كوب النجاة: ست الشاي السودانية بين التكيف الغذائي واقتصاد الحرب
هايدي جبران
يعود هذا النص إلى كوب الشاي، وينظر لما وراء التفكير والتعاطي معه كسلعة، ليكون مدخلًا لفهم سُبل نجاة النساء في قلب العنف والاقتلاع. كما يتتبع كيف تحمل آلاف السودانيات طقسًا يوميًا مألوفًا إلى المنفى، ليصنعن منه مساحة صغيرة للرزق والونس والاستمرار، على أرصفة لا تعترف بوجودهن ولا ترحم فقرهن.
أروي عن “ست الشاي” بوصفها فاعلة اقتصادية واجتماعية، تنسج بموارد محدودة اقتصادًا غير رسمي ومساحة عامة بديلة، وتحول مهارات يومية بسيطة، من إعداد الشاي وتقديمه وترتيب الكراسي وحسن الإصغاء، إلى أدوات للرزق والرعاية ومقاومة التهميش. كما أتأمل في ما يخسره هذا “الاقتصاد اليومي” حين يُقتلع من بيئته الثقافية، ويُعاد زرعه في مدينة ترى في بيع الشاي مظهر غير اجتماعي، أو خرق للنظام العام. وما يعنيه أن تتنقل النساء بين مدن ودول وهنّ يحملن اقتصادهن، ويخترعن من أبسط الأشياء — كوب، ملعقة، نعناع — بنية كاملة للحياة.
فهذا النص لا يتناول الشاي في ذاته، بقدر ما يتخذ منه مدخلًا إلى أسئلة الخسارة والتكيف والكرامة اليومية، وإلى فهم ما تكشفه ممارسات الطعام عن علاقات الجندر والطبقة وتجربة المنفى، وعن السبل التي تبتكرها النساء للبقاء في مواجهة الحرب والخذلان.
كوب الشاي في السودان – طقس اجتماعي واقتصاد نسائي
كان كوب الشاي في الخرطوم محورًا للقاءات اليومية ونسج العلاقات الاجتماعية. حول «تربيزة الشاي» يجتمع الناس: العمال وطلاب الجامعات، لتبادل أخبار الحي والأحاديث، فيما تقف «ست الشاي» في قلب هذا الفضاء، كجزء من نسيج اجتماعي واقتصادي تتقاطع فيه سبل الرزق والرعاية والعلاقات اليومية. ومن خلال إعداد الشاي وتقديمه بالنعناع أو القرنفل، تجمع النساء بين كسب العيش والرعاية، ضمن ما يمكن تسميته «اقتصاد النجاة» في سياق الحروب والأزمات السياسية التي يشهدها السودان.
الترحال إلى القاهرة: سوق جديد وثقافة جديدة
تكشف شهادات النساء السودانيات اللاتي انتقلن إلى مصر عن تحولات عميقة طرأت على شروط العمل وسبل كسب العيش، بفعل اختلاف الأسعار والبيئة الاجتماعية والثقافية. فمن جنوب مصر إلى القاهرة الكبرى، تباينت تجارب النساء وأشكال تكيفهن مع الواقع الجديد، لكنها التقت عند تحديات مشتركة فرضها النزوح ومحاولة إعادة بناء سبل العيش في سياق مختلف.
في القاهرة، ومع ارتفاع أسعار السلع بشكل غير مسبوق، حيث ارتفع سعر كيلو الشاي من نحو 268 جنيهًا عام 2022 إلى أكثر من 470 جنيهًا عام 2025، فيما ارتفع سعر كيلو السكر من نحو 20 إلى 30 جنيهًا خلال الفترة نفسها، نجد أن تكلفة إعداد كوب الشاي زادت بأكثر من 75%.
