عـــــــزّيــة

نوفيلا

عزّية

أميمة الزبير

1

بحر من الأسئلة

 

“ثمة سنوات تطرح الأسئلة، وسنوات تمنح الإجابات”

زورا نيل هيرستن

 

من هي؟ أثارت في حيرة كبرى وفضولاً لا حد له بغرابتها بعمق النظرة التي تلمع في عينيها سواء أكانت تسير بآلية في الطريق ممسكة بعصاها، أو كانت تستمتع أو تتحدث أو تزرع مضغة تبغ عطنة تحت شفتها وهي تجالس رجال القرية على المقهى الوحيد بالقرب من السوق، وأنا أمر لألحق بالعبّارة الصغيرة في طريقي إلى العمل بالمستشفى العام على الناحية الأخرى من النهر.

كان يراودني السؤال يومياً أو على الأصح ستة أيام في الأسبوع، مرتين في اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء، لا تسكن التساؤلات من حمى فضولي، بل يبدو أنّها تشعل أواره كل ليلة فيظل حياً لا يُنسى ولا يموت. بل حتى كنت أشرد أحياناً وأنا أضمّد جرح مريض ما، أو تدوين الجرعات التي أخذها مريض آخر في ملف تنويمه، وأسرح في ملامحها، ثوبها الأبيض الذي لا يعينك على معرفة بياضه سوى حدسك ومعرفتك بأنواع وألوان الملابس حتى إن كانت تُرى مختلفة عن أصلها.

 لم يكن في ثوبها من البياض شيء سوى تأريخه المعلوم بالخبرة والحدس كما أسلفت. فقد اجتمعت عليه رمال القرية وخالطت نسيجه لحد استحالة الفصل بينها وبين لحمته وسداته ولا بأقوى محاليل إزالة البقع المنتجة في أكثر بقاع العالم اهتماماً بالبياض والنصاعة – أو هكذا ظننت. لا يمكنني أن أصف شدة تفكيري بها فهي عصيّة على الوصف، لكن ربما أقرّب لك الأمر بأنني بت أحلم بها، وأكاد أجزم أن بيننا رباطاً ما.

هي ذاتها كانت تنظر إليّ في بعض الأحيان لا سيما حينما نتشارك الأريكة المخصصة لشخصين في الحافلة النهرية يومياً. لقد كانت بالنسبة لي مصدر راحة إذ إنني لا أحب الجلوس إلى جانب أحد الرجال. فليس هناك سوى امرأتين تخرجان من القرية يومياً إلى الضفة المقابلة، عزّية وشخصي الضعيف.

لم يكن المحصّل يطالبها بتذكرة مثلي بل يسألها عن حالها، وقد يتبادلان الحديث عن حال المدينة وأخبار الأطفال. أي أطفال؟ لم أنتبه ساعتها لأني كنت أحاول ألا أثير انتباهها بنظراتي لأني كنت على يقين بقدرتها على سماع أفكاري، نعم في أحيان كثيرة أطرد هذا اليقين لعدم معقوليته، ولعدم وجود سند علمي لهذا الشيء لكني لم أفقده ولا للحظة واحدة فتعلمت كيف أتعايش معه بأقل قدر من الخوف. هل لها أطفال؟ هي تسكن على بعد ثلاث مربعات من منزلي، وطبيعة عملي لا تسمح لي بالاختلاط مع أهالي قريتي ولذلك لم أكن أعرف طبيعة حياتها في القرية، خاصة أنّها مثلي، كثيراً ما تكون خارج المنزل، تخرج مع العاملين والموظفين وتعود مع التجار والرعاة وأصحاب المهن الحرة.

آمل أنّها تكسب مثلهم جميعاً فهي تتعب حقاً وتبذل جهداً خارقاً إلا أنها بارعة في إخفاء مشاعرها وأسرارها وأخبارها أيضاً. لا تخبر الناس إلا بما تريد هي أن تفعل. وتحيط نفسها بأسوار من الروتين والحدود التي لا تُظهر سوى شخصية نمطية تخرج صباحاً، مبتسمة، قوية، عزيزة النفس، جريئة، عفيفة وتفعل كل ما يتطلبه الأمر لتعود بما يكفي لخروجها مرة أخرى مثل الطير أو سائر عمّار ملكوت الله ممن يقدسون قيمة العمل والاعتماد على الذات. يا لها من شخصية غريبة! بخلاف هيئتها المهلهلة والخشونة التي تغلّف أنوثتها الكاملة، التي لا يمكنك أن تراها إلا بعين القلب، بخلاف هذا فهي تحمل سراً غريباً وانضباطاً يشبه انضباط ضباط المخابرات في التزامهم بالأخلاق والسرية والتخفي.

