هواجس نسوية مُمتازة

هواجس نسوية مُمتازة

تحفة رفعت الكامل

أتعامل مع الخذلان بحذر شديد، ولا أستخدمه كلفظٍ إلا عند الشديد القوي. كوني أحاول توفيره من الاستهلاك والابتذال. أقوم بذلك، حقيقة، لأني أدّخره لليالي الحالكات، ومنها الخذلان الثوري أو الخذلان النسوي.

الخذلان كلمة دقيقة في وصف حالة أصابتني مع صعود الثورة المُضادَّة، وإحباط ثورة ديسمبر المجيدة التي هذبت شعوري في مواجهة اللا معنى ونوبات العدمية.

أخشى أني الآن على وشك الإصابة بعدوى خذلان نسوية، سببها ما وصلنا إليه من حيث أولوية الخطاب الحالي في ظل الحرب في الدائرة السودان. ما هي مشكلتي مع أولوية الخطاب؟ مشكلاتي كثيرة، أولها أن جملتي بدأت بلفظ “أولوية”.

دعونا نبدأ من حيث أن الحرب، وغيرها من ظروف كارثية، تُشكِّل بيئة خصبة لتمدُّد فكرة  خطاب الأولوية الحالي. ينشط الذكوريُّون، في  مثل هذه  الأزمان، في الهجوم على أيِّ قضية تُثيرها النسويات، بدعوى أن قضايا الحرب، والقتل والسلام، هي الأولوية الآن.

لا أود، بالتأكيد، أن أبدو واقعة تحت سطوة انزعاج طفولي يُجافي الموضوعية. حسناً، في الأزمات الإنسانية الكبرى كالحرب، تكون الأولوية هي النضال من أجل الحياة، الحياة التي هي ضد الموت، كما يصفها محمود درويش.

مُشكلتي مع مفهوم الأولوية “نظرية”، يُزعجني كونها حالة من الخضوع لشروط السياق، بقواعده الرجعية، وعنفه، وبطشه وذكوريته؛ وبالتالي تصبح الحاجات والتدخلات بدائية من حيث نظرتها للإنسان، وتُصيِّرُه كائناً ذا بعد بيولوجي فقط، نازعة عنه الأبعاد الجندرية، والاجتماعية والسياسية.

لماذا يزعجني أن يحدث ذلك؟ لأنه يخصم من طرق تحليل المشكلة بمنهج نقدي/مادي/تقاطعي. وفي تقديري، لا يمكننا مناقشة تهميش أو قهر النساء، أو تفكيك النظام الذكوري دون استخدام هذه المناهج.

دعونا نرتب، مجدداً، ما أود أقوله، يهمني الآن حراكنا النسوي في زمن الحرب. لكن، اعذروني إن تشعَّبت حُجَجي في نصّي هذا من هنا ولي قدام، كون هذه القضية تخصُّني، وأُغازل فيها مأساتي يومياً. بالمناسبة، لا يخصم المُحرِّك العاطفي، وأذكره عن قصد، من موضوعية حججي أو عقلانيَّتها، فمن سمات النضال النسوي التورط العاطفي، وهو أمر إيجابي، وصحي وحداثي.

ولا عزاء لناس الأنثى عاطفية، فلا قيمة حقيقية لما يقولون!

بالعودة إلى الخذلان النسوي، والذي هو نتيجة لانخفاض سقف المطالب، وضيق مساحة التمدُّد النسوي. دارت النقاشات بعد ثورة ديسمبر حول نسبة وجود النساء في مراكز صنع القرار، والمناهج الدراسية النسوية، ومن ثم ارتددنا للحديث فقط عن حاجات النازحات الإنسانية، والصحية والغذائية، وعُدنا بالنساء مجدداً إلى قاع التهميش، والعنف، والتمركز كضحايا فقط وللأبد في السردية الكبرى.

لا أستطيع، للأمانة، سوى أن أشير إلى أن الخذلان هنا يمكن قراءته كتعالٍ على معاناة فعلية لنساء لا يمكن أن  أتحدث باسمهن، لأن حاجاتهن ورؤيتهن تتشكَّل وفق ظروفٍ تخصُّهن وحدهن، ظروف من المحتمل ألا أفهمها طالما ما يُهدِّدُني ويشغل مخاوفي هو الخذلان والإحباط من واقع الحركة النسوية؛ فامتيازي يحميني من أن يكون ما يُهدِّدُ حياتي هو فقدانها بفعل رصاصة، أو نتيجة للظروف المأساوية في معسكرات اللجوء والتهجير.

 لكن، من الضروري أن أتحرك بطريقة أكثر تحرراً من عقدة الناجين/ات، فالموقع الذي أوجدتني فيه ظروفي المادية يجعلني صاحبة مسؤولية في التنظير، والنقد والتثوير للمطالب النسوية الحالية، والتفكير حول ابتكار تدخلات إنسانية، ومشاريع ذات طبيعة تخدم حقوق النساء على المدى الطويل، وتتدخل في حالات الطوارئ. وعلى ضوء هذه المسؤولية، لا بد أن ألتزم بمساءلة كل السرديات التي يحكيها النظام الذكوري عن رؤيته للحرب وموقع النساء فيها، بدايةً.

