جلسة نقاش مجلة فريدة حول مقال نانسي فريزر “تناقضات رأس المال والرعاية”

جلسة نقاش مجلة فريدة حول مقال نانسي فريزر ”تناقضات رأس المال والرعاية“

نُشر هذا المقال مُترجماً للعربية كفصل في كتاب ”كيف تصنع حركة نسوية من المطبخ: رؤى من نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي“ الصادر عن دار هن للنشر والتوزيع في 2024. وقد عقدت مجلة فريدة هذه الجلسة اسفيرياً في ديسمبر 2024 لمناقشة هذا المقال.

تركز النقاش حول أربعة أسئلة مركزية:

– كيف نتخيل نظاما للرعاية يُمركز أعمال إعادة الإنتاج الاجتماعي في داخله؟

– سلعنة الرعاية، اقتصاد الرعاية القائم على البيع وسوق التنافس، كيف عَمَقَ حالة اللامساواة؟

– من مناظير سياساتية، كيف نفكر في الحماية الاجتماعية في علاقتها بأدوار أعادة الإنتاج؟

– ما الأسئلة والمعضلات التي طرحتها الحرب فيما يتعلق بالرعاية وأدوار أعادة الإنتاج في سياق السودان؟

وهنا تلخيص للنقاش وأبرز الأفكار التي طُرحت في تلك الجلسة، نشر لمقدمات المداخلات بأسمائهن الأولى فقط.

التحايل بدلا عن الإعتراف

هدى: أكثر ما شدّ انتباهي هو ارتباط أفكار فريزر بواقع النساء في السودان، وخصوصاً في ظل الظروف الحالية. فأعمال الرعاية التي تضطلع بها النساء – سواء في البيوت أو في الفضاءات العامة أو في غرف الطوارئ النسائية ومبادرات المجتمع المدني – كانت أساسية في ضمان النجاة الجماعية منذ اندلاع الحرب، لاسيما في المناطق التي حوصرت أو انقطعت عن الخدمات. إذ قامت النساء والفتيات بأدوار حيوية: إعداد الطعام بموارد محدودة، رعاية الأطفال والمسنين، تنظيم أماكن الإيواء، وإدارة المبادرات الإنسانية. ورغم مركزية هذه الأدوار في استمرار الحياة اليومية، فإنّ الاعتراف بها ظلّ اعترافاً معنوياً فقط — من قبيل الإشادة الرمزية بالأمهات والنساء — دون أن يُترجم إلى حقوق ملموسة أو ضمانات اقتصادية واجتماعية. وهذا النمط من ”الاعتراف غير المادي“ لا يمنح النساء مساحة لاختيار مسارات بديلة أو تحقيق استقلال مادي، مما يقود إلى التساؤل عن كيفية تحويل الاعتراف الرمزي إلى التزام فعلي من الدولة والمؤسسات. وأتسائل: كيف يمكن للدولة أو النظام الاقتصادي أن يتحمل مسؤولية دعم النساء العاملات في قطاع غير رسمي، لا يوفر لهنّ تأميناً صحياً أو اجتماعياً، ولا يعترف بعملهنّ الرعائي كجزء من الإنتاج الاجتماعي؟

يمكن الربط بين عدم الاعتراف بالعمل الرعائي وبين غياب سياسات العدالة الاجتماعية في الأنظمة الرأسمالية النيوليبرالية، كما أن تكاليف التأمين والخدمات الصحية غير ميسّرة للفئات المستبعدة من النظام الاقتصادي الرسمي. من الضروري الاعتراف بالعمل المنزلي والرعائي كعمل منتج، يستوجب المقابل أو الدعم، لأنه يشكّل الأساس الذي يقوم عليه المجتمع.

يجب إعادة التفكير في فكرة ”الاختيار“ في الخطاب النسوي، فمفهوم حرية المرأة في الاختيار بات مقيداً بشروط الرأسمالية الحديثة التي تحوّل العمل إلى غاية في ذاته، وتجعل النساء مُجبرات على العمل الشاق في بيئات غير عادلة من أجل الحصول على خدمات أساسية كان ينبغي أن تضمنها الدولة.