 لا بد أنّها متطورة من الناحية الشخصية والروحية فوق ما بوسعنا تصوره أو إدراكه. من أي طينة هي؟ ولم تشغلني هكذا؟ وهل تشغل غيري من الناس؟ لكن لم يتعاملون معها كواقع مُسلّم به وليس مثلها امرأة على حد علمي خرجت للسوق وجالست التجار والرعاة والموظفين في المقاهي، ولا تشاركت أزقة الحياة الشاقة بين عمّال الزرائب والجزارين والعتّالين وبائعي الفحم والغلال والخضر والثوم والبصل. ليس هذا فقط بل تقاطعت خطواتها الثابتة الغريبة التي أصابها عرج في آخر عمرها بسبب خشونة المفاصل حتى مع المجانين. وهذا هو السبب في مناداتها بـ”المجينينة”، ليس من قبل الأهالي ولا الأطفال الذين لم يوفروا طاقة في اللحاق بها وزفّتها ما عنّ لهم ذلك. بل من مجموعة من أكرم زبائنها في السوق. وربما كانت لها ألقاب أخرى، وكانت تخشاها النساء وتبتعد عن الاختلاط بها مثلما تفعل مع الرجال، بُعد البيضة عن الحجر – وربما أكثر، فلهنّ في الرجال مآرب وليس لهن فيها من شيء. 

لم أنس ذلك حتى بعد خمس سنوات منذ أول مرة أشاركها الرحلة، وصرت الآن أقل تردداً على المستشفى، نظراً لانتقالي من الوظيفة الطبية إلى الإدارية وأحياناً في قسم التدريب. تساؤلاتي التي خفت حدتها لم تخف قوتها ولا أثرها. بل أصبحت أكثر إلحاحاً عليّ في وضع حد لنهمي لمعرفة أسرار هذه الشخصية العجيبة التي لم يُر مثلها في البلاد منذ عهد جدة أمي العازة وحتى عهد ابني الوحيد الذي هو الآخر يراقبها من بعيد، ويسمع حكاياتها من أبيه الذي أصابته- منذ زمن لا أعرف مداه- عدوى الاهتمام دون كلمة مني ولكن هذا يحدث- كما علمت من قراءاتي في كتب الماورائيات ومواضيعها الغريبة- بين أفراد الأسرة الواحدة. إذ تسري بينهم أحاديث صامتة وتلتقي أرواحهم وهم نائمون فيسرون لبعضهم البعض بما لا تواتيهم الشجاعة على قوله في اليقظة، أو تسعفهم الذاكرة الواعية المحدودة بذكره في النهار.

استجمعتُ شجاعتي ونضج العصور الذي شعرت به يتدفق في أجزاء روحي وأثير جسدي وعقلي، وقررت أن أضع حداً لهذا التباعد. أشعر أن بيننا كثيراً من الحوارات تدور بالفعل، ولكن هي تتحاشاني خوفاً من الإحراج، وأنا أتفاداها حفاظاً على أماني من آراء الناس وفضولهم وربما تدخلاتهم في حياتي، وقبل هذا وذاك على مكانتي الاجتماعية الظاهرية، التي تسير على خط متسق مع إرادة المجتمع حتى عندما تناهض هذه الإرادة امرأة من أفراده الأنقياء، التي تساعد الجميع وتعطف على الصغار والكبار، ولكنها تضطر إلى فضح عجزه عن تحمل مسؤولية هذه الأسرة اليتيمة.

هل أخطط لذلك؟ أي للمحاولة التي ربما تفشل أو تنجح، وبتعريفي الجميل للنجاح فكل خطوة تقودك إلى الهدف حتى إن كانت في الطريق الخطأ، تقربّك منه. لكن ما الهدف الحقيقي وراء تواصلي معها؟ هل الهدف هو إرضاء فضولي فقط؟ أم شيء آخر؟ هل هو اقتراب منها أم مني؟ لمعرفة الرابط الذي يجمع بيني وبينها؟ هل أنا أهذي أم أهزأ؟ هل يمكن حقاً أن يكون هناك شيء يربطني بها وأنا لا يربطني بقريتها ولا قبيلتها سوى النسب بهذا الرجل الذي هو شريك حياتي ووالد وحيدي؟ ماذا عساه أن يكون بيننا؟ هل أثرت عليّ قراءات الميتافيزيقيا وقصصها التي لا يربطها بما اعتدت عليه وعرفته وتعلمته في المدارس والكليات؟ لكن ما الفرق بين هذه الكتب التي ندرسها وتلك الكتب التي نطالعها على استحياء أو خوف؟ كلها كتب، وكلها لمؤلفين عاش معظمهم في عصور تسبقنا بمئات السنين أحياناً بل في أغلب الأحيان؟ ما الفرق؟ الفرق هو أنّ الأولى تحدّ قدرتنا على التفكير وتحجّم أفكارنا وتؤطرها بقضبان كقضبان السجن، والأخرى تطلق العنان لأفكارنا وأرواحنا ومخيلتنا في كل الاتجاهات، وتجعل من الزمن شعاعاً يتفرق مثل أشعة الشمس في اتجاهات كثيرة، أو موجة كالصوت في جميع الاتجاهات. ذبذبات تخترق عقولنا وتسر بالأحاديث الغريبة حتى إن كانت حقيقية إلى عقولنا التي تعرف تماماً أن الله حق، وأن كونه عامر بكل ما نعرف وما لا نعرف، أو ما لا يمكننا معرفته حتى يمنّ الله علينا بارتقاء إلى فردوسه الذي لم يخطر مافيه على قلب بشر.

