خطاب الكراهية والمشاركة السياسية للنساء
هند خير الله
سلطت مشاركة النساء السياسية في السودان على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، الضوء على دور المرأة في رفع الوعي السياسي في المجتمع، وأهمية وجودها لتنمية البلاد؛ لكن هذا الجهد قووِمَ على الصعيد الاجتماعي والمهني، باستخدام خطاب الكراهية، وسيلةً إضافيةً للضغط المُمارَس عليهن والمحاولات العديدة لإسكاتهن.
كان لمواقع التواصل الاجتماعي دورها الخاص في ثورة ديسمبر، وأهميتها في جذب المجتمع الدولي لما يحدث في السودان، وخلق بيئة خصبة لتثقيف الشباب وتنويرهم بأهمية حراكهم السياسي، ودور المرأة في توعية المجتمع ووجودها في الساحة السياسية، وحضورها في مقدمة الاحتجاجات كقيادة للتغيير. هذا الدور الذي مارسته النساء لاقى إقبالاً وتشجيعاً من المجتمع الدولي، وألقى الضوء على الانتهاكات التي تُمارس على النساء لطمس هوياتهن السياسية والاجتماعية، كما فجّر تساؤلات عدة عن ماهية الطرق المختلفة التي ترفض وتعرقل مسيرتهن الثورية، ومنها خطاب الكراهية الذي كان حاضراً في التظاهرات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتجلى في الهيمنة على كيفية مشاركة النساء في التظاهرات والتعرض إليهن لفظياً، وكتابة محتوى يُنقِصُ من أهمية المشاركة النسوية وتمثيل النساء، وُوجِّه إليهن خطابٌ يبدأ من دعوة لعدم فاعلية النساء ويصل إلى التهديد بالاغتصاب والعنف.
تلقت المشاركة النسوية هجوماً واسعاً من المجتمع والعسكر، الهدف منه كسر شوكتهن وإجبارهن على ترك الساحة السياسية باعتبارها غير مخصصة للنساء. هذا المنهج الذي ظلت النساء تقاومه في عدة جوانب اجتماعية وسياسية أثبت ضرورة وجودها في الساحة السياسية لتغيير هذه المفاهيم التي تعرقل تنمية البلاد وتُحدِثُ ضرراً جوهرياً على النساء اللائي يحاولن بشدة التركيز على تغيير الوضع الراهن وقيادة البلاد إلى مستقبل خالٍ من الموروثات الضارة التي تركز على تهميش الجهد النسوي. وفي مجتمع تشكل فيه النساء نصف المجتمع، تبرز أهمية وجودهن في جميع المكونات الحيوية في البلاد. فبحسب تصنيف موقع استاتيكا فإن مجموع السكان في السودان من ٢٠١٠ إلى ٢٠٢٠ حسب الجنس يتكون من ٢١.٩٤ مليون نسمة من النساء مقابل ٢١.٩١ من الرجال.
أثناء كتابتي لهذا المقال تحدثت مع شابات سودانيات عن تجاربهن في التظاهرات وتأثير العنف اللفظي عليهن، أولهن كانت نبراس عثمان، ناشطة في العمل الطوعي ومهتمة بالتثقيف المدني ومشاركة النساء تحديداً. وعن أهمية مشاركتها أجابت: “أنا امرأة أحب التحدي، وأرى تمكين المرأة في جميع المجالات ضرورياً لتحقيق التنمية المبنية على المشاركة والفرص المتساوية”. مشاركة نبراس في التظاهرات واندماجها في النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي عرَّضها للعديد من الاشتباكات والهجوم اللفظي، إضافة إلى التحرش اللفظي، وأشارت إلى تأثر المجتمع بالمعتقدات القديمة وأضافت: “قليلة أدب، عديمة التربية، وشيوعية، هي بعض الألفاظ التي تصف مشاركتي السياسية. الثورة لا تقتصر على تغيير السياسات، بل هي أيضاً تشمل تكوّن تغيير فكري وعدم تجريد إنسانيتنا باستخدام الخطاب المسيئ”. أيضاً من شاكلة هذا الخطاب كلمة “مرا” التي تُوجَّه لوصف ضعف الآخر بوصفه بأنه امرأة، في تناقض واضح لدور المرأة في قيادة الحراك. تضيف نبراس عثمان قائلة: “تربى الرجال على مفهوم أن النساء مكانهن في الخلف وأن عليهم حمايتنا كنساء، وهذه الحماية ليست من باب الخوف، ولكن أيضاً من باب التسلط. في الأيام الأولى لثورة ديسمبر كان هناك خوف وتوجس عند خروج الناس إلى الشارع وكانت “الزغرودة” من الأفعال التي تكسر حاجز الخوف لدى المتظاهرين وتحشد الجموع”. وتضيف: “أتمنى أن تكون للنساء في كل المجالات السياسية والاجتماعية مشاركة شاملة لا جزئية، لتجد مساحات للتوسع في العمل السياسي، بوجودها في الأحزاب والنقابات ولجان المقاومة والانتخابات تصويتاً وترشيحاً”.