أفكر أيضا في مسألة ”إجازة الأبوة“، رغم كونها خطوة إيجابية في اتجاه المساواة، إلا أنّها كشفت عن استمرار اختلال التوازن بين الجنسين في العمل والرعاية. فبدلاً من أن تؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار، أصبحت تُستخدم لتبرير امتيازات جديدة للرجال في سوق العمل، بينما تظلّ النساء يتحملن الأعباء الإنجابية دون حماية حقيقية. كما أنّ بعض الشركات باتت تتلاعب بأنظمة التوظيف للتهرب من التزاماتها تجاه النساء الحوامل أو الأمهات، وهو ما يعبّر عن تراجع فعلي في العدالة الجندرية. ويدفعنا هذا ايضا للتفكير في الدور الانجابي للنساء، وكيف تحول لعبء على النساء بسبب غياب سياسات تركز على الرعاية، بينما تحولت اجازة الأبوة لإمتياز يتمتع به الرجال، ضمن سلسلة أخرى من الامتيازات، دون أن يعود هذا بالنفع على النساء، في مهامهن ومسؤلياتهن الموزعة بين المنزل وسياق الإنتاج خارج المنزل.

بينما تلجأ مؤسسات أخرى للتخلي عن واجباتها عبر دفع النساء لتأخير قرار الإنجاب وتجميد البويضات، وبذلك يسحب النظام الرأسمالي من النساء حق الإختيار، لصالح ضمان قدرتهن عن الانتاج لأقصى زمن ممكن.

خديجة:  أعادتني هذه القراءة للتفكير في أوضاع النساء في السودان، خصوصاً في ضوء الكوارث والأزمات التي تتكرر منذ سنوات، والتي كشفت بوضوح عن مركزية أدوار الرعاية التي تؤديها النساء، وهن دائماً في الصفوف الأمامية أثناء الكوارث، سواء في غرف الطوارئ، أو في المبادرات المدنية والمجتمعية. هذه الأدوار ليست جديدة، فقد كان حضور النساء بارزاً منذ ثورة ديسمبر، إلا أنّ مساهماتهن في مجال الرعاية لم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى داخل الأوساط النسوية نفسها، إذ نادرًا ما تُطرح هذه القضايا بجدية في النقاش العام أو تُدرج ضمن أولويات الحركة النسوية.

وبالنظر للتحديات التي تواجه النساء في العمل الرعائي أثناء الحرب الحالية، أتساءل عمّا إذا كانت الأدوار الجندرية ستتغير بعد انتهاء الحرب، أو ما إذا كان تقسيم العمل بين الرجال والنساء سيبقى على حاله. هذه التساؤلات مهمة لأنها تمس مستقبل العدالة الاجتماعية والنوع الاجتماعي في السودان، خاصة في ظل غياب النقاش حول هذه المسائل في الأطر السياسية والمجتمعية.

أفكر أيضا في مسألة تخص إجازة الأبوة، رغم تبني بعض المنظمات الدولية لها، إلا أنها لم تُحدث تغييراً فعلياً في سلوك الرجال أو في بنية العمل. فبحسب تجربتي في الأمم المتحدة، لاحظت أن العديد من الرجال يأخذون الإجازة الممنوحة لهم، لكنهم لا يستخدمونها للمشاركة الفعلية في رعاية أطفالهم أو دعم زوجاتهم، بل يتعاملون معها كمجرد استحقاق إداري أو فرصة للراحة. كما أن غياب التدريب أو التوعية الموجهة للرجال حول كيفية أداء الأدوار الرعائية داخل الأسرة، وهو ما يُبقي هذه الأدوار حكرًا على النساء.

