الحب… المسار المفقود

الحب… المسار المفقود[1]

عن المشاعر، القيم، والسياسة

يسرا محمد

“الحب لم يكن أبدا، حركة شعبية. لم يرغب أحد حقا في أن يكون حرا. العالم متماسك بحب وشغف عدد قليل جدا من الناس. ومن الطبيعي أن تشعر باليأس. امش في شارع أي مدينة، في أي فترة ما بعد الظهيرة وانظر حولك، ما عليك أن تتذكره هو أن من تنظر إليه هو أنت أيضا. كل شخص تنظر إليه هو أنت أيضا. يمكن أن تكون هذا الشخص، يمكن أن تكون هذا الوحش، يمكن أن تكون هذا الشرطي. وعليك أن تقرر في نفسك ألا تكون كذلك”.

– جيمس بالدوين

أحاول في هذا النص أن أعرض العلاقة بين المشاعر والقيم والتنظيم، إذ يُحاجج النص بأن التغيير الثوري هو مهمة جماعية تنطلق من الذات وما تحمله من مشاعر، وأن المشاعر تؤثر على عملية تشكل القيم الأخلاقية وممارستها على مستوى الذات والتنظيم وأشكال العمل العام عموماً، والتي بدورهاهي والمشاعر كذلكتُشكل الأسس العملية لأي عمل عام، وللتنظيمات بجانب التنظير. هذا ما يتم تجاوزه في التفكير والعمل نحو بناء تنظيمات ثورية تدفع في اتجاه تغيير الواقع نحو عالم محب وعادل، أي محاولة للحديث حول الإطار العام الذي يحكم الحراكات الثورية. لقد حان الوقت لترسيمه عبر ما يجمعنا وما نتوق إليه ونتحرك به وإليه: الحب

انتظام جديد حول قضايا جديدة

تشكلت عبر الحراك المقاوم لنظام الإنقاذ نواة انتظام سياسي جديد، بدأ يتبلور منذ هبة سبتمبر 2013 وصولاً لثورة ديسمبر 2018. وقد أخذ هذا الانتظام في التشكل والحركة عبر استجابته للراهن السياسي، وكانت فترتي الحكومة الانتقالية والانقلاب العسكري، من المراحل المهمة لهذا التطور، إذ أتت لجان المقاومة بالأحياء كنافذة لهذا الانتظام الجديد في الفضاء السياسي الحديث. وكانت لجان الأحياء قريبة من المنازل قريبة من الشوارع، وبطبيعتها الجغرافية تعرّف نفسها في حيز مكاني مجموع تكوينه من بيوت وشوارع ومساحات عامة، ومن هذا الحيز خرجت النساء والطلاب والعاطلين/ات عن العمل إلى قلب اللجنة، لتكتسب خلال سنين الثورة الأربعة خبرة سياسية لم تتيحها وتمنحها لها قوالب الأطر السياسية القديمة، فظهرت أصوات جديدة وقضايا جديدة، سمح بها التنوع الفريد في عضوية اللجان مقارنة بما سبقها من تنظيمات سياسية، وشكل هذا الانتظام الجغرافي والأفقي، بالإضافة للقضايا التي انشغل بها سواء السياسية أو التنظيمية بخلق تجربة يمكن ملاحظتها، تجربة لها سمات خاصة ونادرة، لا تنطبق بالطبع على تجارب اللجان منعزلة بل القصد هو فضاء التجربة الكلية الشامل والجديد

