بقعة الإنترلوك
فاطمة أوشيك
لا يلفت رصيف الإنترلوك “في هيئته” النظر كثيرًا، لكنه في الحقيقة يَلفِت “في تضامنه” انتباه الباعة المتجولون وهم يتحسسون تموضعاتهم عليه، ومن يفترشنه أو يفترشونه لبيع سلع غير مرئية، عمال النظافة، أطفال الشوارع ومتعاطو السلسيون، والنساء اللواتي لا يتهيبن إبراز أثدائهن غير المدرارة لإلقام أبنائهن حليباً شوارعيًاً تفوح منه رائحة الأسفلت. ولعلنا ابتكرنا المتاريس[1] لهذا السبب! هينة على من هن/م خارج “حدود”[2] الدولة ومؤسساتها الرسمية، تتشابك لهن،[3] تتشابك معهن، ولكنها صلبة عنيدةً، تلك المتاريس، على الدولة.
بقعة الدم السحرية
تجئ بقعة الدم في أي وقت، بكامل قوتها رغم وهن صاحبتها، أو تغيب لحزنها، رغم أن غيابها أيضًا محزن، لأن قدومها يأتي كآخر أمل منسوج من الدموع والتوسلات والبارود، مانحة الناجيات من العنف الجنسي، رحمة أنهن لا يحملن نطفة جنجويدي في أحشائهن، ولا يحملن قطعة من جهنم في أرحامهن، التي اعتادت أن تدفع ثمن تهالك الأنظمة وقهرها الممنهج.
لم تكن تلك البقعة الخاصة بي والتي احتملها الإنترلوك الذي كنت جالسة عليه في أحد أيام اعتصام القيادة، مرئية على بلاطته بشكل كامل، لم يكن ليتعرف عليها أحد سواي!، علمت بشأنها بسبب وضوحها على ثيابي، وقتها، أحسست بتحمّل الانترلوك للضغط فعلًا، أحسستُ بمرونته وانحيازه إليّ وإلى رحمي، أحسست بدفئه في جسدي وقلبي، لامتصاصه بللي وقلقي، الثائرات والثوار على حق، وحدها المتاريس بمقدورها فعل ذلك.
تغيب البقعة لتقطع الطريق المعد مسبقًا للأرحام، وليصم غيابها صاحبتها بما تيسر من التنميطات والمصطلحات الشعبية، ولا يهم كيف انقطعت البقعة، لمرض أو بسبب طبيعي أو جراحي، ما يهم أنها تكون دائماً بمثابة ساعة رملية معلقة على أعناق أرحام النساء، بل أعناقهن نفسها.
وفي سياق آخر تُؤَرِق البقعة، منام النازحات، واللاجئات نزيلات السجون والحراسات والمعتقلات، الشخوص والأجساد التي لا يمكن تعريفها وفق التصورات المعيارية للدولة، يؤرقَهُن كونهن لا يتموضعن بشكل رسمي في الدولة، فهن غير مرئيات في احصائياتها وخزانتها، واقتصادها، وربما لا يملكن حتى أوراقًا ثبوتية تحفظ حقوقهن أو تثبت انتمائهن لهذه الأرض! أو لكونهن يتموضعن بعيداً عن امتيازات تجعل وصولهن أو استفادتهن من خدمات الرعاية الصحية ممكناً. كيف يمكننا إذن إدارة بلل الخاطر والخد!. كيف يمكننا إدارة الألم دون مسكنات متاحة؟ حتى الأعشاب الشعبية تتناقص بسبب ندرة الطعام.
البقعة السحرية ساخرة بطبعها، تظهر في المدارس والجامعات والشوارع بلا تردد، وتضع عبئاً لا نهائياً على أكتاف الطفلات كون ظهورها يعلن عن زيجة، لطفلة لم تلتئم بعد جراح تشويه أعضائها التناسلية، طفلة تكره الحناء كونها شريكة في الجريمتين، لكنها تفشل في إدانتها لاحقًا.
وفي أماكن العمل، تكشف البقعة عن نفسها، لأن الدولة وبناها التحتية تفتقران الحساسية اللازمة لإدارة الحيض، ولكن هذه محض رفاهية لا نملك الشجاعة اللازمة للحديث عنها في سياق السودان.
بقعة لن تراها الدولة، فهي تتعاطى مع الدورة الشهرية والحيض كشئ لا يجب إدراجه ضمن ميزانياتها، و بالتالي بمثابة أسرار لا يجب أن تدرج في المناهج، ولا أن تستوعبها البنى التحتية وفق حساسية نوعية في أماكن العمل، والمدارس والمستشفيات. ولا في وجوب منح النساء رفاهية شراء ملابس داخلية من سيدات مثلهن، أو في سوق له حساسيته النوعية، فالأسواق مساحات رجالية، تذهب إحداهن لشراء ملابس داخلية، وترجع بلمسات تحرش أليمة.
ربما هي ليست محض بقعة، لعلها بصقة ناقمة على الكل، رحمي يبصق على الدولة، ومؤسساتها، وأنظمتها، والقوانين العرفية، ورجال القبيلة، وتجار الدين والساسة.
فوطة وطبقة وسياسة
بالرغم من كون المستلزمات الحيضية هي تفضيلات شخصية إلا أنها سياسية بالضرورة، تتأثر بالأوضاع السياسية وعلاقات القوى، بالثقافة المحلية والمعتقدات، وبالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
تختلف أسعار الفوط الصحية وإمكانية الحصول عليها وفقاً للسياق، فالمناطق التي توجد فيها نزاعا

