أثمان خفية للحرب – كيف دمر الصراع حق النساء في الرعاية الصحية

أثمان خفية للحرب

كيف دمر الصراع حق النساء في الرعاية الصحية

ملاذ البدوي

 

أمسكت سليمة عبد الله (27 عامًا) الحامل في الشهر الثامن، بطنها وتحسست حركة جنينها، بينما تتوسط أسرتها داخل عربة تويوتا، موديل لاند كروزر، قديمة ومكتظة بالركاب/ات الفارين من انتهاكات قوات الدعم السريع بمعسكر كريندينق بولاية غرب دارفور، الولاية التي اجتاحتها القوات في مايو 2023، كانت سليمة واسرتها وجميع من في العربة في طريقهم إلى الحدود السودانية التشادية. احتضنت سليمة أبناءها الثلاثة، والجنين الرابع الذي لم تره بعد، في محاولة لحمايتهم من آثار وعورة الطريق وحدود التعبئة. لكنهم وجدوا أنفسهم بعد يوم من الرحلة، ملقون على الأرض، غارقين في دمائهم، تحت جذع شجرة قرب منطقة جكري، على بُعد نحو 3 كم من تشاد، بعدما فقد السائق السيطرة وانقلبت بهم السيارة، ما أدّى إلى فقدان سليمة للجنين.

منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، شهد السودان نقصاً حاداً في الخدمات الصحية، إذ دُمرت نحو 70% من مؤسسات الدولة الصحية، ونزحت الكوادر الطبية من المناطق التي استهدفتها قوات الدعم السريع بشكل خاص. ما أدى إلى زيادة تعقيد الأوضاع ومضاعفة معاناة النساء، خاصة الحوامل اللواتي اضطررن إلى السير لمسافات طويلة، وهن يعانين من نقص الطعام، ما عرضهن لارتفاع معدل الأنيميا، وزاد من الضغط على خدمات رعاية الحوامل في الولايات الآمنة، وترك آلاف النساء في دور الإيواء دون رعاية.

في 20 أبريل 2023 ومع بداية القتال في الخرطوم، صرّحت ليلى بكر، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، إن هناك 220 ألف امرأة حامل في الخرطوم، بينهن 24 ألف حالة على وشك الولادة، وأنهن يواجهن خطراً على حياتهن وحياة أجنتهن بسبب تعطل الخدمات الصحية.

وفي أواخر أكتوبر 2024 صرح وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم – عقب اجتماع عقده مع شركاء الصحة والمانحين، ناقش فيه وضع صحة الأمهات والأطفال في ظل الحرب الدائرة – بضرورة توفير رعاية خاصة للحوامل بعد ازدياد معدلات وفياتهن، والتي بلغت 295 وفاة لكل مائة ألف حالة ولادة، بينما بلغت وفيات الأطفال  51 لكل ألف طفل مولود. ولفت إلى أن الخطة الاستراتيجية لعام 2025 تتطلب رصد أكثر من 200 مليون دولار من قبل حكومة السودان، والشركاء والمانحين، مشدداً على أن وضع الصحة الإنجابية والأمهات في حاجة إلى تدخل عاجل في ظل الحرب واعتداءات قوات الدعم السريع.

يستعرض هذا التقرير الصحفي قصص نساء حوامل من مناطق مشتعلة بالصراع لعكس معاناتهن وقت الألم والمخاض وتبعات الحصار العسكري، وعدم توفر رعاية إنجابية أو أقسام صحية أو أطباء، وأحيانًا حتى قابلات. كما نعتمد في التقرير على إحصائيات بعدد الأطباء والأخصائيين في هذه المدن، مع الاستناد إلى شهادات جُمعت خلال نوفمبر وديسمبر 2024، قبل تغيّر السيطرة العسكرية في بعض المناطق.