هنالك تناقضات تولّدها الرأسمالية الحديثة، إذ كلما توسعت الأسواق وتقلّصت مسؤولية الدولة، تزايدت الأعباء الملقاة على النساء. أبرزت الحرب في السودان هذا الواقع بشكل حاد، حيث ارتفعت الأعباء المنزلية والاقتصادية والنفسية على النساء سواء داخل البلاد أو في دول الجوار، إذ تُخاض الحرب على أجساد النساء، وتُضاعف مسؤولياتهن بينما تهمّش حقوقهن. الإلتفات إلى أوضاع النساء المزارعات في السودان، يحعلنا نرى بوضوح أنّهنّ يتحملن العبء الأكبر في الإنتاج الزراعي، لكنّهنّ في الوقت نفسه ينلن أقل العوائد. فغالباً ما يُدفع لهنّ أجور منخفضة، رغم أنهن يعملن ساعات أطول، ويواصلن بعد ذلك أداء أدوار الرعاية المنزلية. غياب الاعتراف بعمل النساء في الزراعة وحرمانهن من الحماية الاجتماعية يمثل إقصاءً مزدوجاً: من الاقتصاد الرسمي ومن السياسات العامة التي تُعنى بالعمل والإنتاج.

من الضروري إدماج النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية ضمن منظومات التأمين الاجتماعي والصحي، فاستبعادهن من هذه المنظومات يجعل حياتهن أكثر هشاشة، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والحروب. ومن المهم تبني مقاربة تقاطعية تشمل الفئات الأكثر تهميشاً مثل النساء ذوات الإعاقة، اللاتي غالباً ما تُهمّش أصواتهن في النقاشات السياسية والاقتصادية.

عبلة: كشفت الحرب الحالية في السودان عن هشاشة أنظمة الرعاية، وعن حجم الأعباء الإضافية التي تتحملها النساء، سواءا كلاجئات في الخارج أو كنازحات داخل البلاد. وأوضحت أن الحرب دمّرت البنية التحتية للرعاية – من مؤسسات الدولة إلى شبكات التضامن المجتمعي – ما اضطر النساء إلى ابتكار أشكال جديدة من الرعاية في ظروف قاسية. هذه التحولات تفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم الرعاية نفسه، وكيف يمكن فهمه بمعزل عن الأطر الرأسمالية الضيقة التي تختزل الرعاية في العمل غير المدفوع داخل الأسرة. فالرعاية يجب أن تُفهم بوصفها علاقة اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتأثر بالهجرة والنزوح واللجوء، وبالتحولات العالمية في سوق العمل.

نرى هذا التحول من واقع النساء اللاجئات في معسكرات تشاد، حيث تضطر العديد منهن إلى العمل كعاملات منزليات لدى عائلات أخرى، وغالباً ما يُستغلّ عملهن وتُدفع لهنّ أجور زهيدة. النساء في هذه المعسكرات يقمن بأدوار متعددة: غسل الملابس، تنظيف البيوت، ورعاية الأطفال، وغالباً ما يُطلب منهنّ أداء مهام إضافية لا تدخل في نطاق الاتفاقات الأصلية.

تُبرَّر هذه الأعمال عادة بعبارات من قبيل «العمل بدافع المحبة أو التضامن»، لكنها في حقيقتها تُخفي علاقات استغلال واضحة. بل إنّ أنهن يتحملن أعباءً مضاعفة: فهنّ يقمن بأعمال الرعاية المأجورة بأجرة زهيدة، ويعدن إلى بيوتهن ليقمن بأعمال الرعاية غير المأجورة تجاه أسرهن وأطفالهن.

يفاقم التمييز في توزيع المساعدات الإنسانية من هذه المعاناة. فبحسب ما رصدته، كانت بطاقات الصرف الخاصة بالمساعدات تُمنح للرجال، فيسحبون المعونات ويبيعونها في السوق بدلاً من تسليمها للنساء. وقد أدركت مفوضية اللاجئين (UNHCR) هذه المشكلة لاحقاً، فقررت أن تُمنح البطاقات مباشرة للنساء لضمان حصولهن على المساعدات، لكن ذلك أضاف عبئاً جديداً عليهن، إذ يضطررن إلى الوقوف في صفوف طويلة لأيام عديدة من أجل استلام المساعدات، وهو جهد بدني ونفسي إضافي.