لكن التحدي لم يكن ماديًا فحسب، بل ثقافيًا أيضًا. ففي أسوان والنوبة، واجهت بعض النساء رفضًا اجتماعيًا لعمل الفتيات الشابات في بيع الشاي في الشارع، ما دفعهن إلى استئجار محلات صغيرة تحاكي المقاهي التقليدية، في محاولة لتجاوز الحواجز الاجتماعية والحفاظ على كرامة العمل في بيئة محافظة. أما في مناطق مثل مدينة نصر وفيصل، فقد انتشرت الحبوبات (الجدات) في الشوارع، يعرضن المأكولات والتوابل السودانية، بينما يدير الشبان أفرانًا للخبز السوداني، وتتعاون الأجيال في إنتاج وبيع الخبز والبسكويت والتوابل، في مشهد يجسد اقتصادًا عائليًا قائمًا على التكيف والتعاون.
حساب تكلفة كوب الشاي من 2022 إلى 2025
وراء كل كوب شاي يُباع في الشارع اقتصاد صغير تحكمه حسابات دقيقة تتجاوز ثمن الشاي والسكر. فتكلفة الكوب تشمل الوقود والمواد الأدوات وإيجار المكان ودخل البائعة، وهي عناصر تحدد قدرة هذا النشاط على الاستمرار وتحقيق دخل مجزٍ. ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تصبح الموازنة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع تحديًا يوميًا، يكشف هشاشة هذا الاقتصاد وحدود قدرته على توفير مورد مستقر للنساء العاملات فيه.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي بوضوح. ففي عام 2022، بلغ سعر كيلو الشاي نحو 268 جنيهًا، ما يعني أن غرامين، وهي الكمية المستخدمة تقريبًا لإعداد كوب واحد، كانا يكلفان نحو 0.54 جنيه. أما السكر، فبلغ سعر الكيلو منه 20 جنيهًا، لتصل تكلفة عشرة غرامات إلى 0.2 جنيه، وبذلك لم تتجاوز التكلفة الإجمالية للمكونين الأساسيين 0.74 جنيه للكوب. بحلول عام 2025، ارتفع سعر كيلو الشاي إلى 470 جنيهًا، لتصل تكلفة الغرامين إلى 0.94 جنيه، فيما ارتفع سعر كيلو السكر إلى 30 جنيهًا، أي 0.3 جنيه لكل عشرة غرامات. وهكذا ارتفعت تكلفة المكونين الأساسيين إلى 1.24 جنيه للكوب الواحد.
غير أن التكلفة الفعلية لا تقتصر على الشاي والسكر، فالغاز أو الفحم المستخدم في التسخين يضيف ما بين 0.5 وجنيه واحد إلى تكلفة الكوب، فيما تضيف الأكواب والملاعق وغيرها من الأدوات نحو نصف جنيه آخر. ويشكل إيجار المكان عبئًا إضافيًا، فمحل يبلغ إيجاره الشهري 3000 جنيه، ويبيع 1500 كوب شهريًا، يضيف جنيهين إلى تكلفة كل كوب. وإذا أُضيف إلى ذلك دخل شهري قدره 6000 جنيه للبائعة، مقابل العمل في وردية تمتد بين خمس وست ساعات يوميًا، فإن نصيب الكوب من هذا الدخل يبلغ نحو أربعة جنيهات.
وبجمع هذه التكاليف، يصل سعر الكوب الذي يتيح هامشًا للربح والاستمرار إلى نحو 8.7 جنيه، وهو سعر قد يصعب على كثير من المستهلكين تحمله في ظل تراجع القدرة الشرائية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة. وهنا تظهر المعضلة التي تواجهها البائعة: فخفض السعر قد يهدد قدرتها على الاستمرار وتأمين دخل مجزٍ، بينما قد يؤدي رفعه إلى خسارة زبائن لا تسمح دخولهم بتحمل مزيد من الأعباء.