حوامل في مناطق مشتعلة

تقول سليمة إنها نُقِلَت من الحدود التشادية على يد خالاتها، وأنها قامت بدفن طفلها، بعد أن هربت من كريندينق إثر اقتحام الدعم السريع لمنزلها أكثر من عشر مرات خلال أسبوعين. حيث سُرقت ممتلكاتها وقُتل اثنان من أشقائها، ما ضاعف مأساة نزوحها الإجباري، تضيف: ”رغم الحادث، انتظرنا حتى أصلحوا العربية في اليوم الثاني، وانتقلنا إلى معسكر أدري للاجئين. وصلنا بعد يومين، ولكني تعرضت لمضاعفات الإجهاض ونزيف استمر لأكثر من أسبوع، حتى قابلت طبيباً في المعسكر وأعطاني دواءً خفف عني“. بعد ما يزيد عن شهرين على إجهاضها، عاشت سليمة ظروف حمل جديد وصفتها بالـ ”قاسية“ في معسكر أدري، حيث أضطرت للعمل في نظافة المنازل وغسيل الملابس لمساعدة زوجها الذي فقد مصدر رزقه. كما كانت تجلب الماء يومياً في أوعية ماء كبيرة تحملها على رأسها للشرب والاستخدام اليومي. تستحضر سليمة أيضاً رحلتها المرهقة التي استغرقت أسبوعين لإنشاء راكوبة تأويهم، قطعت خلالها مسافة ساعتين سيرًا شرقي المعسكر لإحضار المواد المحلية المستخدمة في بناءها، وهي في شهرها الثاني من الحمل. وفيما يخص الطعام، قالت أن غذاءها في تلك الفترة اقتصر على ماتيسر من مكونات محلية مشيرة إلى عدم تخصيص مساعدات خاصة بالحوامل، سوى خبز ذرة يُمنح كل شهرين بكرت اللجوء.

أنجبت سليمة طفلها مؤيد مجاناً في مستشفى في معسكر أدري، عبر مبادرة تطوعية باسم ”لأجلك“، أطلقت  في يوليو 2023، ثم تطورت لعيادة ميدانية توفر الأدوية، والكشف والفحص. ووفقاً للطبيب ومشرف الإعلام المرّتضى عبد الرحمن، يوجد في المعسكر مستشفى حكومي واحد ومستشفيين خاصين، لكن العلاج في الأخيرين مكلف. وحالياً تجاوز عمر مؤيد الستة أشهر، وهو يعيش على الرضاعة الطبيعية المتقطعة، بسبب سوء التغذية الذي تعاني منه والدته.

في الجزيرة: الانتقال نحو مستشفى آمن

تنهدت إسراء جبارة الله، نائب أخصائي النساء والتوليد في مستشفى ود آدم الريفي (محلية 24 ـ القرشي، غرب الجزيرة)، أثناء سردها، عبر تسجيلات صوتية، لحالات حوامل نجّين من قرى مثل ودالنورة والخروع والجترة والقلعة وعراق والشويرف. وتحكي إسراء: ”في الأول من ديسمبر 2024 وصلتنا حالة من ود الجتره على عربة ”دفار“ كبيرة. كان نصف الجنين لا يزال داخل الرحم، وبسبب تأخّر وصول الطبيب وتعطّل العربة أثناء قدومها في الطريق فقدنا الجنين، وأصيبت المرأة بتهتك في المستقيم. لكن مع ذلك قدمنا لها العلاج وقمنا بايقاف النزيف“.

من القصص المؤلمة التي لا تُفارق مخيلة دكتورة إسراء وصول إمرأة نازحة من قرية المساريح بود النورة على ـ كارو ـ وهي تعاني من انفصال المشيمة، وقد تضاعفت حالتها، ولم يكن هناك أخصائي لإسعافها كما لم يتوفّر لديها المال لنقلها إلى مستشفى المناقل، لتُضيف: ”رغم تمكننا من جمع تبرعات لها، لتحويلها إلى مستشفى المناقل إلا أن جنينها توفي جراء التأخر في إسعافها وتمت إزالة رحمها بعد نقل 5 وحدات من الدم“.