يُموقع النظام الذكوري النساء، أثناء الحرب، في أكثر المواضع ضعفاً، ويُراهنَّ عبئاً على الرجال بأطفالهن وحاجاتهن المُتعدِّدة، ويرى فيهن، أيضاً، مدخلاً للنيل من شرف الرجال. يرسم التاريخ النساء باعتبارهنَّ الحلقة الأضعف في مشهد الحرب، وهن الحالة التي لا تُشكّلها أو تُعرّفها  أي عوامل سوى أنها ضحية ومقهورة.

ولأن التاريخ يُسرَدُ على لسان الذين لا يريدون أن يفقدوا مصالحهم، والواقع يتشكَّل لخدمة أجندة أنظمة استعمارية إمبريالية تحاول تحجيم الحراك الثوري المُنظَّم في كل مكان، من خلال ممارسة أدوار تقديم المعونات الإنسانية الآنية، وجعل أجندة المشاريع هي التوعية بالعنف الواقع على النساء في الحروب كحالة غير قابلة للتفكيك، ودون مخاطبة جذورها أو تمظهراتها المُتقاطعة، ويصلون إلى قمة الابتكار والحساسية الجندرية من خلال التركيز على سد حاجات خلقتها اختلافات بيولوجية. حساسية جندرية لا تستصحب في نقاشاتها مدى نسوية المؤسسات التي تقدم المعونات، أو الأجسام التي تُشرف على أوضاع النساء في المعسكرات ومناطق النزاع. فنجد هذه الأجسام، على أرض الواقع، وضوء تجارب نساء السودان، لا تملك وعياً نسوياً، ولا تطمح لتغيير أوضاع النساء جذرياً؛ ونجدها كذلك، غير مُهتمَّة في هياكلها الداخلية بجعل النساء في مراكز اتخاذ القرار، ولا تجد غضاضة في الحديث باسم جميع النساء؛ كما لا تملك، بالتأكيد، المصلحة أو الإرادة لتوجيه التمويل الخارجي تجاه مشاريع تخاطب غايات كالتنظيم النسوي، أو التمكين الفعلي للنساء.

يكمن اختلافي مع السردية القائمة، في عدم ثقتي في تعريفاتها للصراع، ولا أثق، بالتالي، لا في شكل التدخلات، ولا الأفكار والمفاهيم، والقصص يُحرّكها وعي ذكوري خالص؛ فالحرب والعنف في تجريدهما هما من منتجات قِيَمٍ كالرجولة، والشجاعة، والسيطرة على الضعفاء. ومفهوم كالشجاعة مثلاً يَحتكِرُه الرجال، كونهم يعرفونه كحالة مُلازِمة للقوة، والعنف كمفهوم ذروته فناء العدو.

بإمكاني القول، وبثقة إن النساء أكثر شجاعة في الحروب من الرجال. لكن لا بد، أولاً، أن أُعيد تعريف الشجاعة بعيداً عن، أو على النقيض من التعريف الذكوري لها. فتعريف الشجاعة لديَّ، من وعي نسوي، أنها القدرة على تحقيق النجاة للآخرين، هو تعريف ذروته تحقيق البقاء والنجاة للجميع، لذا فهي تكمن في رفض العنف، وفي الصمود في وجه الكارثة بمسؤولية وارتباط صحي بالآخرين، وهو عكس مفهومها الرجولي في الحروب، حيث ذروتها هي الفناء، وكثرة السلاح، ونزع الروابط بلا قلق، والشعور بالخجل من الارتباط  بالحياة والأحبَّاء. فتنطلق شجاعة الرجال من تحقيق حالة ذاتية فقط، أو الرحيل دون اهتمام بمصير الآخرين. وبإعادة التعريف هذه، نجد أن النساء أكثر شجاعة من الرجال في مواجهة الحرب.

ولكن لماذا أخضع، في المقام الأول، لمعايير مُوجَّهة في تحديد رؤيتي أثناء الكارثة؟ ليس مهماً من الأكثر شجاعة، بل المهم من كان أكثر تماسكاً، تكيفاً، تضامناً وابتكاراً. فهذه القيم مثلاً هي التي تصنع القيادة الحقيقية لاحقاً، وهي قيم تمثل خلاصة التعافي من الضرر. ومن ينشدن التعافي، ويناضلن من أجل أمان الرفاق، ويفكرن في المستقبل، هن النساء.

لذا لا يجب وصفهنَّ بأنهن الطرف الأضعف في الحرب، ولا يمكن اختزالهنَّ في دور الضحية التي تحتاج إلى يد العون. حينها تصبح هذه السردية، في نظري، تُكرِّس لعنفٍ خفيٍّ تجاه النساء.

