشرعية
لا يمثل وجود النساء في مؤسسات الدولة، في حد ذاته، دليلًا على تحول نسوي، كما أنه لا يعني بالضرورة توظيفهن لخدمة السلطة. فالسؤال يتعلق بطبيعة هذا الحضور وآثاره: هل يوسّع مشاركة النساء في صنع القرار ويعيد توزيع السلطة والموارد، أم يكتفي بإدماج عدد محدود منهن في بنية تظل قواعدها على حالها؟
هنا تظهر الفيموقراطية حين تستخدم السلطة حضور النساء وخطاب تمكينهن دليلًا على التقدم ومصدرًا للشرعية، من دون تغيير البنى التي تنتج التفاوت. لذلك، لا تكمن المشكلة في وصول النساء إلى مواقع القرار، وهو مطلب نسوي أساسي، بل في اختزال التغيير في هذا الوصول، وتقديم صعود قلة من النساء بوصفه تقدمًا للنساء عمومًا.
في السياق السوداني، شهدنا هذا النموذج مرارًا. فبعد أنقلاب الجنرال عبود في 1958، سعت السلطة لتشكيل هيئة نسائية تابعة للنظام، لكن لم تُكلل جهودها بالنجاح. وفي التجربة الديكتاتورية التي تلته، شكّل نظام نميري “اتحاد نساء السودان” وهو تجمع نسائي كان أقرب إلى السلطة. وبلغ هذا النموذج ذروته خلال ثلاثة عقود من حكم الإسلاميين، حيث كان الاتحاد العام للمرأة السودانية ذراعًا للسلطة. وقد عمل هذا الاتحاد بنشاط على التعبئة المجتمعية لصالح النظام، وانحاز إليه في وقت كانت فيه السلطة نفسها تمارس خطابها العنيف وسياساتها القمعية تجاه النساء في مختلف أنحاء السودان.
نسوية المؤثرات: النسوية في اقتصاد المنصات
تتشكل نسوية المؤثرات داخل بيئة رقمية يحكمها اقتصاد قائم على جذب الانتباه وزيادة التفاعل، ما يمنح الرسائل المبسطة والشخصية والقابلة للتداول فرصًا أكبر للانتشار. وفي هذا السياق، قد تُختزل قضايا بنيوية، مثل العنف الاقتصادي والتمييز والعمل غير المدفوع، في سرديات فردية عن الثقة بالنفس والقوة والاختيار.
لا تكمن المشكلة في هذه الرسائل في ذاتها، بل حين يصبح التمكين الفردي بديلًا عن مساءلة الظروف التي تحدد أصلًا قدرة النساء على الاختيار. فالانتشار الواسع يمنح بعض الأصوات قدرة أكبر على تحديد ما يُرى ويُناقش بوصفه قضية نسوية، بينما قد تبقى القضايا الأكثر تعقيدًا أقل حضورًا. وهكذا، قد تصبح النسوية أكثر ظهورًا رقميًا، من دون أن تصبح بالضرورة أكثر قدرة على تسمية علاقات القوة ومساءلتها.
كيف تُصنع نسوية الامتياز؟
على الرغم من اختلاف الدولة والمنظمات والمنصات الرقمية، فإنها قد تسهم بطرق مختلفة في إنتاج تراتبيات داخل الحقل النسوي. فالوصول غير المتكافئ إلى التمويل والموارد والمنابر يمنح بعض الأصوات حضورًا أكبر وقدرة أوسع على تحديد الأولويات والتحدث باسم النساء، بينما تبقى أصوات وتجارب أخرى على الهامش. بهذا المعنى، لا يكون الامتياز مجرد صفة فردية، بل موقعًا تنتجه علاقات القوة نفسها. وتظهر المشكلة حين يصبح الظهور أو التمثيل أو النجاح المؤسسي معيارًا للتقدم النسوي، من دون تغيير مماثل في توزيع الموارد والسلطة. من المهم التفكير في نسوية تُركز على إعادة توزيع علاقات القوة والسلطة.
لا يقود نقد الفيموقراطية ونسوية الامتياز إلى رفض العمل داخل المؤسسات أو الدولة أو المنصات الرقمية، بل إلى مُساءلة الشروط التي تحكم هذا العمل والسلطة التي ينتجها. فالمعيار ليس مجرد حضور النساء أو وصولهن إلى مواقع النفوذ، وإنما مدى قدرة هذا الحضور على توسيع دائرة من يملكن الموارد والصوت.
من هنا، لا تكمن المسألة في التمييز بين نسوية «حقيقية» وأخرى «زائفة»، بل في طرح أسئلة أكثر صعوبة: من يملك الموارد والمنابر؟ من يتحدث باسم من؟ ومن يبقى خارج دوائر التمثيل والاعتراف؟ فالنسوية التي تسعى إلى تغيير علاقات القوة لا يمكنها أن تكتفي بزيادة حضور النساء داخل البنى القائمة، من دون أن تسائل أيضًا التفاوتات التي قد تعيد إنتاجها داخل صفوفها.