تشير إسراء إلى أن أهالي الحوامل كانوا يعيشون حالة من القلق والرعب ويفكرون في النزوح إلى المناقل أو ود آدم أو القرشي مع دخولهن الشهر الثامن في الحمل، حتى يصبحن قريبات من المستشفى. فمنذ تمدد النزاع إلى ولاية الجزيرة بعد سيطرة الدعم السريع على ود مدني، لحوالي عام، حتى قام الجيش باستعادة السيطرة على المدينة والولاية بين ديسمبر 2024 ويناير 2025، شهدت الولاية سلسلة مجازر، أبرزها في يونيو بقرية ود النورة، وفي أكتوبر في قرى شرق الجزيرة بعد انشقاق قائد الدعم السريع أبو عاقلة كيكل، مما خلف عشرات الآلاف من النازحات/ين، خاصة النساء والأطفال، ومن بينهم عدد كبير من الحوامل.

غلاء سعر العمليات في مدني

علياء حسين (28 عاماً)، وبعد مضي شهر وعشرين يوماً على ولادتها في ود مدني، أيام سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، قالت: ”أول مرة ألد ولادة زي دي، لكن الظروف ما زي زمان. الحالة النفسية ما زي زمان“. وأشارت إلى إنها كانت قلقة من رسوم العملية في المستشفى البريطاني، حيث بلغت التكلفة 300 ألف سوداني (ما يفوق المائة دولار)، والتي ارتفعت إلى 570 ألف وقت ولادتها في أكتوبر، لتصل إلى 700 ألف جنية لاحقًا، بالإضافة إلى رسوم الفحص والمتابعة التي تبلغ حوالي 30 ألف جنيه. يُعتبر المستشفى البريطاني، إلى جانب مستشفى مدني ومركز صحي في (الشرفة بركات) شرق المدينة، من الأماكن القليلة التي كانت توفر عمليات جراحية وأطباء قابلات خلال فترة سيطرة الدعم السريع.

تضاعفت هموم علياء مع قرب موعد ولادتها حين سرق أفراد من قوات الدعم السريع منزلهم بعد اقتحامه في إحدى الليالي، وقاموا بالإعتداء على زوجها بالضرب، ورغم توسلها بأن المبلغ الذي خيروها بين أخذه أو قتل زوجها مخصص لعملية الولادة، إلا أنهم لم يهتموا لذلك حسب قولها. وتابعت: ”قررت الولادة طبيعياً بسبب ارتفاع تكلفة عملية الولادة القيصرية، رغم توصية الطبيب بها. وعند موعد الولادة، قطعت المسافة من حي الدرجة إلى حي المزاد، مسافة حوالى كيلومتر ونصف،  وظللت مع القابلة لفترة حتى وضعت بسبب صعوبة التنقل، وأضطررت لتوفير مبلغ 70 جنيهًا لدفعه للقابلة نظير الجهد الذي بذلته“. وأضافت أن مولودها عانى من سوء التغذية، وكانت تكلفة اللبن الصناعي عبء كبير عليها، بينما اقتصر الاحتفال بمجيئه على الرز والزلابية، مؤكدة أن الجيران هم من ساعدوها في تجاوز الأزمة.

حلفا الجديدة: حوامل افترشن الأرض بلا مأوى أو خدمات

في المدرسة المصرية التي تحولت لمأوى مؤقت للنازحين من ولاية الجزيرة في حلفا الجديدة شرقي البلاد، قبل استعادة الجيش السيطرة على الولاية، افترشت عشرات النساء الأرض بسبب عدم استيعاب المنطقة للخدمات المتدفقة من النزوح.  إحدى النازحات التي تعرضت للإجهاض بسبب صعوبة الرحلة من شرق الجزيرة لحلفا، رفضت التحدث عن صدمتها النفسية، لكن تحدثت نيابة عنها ملامحها الحزينة وعزلتها.