 بعد توقيع اتفاقية السلام بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان (اتفاقية نيفاشا) في عام 2005 حدثت تحولات عديدة، أهمها ازدهار الحراك المدني وقيام فضاءات/تنظيمات عمل عامبعضها كان سابقاً لنيفاشاتتأسست على قيم المحبة والاحترام والتقدير وحميمية المحنة. ولا أقول إنها كانت فضاءات وتنظيمات مثالية، لكن يمكن ملاحظة حضور تلك القيم والممارسات كمثال في: “الرؤى، السياسات، نُظم الإدارة، الأنشطة، المساحة المعمارية المكانية والعلاقات بين أفرادها، وفي بعض الأحيان كانت تنحجب هذه القيم نتيجة التناقض التي يفرضه وجودنا الفعلي داخل أنظمة الهيمنة والاستغلال التي نسعى لاستبدالها. وعقب حرب الجنرالات التي بدأت في 15  أبريل 2023، نشأت غرف الطوارئ كاستجابة مجتمعية منظمة لما ترتب على الحرب من دمار للبنية التحتية وكل ما يخص معاش الناس. كانت هذه الغرف تقوم بممارسة الإرث الذي يتبدى جذره القريب في لجان المقاومة ولجان التغيير والخدمات، ويمتد لما أتت منه ثقافة النفير وبقية أشكال العمل الجماعي بغرض إدارة شؤون الأفراد والاسرة والمجتمع. مع استمرار الحرب وانتشارها عبر جغرافياتنا ومجتمعاتنا، تفجر الملعب السياسي، وتوسعت مساحاته بواقع حضور فاعلين جدد: غرف الطوارئ النسوية.

الحب بين المجتمع والذات

علينا، في مجتمعات كانتومازال بعضهاتعتمد على أنظمة تكافلية في إدارة معيشتها، أن ننظر لأشكال الانتظام لدينا بأعين احترام تبحث عما هو كامن بالضرورة ومحجوب بواقع هيمنة المعرفة الاستعمارية، حتى داخل ذواتنا المتسائلة والباحثة. تلك الهيمنة لا يمكن التحرر منها بالعقل فقط، فهي هيمنة ثقافية وبالتالي وجدانية ونفسية في الأساس، والحب هو ما يجعل الانفلات من قبضة الاستلاب الروحي والمعرفي ممكناً. وهنا حب الذات تحديداً ودائماً ما يكون حب الذات هو مدخل كل حب.

ما أعنيه بحب الذات في هذا السياق هو أن نحب مجتمعاتنا وثقافتنا، وأن يلامسنا ذلك الشعور الذي يجعل للصدق معنى وشكل، شعور بالتقدير والامتنان لإرثنا ولما تركوه لنا جداتنا وأجدادنا، ولما تمرره لنا الأسرة، رغم الأعطاب العديدة التي تلازمها[2].  عندما نحب ما/من أتينا منه نستطيع أن نحب ذواتنا في فرادتها. احكي عن هذا من واقع تجربتي الشخصية مع عملية استعادة قيمة الذات ومحبتها، كان المدخل هو منارة شيدتها في قلبي الشاعرة والكاتبة والأهم من ذلكالسياسية[3] نجلاء عثمان التوم. عبر حديثها بفخر تتبدى معه الكلمات شامخة عزيزة وحانية، أحاديث عن مجتمعاتنا بتنوعها وغنى تاريخها، وكيف حاول الاستعمار وعمل على قمعها ومسخ هويتها. ورغم ذلك لم ينجح تماماً. تعلمت من نجلاء حب السودان كما لم يكن من قبل، وأن أحترم تاريخنا. وحينها انتبهت لعدم معرفتي به، قمت برحلة عبر ذكريات حول محتوى مواد التاريخ في جميع مراحل السلم التعليمي، لاحظتُ أن ما يتم تعليمه كتاريخ هو في حقيقتهأدب رخيص، حيث يتم تقديم مناهج التاريخ في الحكومات الاستعمارية وسليلاتها مما تسمى بالوطنية، عبر بنية سردية رديئة حد الريبة. وقد أتاح لي القبس الذي تنثره نجلاء أن أبصر ملامح لتاريخ مثير وجدير بالاحترام ويلفت الانتباه حول أهمية التعلم منه وبه. بعد هذا التعرض السريع أضاء جزء بداخلي، جانب آخر معطل من الذات تم تفعيله. ومع عزة ديسمبر وجدت عزة تاريخنا وعزة ذاتي كفرد

اليوم بعد حرب الجنرالات أصبح الكثير من السودانيات/ين يلمسهن/م ذلك الشعور بالاعتزاز، وزاد التعرض والتعرف لثقافاتنا المتعددة. فرادى ومجموعات منظمة، تعمل فيها ويعمل سودانيات/ين على خلق مساحة تلاقي ووصل، فيها يتم الحديث حول التراث، والأغاني، الرقص، واللهجات، الحقوق والعنصرية، مركزية الدولة وتأثيرها على مجتمعات عدة، يمكن اختصاراً أن نصف بأنه موسم الحب والحرب.