شبكات التضامن والمقاومة: بناء اقتصاد بديل
تستند هذه الأنشطة إلى شبكات من التعاون الأسري والمجتمعي في الإنتاج والبيع والتوزيع. تتقاسم الجدات والأمهات والشباب العمل في إعداد الخبز وبيع التوابل، فيما تعمل الشابات في خياطة الملابس التقليدية وتسويقها أو إدارة محلات الشاي الصغيرة. وبذلك تتحول المهارات الفردية إلى مورد جماعي يتيح للأسر التكيف مع النزوح وغياب مصادر الدخل المستقرة. وتشكل هذه الشبكات ما يمكن اعتباره نموذجًا بديلًا للاقتصاد الرسمي، يعبر عن روح التضامن والتكافل، لكنه يظل هشًا بسبب غياب الدعم القانوني والنقدي الكافيين. ويمكن لتوفير مساحات عمل بإيجارات ميسرة، وتسهيلات ائتمانية، وحماية قانونية، أن يعزز استدامة هذه الأنشطة وقدرتها على توفير قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للنساء.
تعيش النساء السودانيات اليوم على تخوم مفارقة قاسية: بين وعود العودة الآمنة إلى وطنهن الذي مزقته الحرب، وبين ضغط غريزة البقاء حيث تتوقف أصوات المدافع. جنوب مصر قدّم لها شيئًا من التطمين الأول، فضاءً لغويًا وثقافيًا قريبًا، لكن سرعان ما اصطدمت حدود الاندماج بالثقافة المحافظة التي لا تستسيغ رؤية امرأة شابة تبيع الشاي في الشارع. في القاهرة الكبرى، خاصة في أحياء مثل مدينة نصر وفيصل، بدا المشهد أكثر تنوعًا: الجدات يبعن الخبز والتوابل بزيّهن السوداني المبهج، حتى وإن كانت العيون حزينة والقلوب مثقلة، بينما تدير الأجيال الأصغر الأفران ومشاريع الخياطة ومحلات بيع التياب السودانية.
لكن هذه القدرة على التكيف تصطدم بواقع اقتصادي بالغ الهشاشة. فقد جعل التعويم المتكرر للجنيه المصري، وارتفاع أسعار الشاي والسكر والإيجارات من أبسط أنشطة كسب العيش تحديًا يوميًا. وكوب الشاي الذي كان في الخرطوم طقسًا للونس واللقاء، أصبح في القاهرة موردًا للرزق ومِرآة لما يخسره الاقتصاد اليومي حين يُقتلع من بيئته الثقافية ويعاد تشكيله في سياق جديد. وبين الحنين إلى وطن لم يعد آمنًا وواقع غربة يفرض شروطه، تبتكر النساء سبلًا للبقاء، مستندات إلى مهارات حملنها معهن عبر الحدود.
من هنا يبدو «اقتصاد النجاة» اقتصادًا اجتماعيًا وثقافيًا تتداخل فيه سبل الرزق مع الرعاية والألفة والكرامة. فكوب الشاي، على بساطته، يكشف كيف تحول النساء مهارات يومية متوارثة إلى أدوات للتكيف والاستمرار في مواجهة الحرب والنزوح وضيق البدائل. وفي النهاية، لا تختزل تجربة النساء السودانيات في الشتات في أرقام الغلاء وتكاليف المعيشة وحدها، بل تمتد إلى قدرتهن على إعادة بناء الحياة من أبسط الأشياء، والحفاظ على حقهن في العيش بكرامة وسط واقع لم يخترنه.
هايدي جبران
باحثة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ومخرجة ومنتجة أفلام وثائقية، مهتمة بالعلاقة بين الثقافة والسرد وفعل الإنصات ، تسعى للاقتراب من الحكايات التي تُصنع في الهامش قبل أن تُكتب في المتن. ترى في الكتابة والسينما والبحث الميداني مسارات متجاورة لفهم العالم حيث الذاكرة والهوية، و تخوض رحلة الأمومة بوصفها أكثر تجاربها ثراءً وإلهامًا.
- لا توجد المزيد من المقالات