أما هند جلال محمد (32 عاماً) النازحة من أم كريعات شرقي الجزيرة، فقد أنجبت جنيناً ذكراً بمساعدة ”قابلة“ في منطقتها، قبل أن تضطر للفرار بمجرد وضوعها، خوفاً من قصص انتهاكات الدعم السريع في تمبول. وأثناء محاولة ركوب العربة، المكتظة بالنازحين الفارين من تمبول والقرى المجاورة لها، احتضنت هند مولودها بيدها اليسرى بينما أمسكت اليمنى العتبة الحديدية للعربة (دفار) واضعة رجلها اليسرى على الأرض بينما رفعت الأخرى بمسافة تقدر بين 90 ـ 130 سنتمتر (وهي خطوة شاقة لإمرأة وضعت حديثاً، وقد تتسبب في مشاكل طبية). حكت هند إنها تنقلت لأيام بين مناطق (زرقة إلى مسيد طندب، ثم إلى الحسناب)، برفقة مولودها وبناتها الخمسة، قبل أن يصلن إلى حلفا الجديدة في رحلة استغرقت 12 ساعة. تقول هند: ”عدت إلى المدرسة المصرية، لكن لم أجد مكاناً فافترشت مع طفلاتي العربة التي نقلتنا، وبقينا فيها أمام المدرسة لمدة يوم كامل، ثم بعدها وجدنا مكانا لنا هناك“. استقرت هند وأطفالها في المدرسة، وتركز غذائهم على أم عكارة وهي وجبة تصنع بخلط الدقيق الحامض مع الماء.

إجهاض الأجنة في الطريق للمستشفى

يقول أحد الكوادر الطبية في مستشفى ديم المشايخة، وهي مدينة تقع على ضفاف النيل الأزرق ضمن جنوب الجزيرة قريبة من سنار، أن الأحداث العسكرية في ولاية سنار في يوليو العام الماضي دفعت الأهالي لتحويل المركز الصحي إلى مستشفى موسع، لاستيعاب حالات من الجزيرة وسنار. وأشار إلى إنه من بين كل 100 حالة كانت تصل 5 حالات إجهاض ناجمة عن وعورة الطريق، مضيفاً إن أغلب هذه الإجهاضات لا تتم داخل المستشفى. لكنه لفت إلى عدم تسجيل وفيات بين الأمهات. كذلك أشار إلى تعرض بعض الحوامل للسرقة من قبل قوات الدعم السريع على الطريق، وقال: وصلت إلينا حوامل على أقدامهن فقط، بعد سرقة السيارات التي كانت تُقلهن من قِبل قوات الدعم السريع. وأضاف إن المستشفى، الذي بدأ العمل في فبراير 2024، قدم خدمات رعاية لحوالي 30 قرية قبل سيطرة الدعم السريع على سنجة، عاصمة ولاية سنار. قال: ”خلال حصار سنجة والسوكي، أجرينا أكثر من 300 عملية ولادة بين منتصف يونيو ومنتصف أغسطس 2024، وكانت أغلبها لحالات من ود البخاري بولاية سنار“.

يُبيّن الطبيب أيضاً أن الفريق الطبي بديم المشايخة كان يتكون من حوالي 15 طبيباً وأخصائياً من أبناء القرية، يعملون بمعدات قديمة لكنها معقمة جيدًا، ما قلل نسبة الإلتهابات بعد العمليات. وأضاف: ”مع ذلك، كنا نُجري العمليات بإضاءة باهتة أو بضوء الهواتف لعدم وجود جاز لتشغيل مولد الكهرباء“. ويتفق الدكتور مصعب عمران، وهو طبيب عمومي بمستشفى سنار، مع زميله، مشيراً إلى أن توقف مستشفى سنار التعليمي – المستشفى الرئيسي في المدينة – لأكثر من شهر نتيجة انقطاع الكهرباء بسبب حصار الدعم السريع لسنار في يوليو 2024 جعل مستشفى ديم المشايخة الوجهة الطبية الوحيدة. وأضاف أن الطريق من سنار للمستشفى كان يستغرق ساعتين وأن التنقل يتم عبر عربات كارو، مضيفاً أن الحوامل تعرضن لمضاعفات صحية خطيرة جراء وعورة الطريق. كما أشار عمران لعودة مستشفى سنار للخدمة في 6 أغسطس 2024، وإجراء أول عملية قيصرية لإمرأة بعد توفير جازولين وإحضار ألواح طاقة شمسية بالطيران الحربي التابع للجيش من مدينة شندي شمال البلاد.