الاستقرار، السلام والحب

يتم استغلال توق السودانيات/ين للاستقرار لتغذية خطاب الحرب. كمثال يتم تصوير المواقف التي تبتهج بطرد الدعم السريع من مناطق ما، على إنها تأييد سياسي للجيش، في حين أن جوهرها هو الرغبة في الاستقرار، الذي أصبح البحث عنه يتأرجح بين رمضاء الجيش ونار الدعم السريع

موجات الزواج التي حدثت كأحد ردود الفعل الاجتماعية للحرب، هي مظهر آخر للرغبة في الاستقرار. أما الاستقرار فلا ينفصل عن الحب، لما في جوهره من انحياز للسلام والمسالمة. والحب هنا ليس فقط بين طرفي الزواج، بل يتعدى الزواج نفسه ويخاطب الواقع المضطرب بفعل الحرب، ويعبر عما يتوق إليه المجتمع. فحالة الاستقرار وحالة السلام ليستا وضع سكون، بل حالات ديناميكية يتم صنعها وبنائها عبر الحب وبه.

لطالما كنتُ مهتمة بالحب والتفكير عما يعنيه، بكثافة زادت مع مرور السنين، قبل عدة سنين سألتُ صديقة لها مهاراتها مع الكلمات والمفاهيم، عما هو الحب تعريفاً، أجابت بكلمتين: الشغف والسلام. أصبحت تلك الكلمات مفتاحية في مقاربتي لما يبدو حباً. ارسلتْ لي صديقة أخرى بودكاست يتناول الموضوع، تقول فيه المعالجة المتخصصة في العلاقات العاطفية أن الحب هوفعلوتحديداًفعل مضارع“. أصبحت بعدها رؤيتي للحب كأنه عملية Process وليس مجرد حالة شعورية لحظية، فيمكن أن أقول بأن الحب هو فعل مضارع يحتوي/ينتج حالتي الشغف والسلام.

تقول بل هوكس في كتابهاكل شيء عن الحبإنه كان من الصعوبة بمكان أن تجد تعريفاً مناسباً للحب في الكتب التي تبحث حوله، كان أنسب تعريف وجدته؛ ما يقول بأنالحب هو اجتماع الرغبة والإرادة في تقديم الرعاية والعناية التي تسمح بالنمو الروحي لذاتنا وذوات من نحب“.

تنتقد هوكس خلط الحب بالرعاية والعنف. والتي تتمظهر في مستوى الأسرة ومستوى العلاقات العاطفية، حيث يتم تقديم الرعاية، ولكن يترافق معها أشكال مختلفة من نزع كرامة وقيمة الذاتسواء أطفال في الأسرة أو شريكات في العلاقات العاطفيةويتم تسمية ذلك بالحب. استجابة لأنماط الحب المسمومة تلك تشتبك بل هوكس مع الحب وتقوم بتعقيد تعريفه، فهو لديها يتشكل من مجموعة من القيم والممارسات، لا يتحقق الحب ما لم تتوفر جميعها وهي قيمالرعاية، المودة، التقدير، الاحترام، الالتزام، الثقة، والتواصل الصادق والمفتوح.” 

الحب والأسرة

أذكر في نشأتي كلمات وصفية كانت تقولها لي أو عني والدتي سمية عمر، على قلة تكرارها وعلى قلة مناسبات حدوثها، إلا أن أثرها كان عظيماً في تشكيل القيم التي تُكْوِّن جوانب من شخصيتي.

