العدد الأول - سبتمبر 2024

افتتاحية العدد الأول

سبتمبر 2024

الولوج إلى العالم عبر بوابات السؤال

 

نقدم لكن/م العدد الأول من مجلة فريدة النسوية بمشاعر مختلطة، سعيدات بأن العدد الأول قد صدر خرج أخيرا للقارءات والقراء، بعد تعثر كثيرا بسبب الحرب الحالية. وحزينات لأن إحدى محررات المجلة ومؤسساتها، رؤيا حسن، ليست معنا، خطت معنا رفيقتنا رؤيا الخطوات الأولى للتفكير في هذه المجلة، والتأسيس لمساحة للتفكير والسؤال، وتدبر المعاني التي نحاول استكشافها وإعادة التفكير فيها بشكل جماعي. وهذا ما أجادته رؤيا، طرح الأسئلة والتنقيب فيما هو غير مكتشف وغير مرئي، علمتنا طرح الأسئلة والتفكير الحر، وعلى خطاها نواصل طرح الأسئلة عبر هذا العدد الأول من مجلة فريدة النسوية.

عندما بدأنا العمل على هذا العدد، في أواخر عام 2022، لم تكن الحرب قد بدأت، لكن تاريخ السودان، والذي هو أيضا تدوين لتاريخ حروبنا الطويلة والعنيفة جدا، دفعنا للتركيز على ثيمة “العسكرة”، ويتكرر هذا التاريخ مجددا، ففي صباح يوم الخامس عشر من أبريل من العام السابق دخلنا عبر حرب مفتوحة وشرسة إلى سياق عنف شرس ومدمر، سياق يبدو مكررا لمن عايشوا/عايشن الحرب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها من المناطق التي شهدت حروبا وهُجر ناسها بسبب العنف وسياسات الإزاحة المكانية، سياق متكرر أيضا للاجئات/ات الجنوب سوانيين/ات الذين/ات عاشوا سنوات طويلة من التهجير والعنف والعنصرية، ومن ثم واجهوا العنف مجددا وهي تبدأ من الخرطوم، هم/هن وغيرهم/ن من اللاجئين/ات من أثيوبيا وأريتريا.

لكن هذا السياق جعلنا نُعيد التفكير في الدولة نفسها، في الحرب، تجارة السلاح، الجيوبولتيكس، الرأسمالية وتنقضاتها، والذكوريات المُعسكرة. نحاول طرح بعض هذه الأسئلة في سياق هذا العدد الأول، بينما نأخذ المزيد من الأسئلة والثيمات لنعمل عليها في أعدادنا القادمة.

نحاول عبر هذا العدد التحرك في مساحات زمنية مختلفة، من الماضي نحاول فهم النضال النسائي ضد العسكرة في زمن الديكتاتورية عبر شهادت تقدمها لنا شادية عبد المنعم، وتساعدنا إيمان سيف الدين على فهم كيف أشتغلت سياسات العنف الجنسي على إعادة مركزة العنصرية وأستخدام أجساد النساء كسلاح في الحرب في سياق الصراع في دارفور، بينما تواصل ملاذ حسن تتبع سياسات العنف الجنسي في سياق الحرب الحالية والموجهة ضد النساء وأجسادهن، وتتبع هند خير الله كيف تعمل خطابات الكراهية الموجهة ضد النساء على تقييد مشاركتهن السياسية، بينما تقدم لنا سعاد أسويلم فهما أفضل للتصورات النظرية النسوية في مقاومة عسكرة الدولة.

تشاركنا تحفة الكامل هواجسها حول العمل النسوي وحول أمالها المرتبطة بحراك نسوي خلاق ومبتكر، بينما تعيدنا نجلاء التوم لسؤال مركزي حول تاريخ الحراك النسوي في السودان، من يكتبه ولماذا غابت عن مركزه نساء كعائشة الفلاتية، سؤال يحمل في مضامينه الكثير حول مهام إعادة كتابة التاريخ. في ذات السياق، تُساءل رحمة جابر عنف السلطة وعنف المجتمع الموجه نحو بائعات الخمور البلدية (العرقي) مستعينة بمدرسة التابع وما قالته لنا عن صوت الهامشي والمقهور، في “تأنيث القبح” تتبع هناء جعفر تأثيرات حروب السودان على النساء والبنات، وكيف قومات النساء بالمقابل كل ذلك الدمار صانعات للحياة مرة تلو المرة.

سامية عادل تشاركنا رحلة خروجها من الخرطوم، النزوح والانتظار على الحدود للحصول على تأشيرة سفر، تجربتها هي تجربة الالاف الاخرين/ات أيضا.

الترجمات التي اشتغلت عليها كل من زينب حامد، روح ناصر، وعبد الرحمن عمر، هي محاولة للتفكير في أطر مختلفة تتعلق بمسألة العسكرة.

بتتبع كل هذه المسارات ينفتح خيالنا النسوي على ممكنات جديدة مع حال العنف التي نعايشها الان، نعايش النزوح القسري والهجرة والموت بسبب الجوع، لكن كل هذا يجعلنا ندرك ضرورة التغيير الجذري، تغيير تصوراتنا عن ذواتنا الجمعية، وعن الحدود، وعن معنى الدولة وعنفها، وعن تاريخ ملئ بالإقصاءات، وعن الاستعمار والخراب الذي صعنه، وعن الاستعمار بأدواته الجديدة لنهب الموارد وهدر حيواتنا. نحاول عبر هذا العدد استكشاف ما تعنيه الحياة داخل الحرب وفي سياقات مُعسكرة، لنفهم مشكلتنا جيدا ولنتنفتح ممارستنا على أطر جديدة للبدائل.

رحلت رفيقتنا رؤيا مُطوقة بالمحبة والاحتفاء الدائم بإرثها وشغفها الدائم بالمعرفة، نواصل عبر هذا العدد الأول استعادة رحلتنا المشتركة، ومواصلتها مع الأعداد القادمة أيضا.

قراءة ممتعة للجميع!

العدد الأول - سبتمبر 2024