الطيران يقلل حضور الأطباء

في نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ أواخر أكتوبر 2023، يروي أحد الأطباء الذين كانوا يعملون في مركز للنساء والتوليد شمال المدينة، أن المركز يقع في منطقة مستهدفة من قِبل الطيران الحربي التابع للجيش السوداني. وأوضح أن المركز كان يعمل بشكل جيد، إلا أن الكوادر الطبية كانت تضطر للتوقف عن العمل مراراً بسبب هجمات الطيران. وأشار إلى أن وضع المستشفى كان جيداً من حيث توفر الكوادر الطبية، والموظفين، والمعدات الطبية، والمعمل، والصيدلية، والعنابر، بيد أنهم اضطروا للتوقف عن العمل عدة مرات بسبب عدم توفر مادة الفورملين، وهي مادة ضرورية لتعقيم أدوات الجراحة، بالإضافة إلى ندرة بعض معدات العمليات والأدوية الأساسية. ويتابع الطبيب موضحاً أن المركز تعرض لقصف مدفعي مرتين قبل سيطرة قوات الدعم السريع على نيالا، ما أدى إلى احتراق مخزن أدوية داخل المركز، في وقت كانت تُجرى فيه عمليات جراحية وكان هناك مرضى داخل العنابر، إبان الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع قبل سقوط المدينة في يد الأخيرة.

أدار هذا المستشفى طبيبٌ اختصاصي واحد، وطبيبان عموميان، وقابلتان، وثلاث ممرضات، بالإضافة إلى طبيب مختبر، وصيدلاني، وعدد من المساعدين بحسب ما نقل لنا المصدر. وفي سبتمبر 2024، أصدرت منظمة أطباء بلا حدود تقريراً يكشف عن أوضاع مأساوية للأطفال والأمهات في مستشفيين تدعمهما المنظمة في الولاية. وذكر التقرير أن نسبة وفيات الأمهات بين يناير وأغسطس من العام الماضي في هذين المستشفيين تجاوزت 7% من إجمالي وفيات الأمهات التي سجلتها جميع مرافق أطباء بلا حدود حول العالم خلال عام 2023. كما أشار التقرير إلى أن مستشفى نيالا التعليمي ومستشفى كاس الريفي في جنوب دارفور سجّلا 46 حالة وفاة بين الأمهات خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2024، في حين توفي 48 طفلًا حديثي الولادة بين يناير ويونيو 2024 جراء الإنتان (وهي استجابة مناعية حادة تدخل مجرى الدم)، ما يعني أن واحداً من كل خمسة أطفال مصابين بالإنتان لم ينجُ.

وفي السياق ذاته، قال الطبيب أنهم أجروا خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2024، نحو 350 عملية ولادة قيصرية، و72 عملية جراحية كبيرة تتعلق بإزالة الرحم وغيرها من العمليات المعقدة. كما بلغ عدد عمليات الإجهاض 472، تشمل جميع الولادات القيصرية والطبيعية. وأضاف أن عدد الولادات الشهري يتراوح بين 80 إلى 100 ولادة، بينها 20 عملية قيصرية و80 عملية ولادة طبيعية، مشيراً إلى أن الفئة العمرية للنساء الحوامل تتراوح بين 25 و35 عامًا. وقد حاولنا التواصل مع بعض النساء اللاتي عشن تجارب الولادة أو الإجهاض في سياق الحرب الحالية بنيالا، إلا أن ضعف الاتصال وسوء الشبكة حال دون ذلك.

المستشفى السعودي في الفاشر رمزاً للصمود

في الفاشر، ونظراً لتركّز المستشفيات داخل العاصمة، قطعت عائشة محمد عبد الله صالح مسافة ساعتين سيراً على الأقدام من معسكر ”أب جربون“ بمنطقة البراري غرب المدينة إلى المستشفى السعودي، لتحصل على دعم مجاني من الهلال الأحمر في ديسمبر 2024، لمساعدتها على الولادة، حيث أنجبت طفلها دون مرافقة زوجها الذي فقدته خلال الحرب.

يُمثل قسم النساء والتوليد بالمستشفى السعودي — الذي يُعد المنشأة الطبية الوحيدة التي لا تزال تعمل في الفاشر بعد خروج معظم المستشفيات عن الخدمة جراء القصف المكثف من قوات الدعم السريع — رمزاً للصمود. وقد جذبت الطواقم الطبية العاملة فيه الأنظار بتفانيها في إنقاذ الأرواح رغم الظروف الكارثية من انعدام الأمن والمعدات الطبية، فيما أثارت الهجمات المتكررة عليه من قوات الدعم السريع تنديداً إقليمياً ودولياً واسعاً.