كريمة، ذكية، حنينةتلك الصفات التي تذكرها والدتي أراها فيها هي كذلك، فلا أعلم كيف تشكلت داخلي، هل الصفات والقيمفطريةأم يتم اكتسابها اجتماعياً أم مزيج متداخل. لكن ما أعلمه أن اعتزازي بتلك القيم ومن ثم عملي المستمر في الحفاظ عليها وتطويرها، لم يكن ممكناً لولا الشعور الحميم الذي لامس قلبي وأنا أرى تقدير والدتي لها. بالرغم أنني في فترة نشأتي لم أكن أشعر بالحب، لكن أشكال الممارسة التي ذكرتها وغيرها هي التي جعلت من الممكن أن أشعر بالحب لاحقاً. وبما أن الذكريات هي معين لا ينضب للحياة، أي هي الحياة نفسها، موجودة في بُعد وجداني وروحي، فيصح القول إنه حتى في الفترات التي كان يصعب فيها الشعور بالحب، يمكن أن نستعيد اللحظات ونستشعر الحب عبر الإبحار الواعي في الذكريات.

تخبرنا الفيزياء الحديثة أن الزمن في الحقيقة ليس خطياً، لا الماضي هو ما مضى ولا المستقبل هو ما سيأتي، لم يتبق سوى اللحظة، الآنهكذا يمكن أن نعيش الحب دائماً، عبر تكثيف الزمن في اللحظة، عندها تجتمع كافة أشكال وجودنا، فتعانق طفولة محبة وآمنة، شيخوخة محبة ورحيمة. وكل ما بينهما، جميعها في اللحظة والآن، الحب السعادة وازدهار الامكانيات. خلال السنة الأولى التي تلت الحرب، حكت لي صديقة تُلهم عقلي وقلبي دائماً، عن لعبة تمارسها مع صغار أسرتها، سؤال مفتوح يداعب خيال الصغار، عمن هو أسعد إنسان في العالم ولماذا؟ من الإجابات الفلسفية التي كانت في ردود الاطفال تحمستُ كثيراً لأجربها مع طفليّ مصطفي وياسمين. كان رد ياسمين سريعاً ومحبطاًفي لحظتها نتيجة بساطته الظاهرية وابتعاده عن التعقيد الذي كنت أرجوهفقالت: “يوسفوهو أخوها الصغير والذي كان عمره وقتها  بضعة أشهر في الحياة. أكد مصطفى على إجابتها. فسألتهم حسناً، لماذا؟ كانت إجابتهم لأن لديه أخت وأخ يحبونه، مضت الشهور وكبر يوسف خلالها. حينها وعبر الزمن أدركت جانب الحكمة في حديث صغاري، يوسف هو طفل سعيد يشع طاقة، طاقة كنت أتشبث بها في أوقات الاكتئاب، صوت ضحكاته هي ما كانت تدفعني للنهوض من السرير، وحين تمر به أعراض التسنين ويتعكر مزاجه، أخذ زمناً أطول للنهوض ومواجهة الحياة. أرى الجوانب المتعددة لذكائه، واندهش من سهولة التواصل معه وبناء تفاهم وحوار يصعب مع البالغين/ات، أبتهج بمهاراته التي ينميها هو بنفسه، وبفضوله الكثيف الذي يمكن أن يتحول إلى حزن إن لم يتم إشباعه. راقبت على مدار الأشهر كيف يمكن أن يكون عليه الإنسان إن توفرت له بيئة محبة داعمة ومتوازنة، لأن والديه لا يقدمان فقط أشكال الرعاية الأساسية، بل يتم تقديمها عبر قوالب المحبة، ويمتد التعبير عن المحبة باللعب والونس. يكبر يوسف وسط العديد من الأفراد الذين يبادلوه محبة متدفقة ومستمرة، عبرها يزهر الصغير بجمال وثبات باعثاً أملاً لا تخطئه العين في غد مشرق له ولأسرته، وللبشرية جمعاء حال أصبح الحب والرعاية المتزنة هي ما يتوفر للصغار.