وجود هذا النوع من الانتهاك يثبط المحاولات العديدة لخلق مجتمع صحي تسود فيه العدالة، ويؤثر على الطريقة التي تشارك بها النساء في القالب السياسي. هناك أهمية قصوى لجعل سلامة النساء النفسية والجسدية أولوية، وهناك حاجة إلى وضع قوانين صارمة تمنع حرمان المكون النسوي في الدائرة السياسية. تحكي مي فيصل، عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر السوداني في الأمانة السياسية، عن تجاربها في الاعتقال منذ ٢٠١٦ من قبل القوات الأمنية، وتؤكد أن النضال النسوي على مستوى الحياة العامة والسياق التاريخي والحراك السياسي لا ينفصل عن وضع المرأة، وكلاهما يعتبران شكلين من أشكال المقاومة، وتضيف أنها تعرضت لاضطهاد وعنف لفظي من العسكر، وتمت مناداتها بأبشع أنواع الخطاب الذي يمس كرامتها، وسردت: “أثناء الحراك الجامعي في يناير ٢٠١٨ اعتقلنا أنا وصديقتي وفاق قرشي وَوُجِّهَتْ إلينا إساءات لفظية لا يمكنني ترديدها، واستمر الضباط في توجيه الكلام المقرف عن طريق الهمس في آذاننا والتفوه بكلام جنسي، مما أدى إلى انهياري كلياً، خارت قواي ولم أتحمَّل، وعانيت من ضيق التنفس حتى نُقلت إلى المستشفى”. هذا السلوك المضاد للحريات والمنتهك الأعراض مُتداول يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبّرت العديد من الفتيات عن استيائهن من العنف اللفظي الذي يُواجهُهُنّ أثناء التظاهر، إضافة إلى عدة انتهاكات أخرى لا تقل فظاعة، لتزيد من العبء المتراكم نتيجة التظاهر والحراك المستمر، وفي أحيان كثيرة يقابلن بالنكران والاتهام بالكذب وتلفيق التهم وتمرير أجندة خفية. في مقابلة تلفزيون الجزيرة في يناير الماضي مع ممثلة لجان مدني رانيا مأمون، تحدثت عن عمل اللجنة وعقبت على الإعلان السياسي، وتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، فهوجمت بألفاظ من شاكلة “شيوعية” و”مطلوقة” من غير الالتفات إلى محتوى الحديث المطروح ودورها في لجان المقاومة. هذا مثال واحد من جملة أمثلة لأخريات تعرضن لمثل هذا الخطاب.
في عام ٢٠٢٠ أطلقت المنظمة السودانية للبحث والتطوير كتاباً يحمل عنوان “نضالها”، كنتاج لمائة مقابلة أجريت مع نساء سودانيات عن مشاركتهن في محاولة لتوثيق الانتهاكات والتمييز المبني على أساس النوع الذي واجهته النساء خلال الثورة، إضافة إلى تحديد مستوى وعي المجتمع السوداني فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، وأشارت فيه عدة نساء وفتيات عن وجود التعنيف اللفظي بشكل مكرر من جانب الأسرة والمجتمع إضافة إلى قوات الأمن والشرطة يهدف لمنعهن من الخروج إلى الشارع وممارسة حقهن في التظاهر والمطالبة بأهداف الثورة من حرية وسلام وعدالة. هذا التوثيق يعتبر جهداً مهماً لدراسة وتحديد الأبعاد المختلفة لتأثير خطاب الكراهية على النساء السودانيات. ويؤكد المحددات التي تجعل خطاب الكراهية واسع الانتشار وقصور النظام الاجتماعي الذي لا يعطي أهمية لخطاب الكراهية ويوجه اللوم للنساء اللاتي يتعرضن إليه، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة يتحكم بها المجتمع ويعتبره جزءاً من العادات والتقاليد. ومع ذلك عبّرت العديد من الفتيات عن مقاومتهن لهذا الشكل من أشكال العنف ومواصلة نضالهن وإن طالت المدة. عقبت مي قائلة: “المعركة طويلة وهناك تعقيدات كثيرة وسنتحمل العديد من الأعباء لمواجهة هذه الظاهرة، إضافة إلى تحديات أخرى نمر بها كأمهات وزوجات، وليس من السهل أن نكون قويات في ظل هذه الظروف، ولكن هناك نماذج كثيرة من النساء نجحن على الرغم من ذلك وهناك من فقدن حياتهن في سبيل التغيير”.
في مجتمع تسود فيه كراهية النساء واستمرار وضعها في قالب محدد، أصبح من الطبيعي أن تتوقع النساء شتى أنواع المضايقات اللفظية والجسدية، لكن ما تزال النساء يدعين إلى ضرورة استمرارية المقاومة، وأصبح الوجود النسوي في مختلف المكونات السياسية ذا أهمية قصوى، وهناك حملات دعوة واسعة تدعو إلى ضرورة وجوده، إلا أن انعدام السياسات الرادعة لمنع خطاب الكراهية لا تمكن من إيجاد مساحة كافية، إضافة إلى العراقيل المجتمعية، مما يعد من أسباب عزوف العديد من النساء عن المشاركة السياسية في سبيل حماية أنفسهن من أضراره الوخيمة وتوليده للعنف.
المصادر:
- كتاب “نضالها”
- مقابلة مع نبراس عثمان
- مقابلة مع مي فيصل
- بيانات من منصة تويتر
- معجم خطاب الكراهية