وبحسب المدير الطبي للمستشفى مدثر إبراهيم سليمان، فإن عدد عمليات الولادة التي أُجريت في نوفمبر 2024 بلغ نحو 179 عملية ولادة قيصرية، و55 حالة ولادة طبيعية، و40 عملية صغيرة، في حين بلغت حالات الإجهاض 13 حالة. أما عن الفترة التي سبقت تصاعد القتال أشار مدثر إلى أن عدد حالات الولادة التي تم تسجيلها في المستشفى من 1 مايو 2023 حتى 1 مايو 2024 بلغ 3017 عملية ولادة قيصرية، بالإضافة إلى 786 ولادة طبيعية، و395 عملية جراحية كبيرة.

الأثر الكارثي لاغلاق المستشفيات وانعدام الخدمات في الخرطوم

في العاصمة الخرطوم عجزت مئات النساء الحوامل عن الوصول إلى المراكز الصحية لتلقي العلاج وإجراء الفحوصات، بسبب التدهور الأمني الحاد. وقد تركزت المستشفيات التي تقدم خدمات الصحة الإنجابية في جنوبي الخرطوم في مستشفى بشائر والمستشفى التركي اللذان تدعمهما منظمة أطباء بلا حدود، وتوقفت الخدمة فيهما أكثر من مرة جراء المخاطر الأمنية، بالإضافة إلى مستشفى أم درمان.

في يناير الماضي، وجراء إعلان أطباء بلا حدود تعليق نشاطها في مستشفى بشائر الذي يقدم خدمة العمليات القيصرية مجاناً، قالت غرفة طوارئ جنوب الحزام أن هذه الخطوة هددت حياة 250 سيدة حامل، فيما كشفت في منشور في مارس الماضي عن وفاة عشر نساء أثناء الولادة نتيجة توقف المستشفى ذاته. وبعد ستة أشهر من التوقف، أعلنت أطباء بلا حدود عن استئنافها خدماتها في العاصمة الخرطوم، عقب سيطرة الجيش السوداني عليها بالكامل، وعن ولادة أول طفلة منتصف الشهر الماضي،  واعلانها عن دعم القطاع الصحي خاصة أقسام الأمومة. لكن، ومع ذلك، قدر الوزير المكلف في تصريح صحفي في أبريل الماضي، أن كلفة إعادة تأهيل القطاع الصحي تقدر بـ(2.2) مليار دولار خلال العام الأول، كما أجبرت تخفيضات التمويل من جانب الجهات المانحة صندوق الأمم المتحدة للسكان على وقف دعمه لأكثر من نصف المرافق الصحية الـ 93 التي كان يمولها. يضاف إلى ذلك أن ما كشفته شهادات النساء ومقدّمي الرعاية الصحية في هذا التقرير ليس مأساة فردية فحسب، بل دليل صارخ على الانهيار الكامل لقطاع الصحة والعجز عن حماية النساء في زمن النزاع، وكما يكشف عن الحاجة المُلحّة لإدراج الرعاية الصحية للنساء الحوامل والصحة الإنجابية كأولوية إنسانية عاجلة ضمن أي جهود إغاثية أو تسوية سياسية قادمة.

تُجسّد هذه الشهادات الصورة القاتمة التي تواجهها النساء الحوامل في السودان، وسط أتون الحرب المستعرة منذ أبريل 2023. وقد تحوّلت تجربة الحمل والولادة في مناطق النزاع إلى معركة من نوع خاص، تخوضها النساء ببطون مثقلة بالأجنة وأرواح مهددة بالموت في كل لحظة، سواء على قارعة الطرقات، أو تحت نيران القصف، أو في مخيمات النزوح المفتقرة لأبسط مقومات الحياة. وهذه المعاناة لم تكن نتاج الحرب وحدها، بل تراكمت فوق إرث طويل من التدهور المزمن في البنية التحتية للرعاية الصحية، وضعف الصرف الحكومي على خدمات الصحة الإنجابية، وتهميش احتياجات النساء في السياسات العامة.

ملاذ البدوي
المقالات +

كاتبة صحفية