الحب وأعمال الرعاية

كانت جدتي تعبر عن حبها لي عبر طبخ ما أحبه، حالها كحال الكثير من النساء، يمكن أن يكون الطبخ ممارسة فنية كالرسم أو العزف او الكتابة مثلاً. تجد بعض النساء متعة في ممارسته، وأداة للتعبير عن الحب عبر طبخها لمن تحبهن\م. بيد أن هذه الممارسة المُحبة يمكن عند بعض آخر من النساء، وتحديداً في ظل تقييد النظام للنساء بأعمال الرعاية، يمكن أن يصبح الطبخ عملاً مقيتاً ويلقي بثقله على أرواحهن. لأن إلزام النساء بالقيام بأعمال الرعاية، ومجاناً، ومحاصرتهن بالإضافة إلى ذلك عبر التقييم المستمر لهن في تلك الأدوار، يجعل من المستحيل القيام بهذه الأعمال بصورة مفيدة للمجتمع تخدم تطوره. وكمثال يقع على عاتق النساء العناية بالأطفال، وتربيتهم والإشراف على تعليمهم، حيث يوكل النظام مهمة إنتاج المجتمعات للنساء، وذلك في ظروف عمل سيئة، عليه لبناء مجتمع متزن، ونظام اجتماعي ينحو للعدالة، يجب عملياً ومنطقياً تغيير الطريقة التي يتم بها إنتاج المجتمعات، ويبدأ ذلك بوضع هذا المهام في قلب التحليل السياسي وليس فصلها لتصبح ما يسمى بقضايا النساء“. لأن؛ الحب لا يوجد في غياب العدالة، كما تقول بل هوكس، إن كنا نرجو حضور الحب وازدهاره، فالعدالة هي المدخل المناسب لتقدم الأسرة، ولعمق ودفء العلاقات العاطفية المُحبة.

لاعب سياسي جديد: غرف الطوارئ النسوية

تنتشر غرف الطوارئ النسوية بين معظم أقاليم السودان، وكأنه انفجار تنظيمي. يتحرك من إرث غني ومتصل، وتحديداً تجربة التنظيم خلال الثورة وكذلك طيلة حكم الإنقاذ. فقد كانت محاولات الانتظام تأخذ أشكال إبداعية تتحايل على الهيمنة السياسية والعسكرية. وقد حققت تلك التنظيمات المبدعة مساحات حركة للفعل المدني الساعي نحو التغيير،  خالقة تجارب جديدة ومتنوعة، في أشكال الانتظام الحديثة سواء لجان مقاومة الأحياء أو التي في الحراك النسوي، وتظهر الحميمية كممارسة سياسية، لتتوسع وتمتد الأسرة لتشمل الرفيقات والرفاق، عبر مراسم مواجبة المصابات/ين والمعتقلات/ين من أعضاء اللجنة، التي تعتبر حدثاً ضرورياً، تستقبل فيه البيوت زواراً جدداً، وحباً جديداً. كما يكون عزاء ومواساة أسر الشهداء والوفاء لأحلامهم/ن والعدالة لذكراهم حاضرة. وما أكثر المحاكمات التي كانت تُدق فيها النوبات وتعلو الهتافات في نواحيها

وكم من المواكب والوقفات النسوية التي تم تنظيمها لحماية النساء والطفلات من كافة أشكال التعدي التي تقع علينا. مقتل سماح، والاغتصابات بعد موكب 19 ديسمبر، والوصاية على البنات في اعتصام الجودة، اغتصاب الطالبة بداخلية حجار، وهذا فقط في الخرطوم في حين أن الحراك النسوي كان يشتعل في جغرافيات عدة من السودان، سواء في اعتصام نيرتتيى المجيد، أو العملي التنظيمي والمعرفي والجماهيري في ولايات سنار، كسلا، بورتسودان، القضارف، النيل الأزرق، نهر النيل وولايات دارفور.