الرعاية مسؤولية مجتمعية ومؤسسية، لا عبئاً تتحمله النساء وحدهن

هنالك أيضا مشكلة تخص مفهوم التمكين الاقتصادي الذي تتبناه بعض المنظمات الدولية، فرغم نيّاته المعلنة، ساهم في تحميل النساء أعباء إضافية بدلًا من تخفيفها. فالمشروعات الصغيرة والقروض التي تُقدّم للنساء لا تعالج جذور المشكلة، بل تُدخل النساء في دوامة جديدة من العمل غير المستقر والاستدانة والضغوط اليومية، دون أن تضمن لهنّ حماية أو استدامة اقتصادية حقيقية.

كشفت الحرب الراهنة عن عمق الأزمة البنيوية في النظامين الاقتصادي والاجتماعي، اللذين يضعان عبء الرعاية والإنتاج معاً على كاهل النساء، بينما تتنصّل الدولة من مسؤولياتها في الإنفاق الاجتماعي. تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الرعاية، لتصبح مسؤولية مجتمعية ومؤسسية، لا عبئًا فرديًا على النساء وحدهن.

رشا: أحدثت الحرب تحوّلاً جذرياً في الأدوار الاجتماعية. فقد كانت النساء قبل الحرب متفرغات غالباً للأعمال المنزلية والرعائية، أما الآن، فقد اضطررن إلى دخول سوق العمل بأعداد كبيرة وفي القطاعات غير منظمة/غير الرسمية تحديدا. النساء النازحات، وكذلك المقيمات في المناطق شبه الآمنة، أصبحن يمارسن أعمالًا متعددة في الاقتصاد غير الرسمي: من البيع في الأسواق، إلى العمل اليدوي، إلى الأنشطة الصغيرة التي تدرّ دخلًا بسيطاً. هذا التحول يحمل جانبين متناقضين: فمن جهة، منح النساء استقلالية نسبية ومهارات جديدة، لكنه من جهة أخرى، عمّق هشاشتهن الاقتصادية والاجتماعية، لأن أغلب هذه المهن غير منظمة ولا تثقدم لهن أية حماية قانونية أو اجتماعية. كما أنّ النساء العاملات في القطاعات الرسمية مثل التعليم والإدارة العامة أصبحن متضررات من انقطاع المرتبات وتدهور الخدمات، ما دفع كثيرات منهن إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.

تزايدت أيضا ظاهرة مقلقة، وهي عمالة الأطفال والطفلات بعد اندلاع الحرب. فبعض الفتيات الصغيرات دخلن سوق العمل لمساعدة أمهاتهن في توفير احتياجات الأسرة، بينما اضطر بعض الأطفال للعمل في ظروف قاسية أو خطرة. تعكس هذه الظاهرة مدى عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت بها الحرب، كما تكشف ضعف آليات الحماية الموجّهة للفئات الهشة.

أدت الحرب إلى تفاقم أعباء الرعاية المنزلية، ليس فقط بالنسبة للنساء النازحات، بل أيضًا للنساء المقيمات في المناطق الآمنة، إذ يجدن أنفسهن مضطرات إلى استضافة أقارب أو أسر نازحة من مناطق الصراع. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف المعيشة وأعباء العمل المنزلي، ما جعل النساء يتحملن ضغوطًا مضاعفة: اقتصادية، وعاطفية، واجتماعية.

يجب أن يكون التمكين الاقتصادي للنساء، خاصة في القطاع غير الرسمي، أولوية في مرحلة ما بعد الحرب. كما أن المنظمات النسوية والمجتمع المدني مطالبان بتسليط الضوء على هذه الفئة الواسعة من النساء العاملات، اللواتي يقمن بدور محوري في بقاء أسرهن واقفة على قدميها رغم غياب الدولة ورفعها يدها عن الإنفاق الاجتماعي.