لأن الذكورية تعلم جيداً مدى التحرُّر على مستويات القيادة الذي استطاعت النساء نيله أثناء الحروب، وتفوقهنّ، بالتجربة، في تخطي كل الأدوار المعروفة، والتمرد على القوالب التي تُشعر الرجال بأن كبريائهم السلطوي كما هو؛ لذا تعمل السلطة الذكورية كرد فعل حمائي لنفسها، في التكريس لوعي الضحية المقهورة، وكلما شعروا أن النساء يتحرَّرن ويقمنَ بأدوار الحماية، وتوفير سبل العيش، والقيام بالأعمال الشاقة التي احتكروها، يزداد شعورهم بفقدان السيطرة، والنتيجة مزيدٌ من العنف الأسري، والقهر كتعويض لقهرهم من القوة الرجالية الأكثر عنفاً، والتي تملك السلاح، والتي للمفارقة، أتاحت الفرصة للنساء كي يتحرَّرن من سلطة أدوارهن السابقة على الحرب.

وهنا يتناقض تعريف وضع النساء بنظرة أحادية، فهن فعلياً الأكثر تعرّضاً للعنف بواسطة رجال العائلة، والعساكر، والسلطات والجهات الإنسانية التي تُقدِّمُ العون حتى. ويتعرضن بالفعل لغالبية القهر والتهميش أثناء الحرب، لكن، ورغم ذلك، لا يمكن السماح باستغلال هذا لاختزالهن في دور الضحية الضعيفة، التي تقف على الهامش من حيث التأثير على الحياة من حولها. النساء مركزيات في إدارة الحياة رغم انطلاقهن من أكثر النقاط تهميشاً لحقوقهن وقيمتهن.

إذن، تحافظ السردية التي تُرسِّخ للنساء كأقلية هامشية غير مؤثرة، على مصالح الرجال، ومصالح الأنظمة العالمية التي لا تدعم ثورة المهمشين، لذلك تقوم بخبث بتقديم العون الذي يتعامل مع حياتهن كحالة طوارئ دائمة،  لذا فلن نحصل على تراكم تجاربي، أو مكاسب مقتلعة على الخط النضالي، فقط دعم نسوي معلب، رزق اليوم باليوم.

أعلم، انطلاقاً من هذا التحليل، شكل الحراك النسوي الذي لا نريده في ظرف الحرب. لكن، الحراك النسوي الذي يُفترض أن تقوم به النسويات ليس نموذجاً فوقياً أو تصوراً  عقائدياً أستطيع التبشير به دون التفكير في  تنوع أوضاع النساء، ما أعلمه عنه أنه نموذج تقاطعي في فهم القهر الواقع على النساء خاصة في أوضاع معقدة كالحرب. نوع الحراك الذي أفكر فيه لا يخضع لابتزاز خطاب أولوية المطالب، حيث الموقع الطبقي، والاجتماعي وحجم الامتياز في حياة المرأة النسوية، هو ما يصنع أولويات تتفاوت من حيث الخطاب والفعل السياسي.

هذا التفاوت ليس إلا تمظهراً لتقاطعيّات القهر الذي يجعل النساء مختلفات في القضايا التي تؤثر في تجاربهن ومعاناتهن مع الذكورية، بحيث لا يصير الامتياز حدثاً غايته الإحساس بالذنب، أو الإيهام بأن العدل يتحقق عبر مشاركة القهر، الأكثر تقدمية هو فهم القهر داخل منظومة متقاطعة، وأن موقعنا من الامتياز لا يُقلِّلُ من خصوصية المعاناة التي نعيشها، بل هو وسيلة لجعل النضال يحمل وعياً متطلعاً للتحديث، ومستعداً للاستفادة من موقعه في صراع السلطة، ومن قدرته على اقتراح شكل التدخل الذي يمكن أن تقوم به المنظمات العالمية الحقوقية في واجبها تجاه الهامش ودول الحروب، إذ تكمن مسؤولية الامتياز في التركيز على التدخل الذي يخدم خطاً ثورياً يثق في رؤية التنظيم النسوي الذي أنتجه، والسعي نحو تنظيم نسوي في مناطق النزاعات، ومعسكرات النزوح ومجتمعات اللجوء.

شخصياً، اليوم، ومن خلال الامتياز الذي يجعلني أُمارس هذا التداعي خارج رقعة الحرب، تتجلَّى أمام وعيي بوضوح ملامح الحراك القادر على مكافحة الخذلان، والقادر دوماً على الابتكار والخيال الخلاق دون أن يكون مغترباً عن معاناة النساء التي تُمثّل الوقود الجماهيري للتنظيم والحراك، أو سلطوياً حيث  يدعي صوتٌ واحدٌ أنه يقول كل كلمات النساء.

المقالات +

كاتبة وقاصة من السودان