كل تلك الأفعال، سواء التي تأتي كرد فعل على أحداث بعينها أو التي تتحرك بمنهجيتها الخاصة، جميعها تهدف لخلق واقع تنعم فيه نساء السودان بالأمان والكرامة والحق الكامل بالضرورة في الحياة، وهذه أحلام لا تنبت إلا في أرض المحبة

يصعب رؤية الحب وسط كل الصراعات التي نعايشها، لكن كما ننتبه لأهمية التناقض ومركزيته للنمو والتطور، فيجب أن نتعلم رؤية جماليته. فالاختلاف رغم تبديه كمساحات تباعد بين الأشخاص والرؤى، يظل في جوهره مساحة يمكن البناء منها دائماً، عبر النقاشات والتساؤلات التي تحاول أن تفهم الآخر، وعبر الاستماع المصغي، حينها يكون من الممكن التفاوض حول توجيه تلك الطاقات المختلفة فيما يخدم المصالح المشتركة للأغلبية، والتي بالضرورة تصون كرامة الجميع.

تحدثنا مجدداً الفيزياء الحديثة، أن كل ما بالوجود هو طاقة، مجرد طاقة، يحفز هذا فتح الخيال على وسعه، كيف يمكن أن نمارس السياسة بناءاً على مفهوم يضع بين أيدينا مورد لا ينضب، فقط كيف نُشكل وكيف نُحرك الطاقة. والتي تكمن في الكل، فهنا الآخر ينحل نحو الذات، ويتحول الآخر لـعنصر في التغييرتتفاوت الدرجات ولكن هو تفاوت مرحلي، وللعبور من مرحلة لأخرى يجب عبور فئات جديدة لخانةفاعلين في التغييرأو لخانةأصحاب مصلحة في التغييرأي تتم عبر التغيير عبر التوسع، عبر خلق المساحات المشتركة والحركة تجاه المزيد.

لذلك يبدو مفسراً ازدياد الانشغالات المهتمة بفهم العلاقات بين الأجيال مثلا، أو بين النوعين الاجتماعيين ما يعرف بنسوان ورجال. أو بين ثقافات المجتمعات السودانية. وغيرها من محاولات التقارب. فكما تحكي مقولة حكيمة بأنالعدو هو ما نجهلهفمحاولات التقارب عبر التساؤل والبحث الصادقان، لابد أن تُفضي لمعرفة محررة وتحررية، والتي تؤدي للمحبة بالضرورة

تقدم معظم غرف الطوارئ النسوية تعريفاً يقول بالالتزام بالعمل على توفير احتياجات النساء وتحديداً في ظل الحرب. مع تتبع أنشطة الغرف نلاحظ اهتمام بعضها بالمطابخ المشتركة، الصحة، والتعليم، مما يجعل في الإمكان اجتماع القضايا السياسية جميعها لأول مرة تحت تنظيم واحد

تفتح غرف الطوارئ النسوية المجال لبناء خطاب سياسي مشترك تجتمع فيه القضايا السياسية لأول مرة، وليس كما كان يتم إضعاف الخطاب والتنظير السياسي عبر التقسيم إلى قضايا سياسية وقضايا النساء. كما يمكن الاستفادة من تجربة لجان المقاومة في مركزة قوتها وتجويد تنظيمها عبر العمل التنسيقي الذي تحولت عبره لأحدث لاعب سياسي في التاريخ الحديث.

الغضب، السياسة والحب

لفترة طويلة من حياتي كان الشعور الذي أعرفه جيداً وأعلم كيف أتعامل به هو الغضب. كان وقودي في التفكير في السياسة. في واقع يتحرك الظلم فيه في طبقات متداخلة، وفي كل الفضاءات التي تشكل وجود الإنسان، يعتبر حضور الغضب استجابة مناسبة، في كلمة ألقتها خلال مؤتمر الرابطة الوطنية لدراسات المرأة في 1981، تتحدث أودري لورد عن الغضب وإمكانياته التحررية، حيث أنهمُحمل بالمعلومات والطاقة”.  تعلمنا اودري عن الطاقات الكامنة في الغضب وتقولكل امرأة لديها ترسانة جيدة التجهيز من الغضب يمكن أن تكون مفيدة ضد تلك الاضطهادات الشخصية والمؤسسية، التي أدت إلى وجود هذا الغضب. وإذا تم التركيز عليها بدقة، فيمكن أن تصبح مصدراً قويًا للطاقة التي تخدم التقدم والتغيير. وعندما أتحدث عن التغيير، لا أعني مجرد تبديل بسيط في المواقف أو تخفيف مؤقت للتوترات، ولا القدرة على الابتسام أو الشعور بالرضا. أنا أتحدث عن تغيير أساسي وجذري في تلك الافتراضات التي تشكل أساس حياتنا.”