الحرب السودانية تعبير عن تنصل الدولة عن واجباتها في الرعاية والحماية الاجتماعية

سيراف: الأسئلة التي طُرحت للنقاش كانت مفيدة في تنظيم التفكير والعودة إلى جوهر المقال، ولا سيّما السؤال المتعلق بالحرب وعلاقتها بأزمة الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي. الحرب ليست مجرد ظاهرة سياسية أو أمنية، بل هي أيضاً تعبير عن أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، يمكن فهمها بوصفها امتداداً لما تصفه الأدبيات بـ«أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي» التي تحدث عندما تتنصّل الدولة من مسؤولياتها في الرعاية والحماية الاجتماعية.

الحرب السودانية تمثّل ذروة هذا التراجع، إذ رفعت الدولة يدها بالكامل عن مسؤولياتها، تاركةً الأعباء المعيشية والرعائية للمجتمع، وبالأخص للنساء. فبينما تستمر النساء في العمل داخل قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني، يتحملن في الوقت نفسه عبء الحفاظ على الحياة اليومية في غياب مؤسسات الدولة. وتشير إلى أن هذا الوضع يعيدنا إلى المرحلة الأولى من الرأسمالية التي وصفتها نانسي فريزر، عندما كانت المجتمعات تُستنزف من الداخل بسبب الضغط المتزايد على النساء للحفاظ على أسرهن ومجتمعاتهن في ظل غياب شبكات الدعم. إن هذا الوضع لا يؤثر في الاقتصاد فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تفكك النسيج الاجتماعي. فعندما تُحمَّل النساء مسؤولية الرعاية والإنتاج معًا دون دعم مؤسسي، ينهار التوازن الاجتماعي، ويصبح المجتمع بأكمله مهددًا بالتآكل. الحرب في السودان ليست مجرد نتيجة للعوامل السياسية أو العسكرية، بل هي أيضاً نتيجة لانهيار طويل المدى في منظومات الرعاية والحماية الاجتماعية.

من المهم أن نسأل أنفسنا: ما نوع المجتمع الذي نريد بناءه بعد الحرب؟ هل نريد نظاماً اقتصادياً جديداً يعيد إنتاج الأزمات نفسها، أم نظاماً يجعل الرعاية مسؤولية جماعية لا فردية؟ وهذا التحول يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير: من السؤال عن ”النظام الاقتصادي القادر على تحقيق النمو“، إلى السؤال عن ”النظام الاجتماعي القادر على تحقيق الرعاية والعدالة“. فالمطلوب ليس فقط إصلاح الاقتصاد، بل إعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والحياة الاجتماعية.

الحرب، رغم قسوتها، فتحت أيضاً إمكانات جديدة لإعادة التشكيل وإعادة البناء. فالمبادرات المجتمعية – مثل المطابخ الشعبية وغرف الطوارئ النسائية – تمثل ومضات أمل تعكس قدرة النساء على التنظيم الجماعي وعلى بناء أشكال بديلة من التضامن والرعاية. أرى أن دور الحركات النسوية في هذه اللحظة التاريخية هو تحويل هذه المبادرات المؤقتة إلى رؤية مستدامة للرعاية المجتمعية، تكون جزءًا من أي تصور سياسي واقتصادي قادم.

خالدة:  يجب تأمل التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة اليومية، لم تغيّر الحرب فقط أوضاع المعيشة، بل أعادت كذلك إنتاج الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. لاحظت، بعد عودتي من العاصمة إلى إحدى الولايات، كيف أُجبرت النساء على العودة إلى أدوار اجتماعية تقليدية كنّ قد تحررن منها سابقًا، وذلك بفعل الأعراف والتقاليد التي استعادت سطوتها في ظلّ انهيار مؤسسات الدولة وانعدام الأمن.