ما أجمل أن استرسل في الأفكار والخواطر ليس فقط لما قد أصل إليه من دهشة تنتشي بعدها الروح، ولكن لأني لم أكن أتوقع أن أجد في هذه القرية سوى معاناة عبور النهر الضيق الغاضب قبل الخريف من كل عام، والمنحسر عن جزائره الخصبة كل صيف. لم أكن أظن أنني سأجد فيها ما يشعل شموع الإلهام في عقلي وقلبي كل يوم ومهما كانت ضغوط العمل كبيرة أو هموم الحياة أكبر.

. لأتحدث إليها أثناء الرحلة إلى المستشفى في الصباح، أو ربما من الأفضل أن أبدأ صداقة معها، لكنها تبتعد كما عرفتها من النساء بقدر ابتعادهن عنها. لا أعلم ما السبب لكن ربما تفادياً للمرور بتجارب الرفض التي تخدش روحها الرقيقة المتوارية خلف رمال القرية المنتظمة في طيات ثوبها الأبيض رغم ألوانه الترابية السافرة. ولكن هل أستطيع الوفاء بواجبات الصداقة؟ وأنا الأخرى منطوية لا أخرج إلا إلى المشفى ولا أحادث سوى زوجي وابني واختي الوحيدة وجدتي التي لا تنطق إلا بالحكمة.

 ولكن ماذا إن لم تتحدث معي؟ ليس بخلاً منها أو جفاء فهي ودودة بطبعها ومجاملة لحدٍ بعيد ولطيفة للغاية، لكن قد لا تسعفها الكلمات للتعبير، أو قد أثير في نفسها شجوناً وأحرّك أحزان قلبها الراكدة، فهي في النهاية امرأة لم ترحمها الحياة ولم تحنُ عليها القلوب الودودة في القرية ولا في المدينة، وجل تعاملاتها مع رجال ساخرين غير آبهين بما قد ينطوي عليه وجدانها من حزن، أو روحها من رهق، أو ما تضمه بين ضلوعها من آلام ومواجع. أكاد أدرك كم هي وحيدة رغم ما تحيط به نفسها من رجال حيثما ذهبت، ورغم وجودها في السوق العامر يومياً تقريباً. حتى في اليوم الذي يغلق فيه السوق أبوابه تخرج لتعمل في الزريبة وتجمع ما استطاعت من رزق لأطفالها. وكيف لها أن تكون ذات أطفال وهي تصحو على أنفاس السوق القاسية وتنام على غبار ثوبها اليتيم ولكن هل تنام حقاً؟

 سمعت مرة أنّها شوهدت نائمة بين البهائم في الخلاء تحت شجرة لم يزد ظلها على سنتمترات قليلة، وهي ذات ضخامة في الجسم لا تخفى على ذي نظر. لكن ربما نامت من شدة التعب، أو راحة الاستسلام للأقدار والرضا بما حكم القضاء. راضية هي عن سعيها ونفسها وهذا الرضا بادٍ عليها رغم الكبرياء والتواضع الممتزجان وسط وجهها بين أنف عالٍ وفم مفتوح دائماً مستعد للابتسام وملامح مفترة وأسنان واضحة وكلمات قليلة.

إذن إن لم ينجح الحديث إليها سواء بسبب ترددي أو عدم اطمئنانها لي أو لحرج أسئلتي فماذا أفعل؟ سأكتب ما سمعته عنها طوال سنوات سكناي بهذه المنطقة. وسأدرس وأصنف ما قال عنها حتى أخلص إلى أقرب صورة للمرأة التي تهرب منها إلى الشوارع والمقاهي والأسواق في ثوب أبيض ليس بأب.