يمكن أن يدلل غياب الغضب أحياناً على ضعف منظور العدالة ونقص الإطار التحليلي للواقع وللمشاكل التي يواجهها الفرد والجماعة فيه. لاحظنا مراراً وتكراراً، الاستجابة الضعيفة إن لم تكن المنعدمة، للرفاق حول الاعتداءات التي تطال النساء، البنات والطفلات، والتي تتراوح من قتل، اغتصاب، تحرش، وضرب، كانت مواقف الرفاق أشبه بصمت المقابر. كنت أحتار في تلك الأوقات، أين يذهب غضب الرفاق؟ لم يتشكل في الأساس؟ ولماذا؟ يظل هذا الأمر محيراً، فكيف لزيادة أسعار سلعة ما أن تُشعل الشوارع غضباً، بينما مقتل طفلة، أو فيديو لأخرى يُجلسها رجل كبير على ساقيه بينما يلمس جسدها مقهقهاً، يقابلها ليس إنكار وحسب، بل محاولة إسكات الأصوات التي يشعل الظلم قلبها غضباً، فتستعير ناره لطلب العدل والكرامة

القدرات الخداعية العالية للنخبة السياسية كانت كذلك من أكثر ما يولد لدي شعور الغضب في فترة ما بعد ديسمبر 2018. لم يكن العساكر بنظاميهم وجنجويدهم مسبباً للغضب. حيث إن العدو الواضح لا يستفز شعوراً كهذا لدي. فهو ماثل للعيان وكل ما تبقى هو أن نُفكر في العمل على مواجهته. أما ما هو مستتر، ما هو محجوب في تعريفه، وواضح في عنفه فهو ما يثير غضبي. وفي مرات نادرة تلك التي أشعل فيها الحب قلبي وعقلي، حيث أن الغضب هو ما كان يلهم تفكيري. تلك المرات القليلة لفتت انتباهي إلى أنه يمكن أن يكون الغضب شعوراً مرحلياً، وعلينا أن نعبر منه نحو الحب. لم أستمر كثيراً في التفكير حول تلك الخاطرة، حيث الصراع السياسي بطبيعته المزدوجة لنا كنسويات لم يكن ليدع مجالاً لهكذا خواطر

رغم ذلك كان هنالك صوتاً نسوياً ليس فقط يعكس تلك الخواطر، بل يمارس التفكير والفعل السياسي المحب. في ذروة العنف والانهيار الاقتصادي والصحي سواء الشخصي أو للمؤسسات الصحة العامة منها والخاصة، في تلك الأوقات الحرجة كانت رؤيا حسن تنشر تعاليم جديدة كلياً على تاريخنا السياسي الحديث. راقبتها تتساءل بإخلاص حول ما يمكن أن يهم الأصوات المحجوبة بمختلف تقسيماتها، تتحاور بندية صادقة مع الجميع. كانت تمارس الحب في الفضاء العام وحيدة، وممتلئة. ويمكن هنا أن نعيد لا خطية الزمن فما أسست له رؤيا، فتح اليوم أبواب جديدة على اتساعها لفاعلات/ين بأخلاق وقيم سياسية صلبة ومتجذرة فيما يشكل الإنسان الحر والمجتمع العادل المحب. تعلمت منها، بعد وفاتها أضعاف ما تعلمت في حياتها. هي سمة الموت، فهو المعلم عبر الغياب. يزيح جسداً ليفسح المجال للرؤيا والرؤى. تعلمت أن لا منجى سوى الحب، وما ينقص النظرية هو الحب، وأن العمل يتم عبر الحب، والحلم قبله يكون من أجل الحب، أن الغاية هي الحب، أن الحب لغة، أن الحب دين، والحب هو الطريق والمشي والوجهة