من أبرز الظواهر التي لاحظتها في المناطق شبه الآمنة هي العبء الإضافي الواقع على النساء المستضيفات للنازحين/ات. فالكثير من الأسر في تلك المناطق فتحت بيوتها للوافدين من مناطق الحرب، وغالباً ما تتحمّل النساء المسؤولية الكبرى في عمليات الاستضافة والإيواء، بما في ذلك إعداد الطعام وتنظيم المعيشة والرعاية اليومية للأطفال والمسنين. وتؤكد أن هذه الأعباء، رغم أهميتها الاجتماعية، غير مرئية ولا تُقدّر مادياً أو معنوياً.

تتحمل النساء النازحات أنفسهن أعباء اقتصادية جديدة، إذ أُجبرن على إيجاد وسائل لكسب الدخل لإعالة أسرهن في ظلّ غياب الرجال الذين التحق بعضهم بصفوف القتال أو ظلّوا يحرسون مناطق الصراع. فتحملت النساء مسؤولية مزدوجة: الرعاية المنزلية والإعالة الاقتصادية، ما جعلهن يعشن ضغطاً مضاعفاً نفسياً وجسدياً. هذه الجهود، على أهميتها، لا تحظى بأي اعتراف رسمي أو اجتماعي، إذ لا تُعتبر «عملًا» بالمعنى الاقتصادي السائد.

عند التفكير في المرحلة المقبلة من عملية السلام وإعادة الإعمار، أفكر في ”كيف يمكن أن تُؤخذ قضايا النساء بعين الاعتبار في المفاوضات السياسية؟“. اعتقد أن إدراج هذا السؤال ضمن جداول التفاوض، في شكل مطالب واضحة تتعلق بتمويل مشروعات صغيرة للنساء أو توفير قروض ميسّرة تساعدهن على التعافي الاقتصادي، بحيث لا يُختزل حضورهن في الجانب الإنساني فحسب، بل يُعترف بدورهن الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب.

إنّ إعادة بناء نظام الرعاية في السودان يتطلب سياسات داعمة للأسرة تشمل إجازات أمومة مدفوعة الأجر، ودعماً لرعاية الأطفال وكبار السن، وإنشاء مراكز حكومية متخصصة لتقديم هذه الخدمات بأسعار معقولة. من المهم إدراج برامج تدريب على مهارات الرعاية الأساسية، بحيث يُعترف بالكفاءة المهنية للعاملات في هذا المجال وتُقدَّر قيمتهن الاقتصادية والاجتماعية.

العمل الرعائي كجزء من الاقتصاد الوطني

من المهم أن يُعترف بالعمل الرعائي كجزء من الاقتصاد الوطني، وأن تتبنى الدولة والمجتمع معاً رؤية شاملة للرعاية لا تقتصر على الأسرة، بل تمتد إلى البنية التحتية المجتمعية، مثل وسائل النقل العام التي تسهّل وصول النساء إلى مرافق الرعاية، والمساحات العامة التي تُعزز التضامن والدعم الاجتماعي. وعلى السياسات العامة أن تحمي العاملات في مجال الرعاية وأن تضمن لهنّ ظروف عمل لائقة ومزايا اجتماعية.

من تجربة عمل شخصية سابقة في منظمة غير حكومية، لاحظت أنّ الإدارة كانت تتبنّى سياسات عمل مرنة تراعي أعباء النساء الأسرية، كالسماح بالحضور الجزئي إلى المكتب. هذه التجربة نموذج لما يمكن أن تكون عليه بيئات العمل العادلة، إذا ما أدركت أن للنساء التزامات رعائية لا تقل أهمية عن مهامهن المهنية. كما أنّ النساء العاملات في البيوت أو في المهن الهامشية، رغم ما يتقاضينه من أجور بسيطة، كثيرًا ما يعانين من ظروف قاسية ويضطررن إلى العمل لمسافات طويلة، ما يستدعي التزاماً مجتمعياً وأخلاقياً تجاههن.