اطمأننت كثيراً لهذه الفكرة فهي تجمع ما بين التنوع في المصادر والاحتكام للعقل بدلاً عن الأفكار التي قد تنتهي بي إلى طرق وهمية مسدودة بضباب الاختلاق وفبركات الأحلام النهارية التي تأخذني إليها لحظات العمل المملة وتكرار المشاهد المضجرة. وليتها تقف عند ذاك. خاصة بعد أن اتجهت بي إلى عوالم أخرى من الأسباب غير المعقولة ولا القابلة للتمحيص بأي طريقة أعرفها.

ولكن كيف وأنا لا أسامر ولا أجالس؟ ربما مثلها أنا لكن بطريقة أخرى، تعتزل هي حقيقتها وأعتزل أنا مجتمعي. تترك أنوثتها في المنزل وأترك أنا الناس على حدود عملي وبيتي.

ذكرتني هذه الحالة بأحوال ألفتها فيّ. نعم هي ليست بالعادية، ولا المتكررة بتواتر سريع، لكنها صارت من الأحداث النمطية التي تقابلني من وقت لآخر في طريق الحياة المتشعب كالموج. موج من الأسئلة الثقيلة المتلاحقة، المتلاطمة. أسئلة لها طبيعة مختلفة. تنبع من مشاعر أو خواطر دفينة عميقة، وتتكاثر وتتشعب وتتفرع وتتلاحق، فتصبح كمتاهة متلاطمة أو دوامة كالنيل في موسم “الدميرة”. نعم كنت أخشى في البداية من هذه الحالة، وأظنها ضرباً من الوسواس القهري، لكن خالي الطبيب النفسي الماهر طمأنني بأنّ الوسواس في العادة لا يولّد الأسئلة بقدر ما يولد الأفكار، وإن كانت الأسئلة مشروعة قابلة للإجابة، ذات معنى وذات هدف وتخدم غرضاً نفعياً أو معنوياً فهي غير وسواسية وإن ألحّت. وأخبرني أيضاً أن الأسئلة في رأسي أنا وليس العكس، لذلك بوسعي إيقافها أو رفض الإجابة عليها في أي وقت وتغيير الموضوع. لذلك أصبحت هذه الحالة أقل إزعاجاً بالنسبة. خاصة إنّها في جميع الأوقات كانت تنتهي بكشوفات عجائبية، تظهر فيها جميع الأمور التي كانت تتوارى خلف غموض الأسرار وتنجلي كل الحقائق المستترة فتنشرح أساريري، وتنتشي خواطري وأقفل مثل المحقق الشهير شيرلوك هولمز فصلاً جديداً من المغامرات لأتوق إلى المغامرة التالية. على الرغم من أنّ هذا النوع من المغامرات لا يحدث إلا في عقلي أنا، إلا إنّه كان فعلا لا يقل عن تلك المغامرات البوليسية أو الاجتماعية في إثارته وغموضه وما يثيره في من قلق لا يهدأ، ولكنه قلق لذيذ، وذو وقع محبب يدغدغ الأنا ويفرض عليّ اجتياز تحديات قد يراها البعض من المستحيلات. لكني أعرف وبِتُّ متأكدة أكثر من أن لكل سؤال في هذا العالم إجابته الكافية، ما دام قد خطر ببالك وكان كما قال خالي الخبير في اختلاجات النفس وما توسوس به، مفيداً هادفاً ذا معنى ويخدم قضية نفعية كانت أم معنوية. تذكّر هذا الآن يجعلني أشعر بالاطمئنان. سأخلد إلى النوم وسأحاول أن أتحدث إليها غداً. لا أدري هل ستتقبلني وكيف ستفعل وهل ستقول أي شيء يفيدني؟ لكني أتوق إلى الحديث إليها. أرضاني هذا الخاطر، فنظرت إلى وجهي في مرآة القمر الذي لاحظت أنّه اكتمل اليوم بدراً، وجدت ابتسامتي رائعة في انعكاس صفحته، كيف للقمر أن يعكس وجهي؟ لا بد أن التعب والنعاس قد جعلاني أرى وجهي على سطح القمر. لكن على كل حال سواءً أكان هذا خيالي، أم انعكاسي فعلاً فابتسامتي جميلة، ولا بد أن أبتسم أكثر. لن يضيرني شيء. زوجي بات أكثر ثقة بي، وزملائي أكثر احتراماً لي ولمزاجي في العزلة. لن تفسد عليّ الابتسامة ذلك، فإن فعلت سأعود إلى سابق سيرتي من تجهم وعبوس. على كل لن تقتل الابتسامة شخصاً، ولكل حادث حديث، إن أسيء فهمي سأدعي إني تذكرت موقفاً طريفاً. حيلة قديمة لكن ستفي بالغرض. سأنام الآن والصباح رباح.

المقالات +

كاتبة ومترجمة