ختاماً أحب أن أقدم التقدير والشكر للصديقات والرفيقات اللائي قدمن من زمنهن وخبرتهن ملاحظات ساعدت على تجويد النص. ولصديقي العزيز لترشيحه نص أودري لورد الذي كان إضافة مهمةولكل من قرأ النص وأتمنى أن يساعد في فتح خيال للتفكير حول العلاقات المتداخلة بين البناءات المختلفة، سواء الذات ومروراً بالأسرة والمجتمع وليس نهاية بتنظيمات العمل العام. كيف تؤثر المشاعر التي نحملها على القيم والمبادئ الأخلاقية سواء من ناحية اعتناق أو ممارسة، وتأثير الإثنين على اشكال الانتظام المختلفة. والانتباه إلى حيوية وديناميكية تلك العلاقات ولا خطيتهامع الأمل بالدفع في اتجاه ترسيم إطار عام للحراك الثوري يتشكل محيطه من الحب، لأجل أنه الشعور الذي تنبع منه كل القيم الخيرة. ولأجل أنه المبتغى من التغيير: عالم يمكن للإنسان فيه أن يستشعر الحب من أوائل صباحات صحوه/ولادته وحتى أواخر ليله وقبل غفوته/مماته.

 

هوامش

1. عنوان النص مستوحى من مقال الباحثة مزن النيل “نستوضح مسارنا: نحو إجابات اشتراكية من السودان وإليه”، يمكن الوصول للمقال عبر هذا الرابط: https://revsoc.me/arab-and-international/49284/

2.تحديداً منذ الانقلاب التاريخي الذي حدث على جغرافيا مركزية في تشكيل تاريخ السودان الاجتماعي والسياسي. حيث تغيرت طريقة انتظام الأسرة والملكية، وامتد تأثير هذا التغير على بقية الجغرافيات باختلاف درجات التأثر. مع سيطرة الإنقاذ قلة هي المجتمعات التي سلمت من ذلك النوع من التفاعل وبعنف أعلى.

3. بعد ديسمبر لم يعد ممكناً تعريف السياسة وبالتالي السياسي/ة بالخيال القديم. فديسمبر من بعثت فيها رؤيا بالحب، وديسمبر نورها ونارها من أجيال باذخة مترفة في الكرم كما وصفت نجلاء. والكرم شجاعة، وهو ذكاء وقوة، والكرم من كمال الأخلاق ورجاحة العقل. فالكرم لا يحضر عند قاصر الخيال. يترافق الكرم مع الإبداع، وكلاهما يدفع نحو الآخر. يمكن أن نقول كمحاولة لتعريف السياسة ما بعد ديسمبر بأنها إحدى نتائج للتفاعل/انفعال الواعي مع الحالة الشاعرية التي هي تجربة الذات مع/في/عبر الحياة، مثلها مثل الأدب والفنون. ما يفصلها عن بقية الانفعالات هو توجهها الأكثر مباشرة. ولذلك كانت تبدو جافة في أوقات كثيرة. لكن هذا ليس جوهرها، فقط مقاربة أزمان سابقة. سياسة ما بعد ديسمبر هي التي تقارب الحياة بشمول يجابه التشظي المفروض من قبل أنظمة الهيمنة بالإضافة للحالة الوجودية، بمعنى أنها سياسة لها ملامح فلسفية وتحاول أن تصنع ذلك النسق الكلي لمجتمع العدالة والكرامة.

يسرا محمد
المقالات +

مهندسة بالتدريب، أم لطفلين بالمحاولات المستمرة، وسياسية أحلم ببناء عالم مُحِب وعادل