فاطمة:  أثْارت هذه الجلسة العديد من القضايا المرتبطة بأوضاع النساء، من النازحات واللاجئات إلى ربّات البيوت، وقد تعلّمت منها الكثير. ويبدو أن غياب التوثيق والمعرفة المكتوبة أحد أهم أسباب جهلنا بتفاصيل تجارب النساء في مختلف المواقع. نحن بحاجة ماسّة إلى أن نعرف كيف كانت الرعاية الاجتماعية والحماية الاجتماعية قبل الحرب، وأين كنّا نقف من هذه المسألة، وما الذي تغيّر. كما نحتاج إلى توثيق التجارب الحالية بصورة منهجية، لأن أي عملية تخطيط مستقبلي، سواء في سياق اتفاقيات السلام أو العدالة الانتقالية أو التحول الديمقراطي، لا يمكن أن تنطلق من فراغ دون معرفة دقيقة بما مضى.

أريد أن أفهم أوضاع النساء النازحات في السودان، في المناطق الآمنة وغير الآمنة، وكيف تتجلى أشكال الرعاية الاجتماعية هناك، وما هي تقاطعاتها مع أنماط العنف المختلفة. فهل توجد مثلاً ممارسات تُقدَّم فيها الرعاية الاجتماعية كبديل أو تعويض عن انتهاك أو عنف مُمارس؟

نحن بحاجة إلى توثيق هذه الجوانب رغم صعوبة المهمة، لكننا نستطيع باستخدام أدوات بسيطة أن نبدأ بعملية التوثيق. لقد واجهت شخصيًا معضلة في عملي البحثي، إذ لم أجد مصادر موثقة يمكن الاستشهاد بها رغم معرفتي بوجود الأزمات والانتهاكات. وهذا ما يؤكد الحاجة الملحّة إلى جهد منهجي في هذا المجال.

ريم: في سياق الحديث عن التوثيق، أود الإشارة إلى منصة sudanesefeministreading.org، وهي مشروع لأرشفة الأعمال النسوية السودانية، يشارك فيه نساء من السودان ومن دول أخرى كالهند. يسعين من خلاله إلى جمع المقالات والأوراق البحثية التي كتبتها نساء سودانيات حول قضايا النسوية. يمكن لأي باحثة أو كاتبة أن تساهم بإرسال أعمالها عبر موقعهم ليضاف إلى الأرشيف، وهو من أغنى القوائم التي توثق كتابات ما بين عامي 2019 و2023.

وفي مجلة فريدة نعمل حالياً على ترجمة بعض الأوراق البحثية المكتوبة بالإنجليزية — معظمها من إعداد نساء سودانيات — لتصبح المعرفة أكثر إتاحةً للجمهور القارئ بالعربية. هذه العملية شاقة بطبيعتها، لكننا نسعى جاهدات لترجمة ونشر هذه المواد تدريجياً في أعداد المجلة القادمة، لتكون المعرفة متاحة وسهلة الوصول للجميع.

خديجة:  أود أن أتناول بعض النقاط المرتبطة بمفهوم سلعنة الرعاية في ظل النظام الرأسمالي النيوليبرالي. إذ نجد أن النساء يشكّلن الشريحة الأكثر تضرراً من هذه الأنظمة التي تتجاهل حاجاتهن الأساسية. فعلى سبيل المثال، الخدمات المتعلقة بالصحة الإنجابية، كخدمة تجميد البويضات أو تأجيل الإنجاب، تُعدّ باهظة التكلفة وغير متاحة لغالبية النساء.

وأتذكّر هنا ما ذكرته عبلة حول أوضاع النساء اللاجئات في المعسكرات، خصوصًا في إدري، حيث تعاني النساء من فقر مدقع حتى في أبسط الحاجات مثل الفوط الصحية. في مصر — رغم أنها تُعدّ دولة ”مستقرة“ نسبيًا — تواجه النساء السودانيات اللاجئات صعوبات بالغة في توفير احتياجاتهن الشهرية نظرًا لارتفاع الأسعار وانعدام الدخل. هذه الأوضاع تطرح علينا سؤالًا حول إعادة تعريف العلاقات والأدوار الاجتماعية منذ اندلاع الحرب. فقد أظهرت التجربة أن شبكات التضامن الاجتماعي التقليدية — رغم ما تحمله من سلبيات — لعبت دوراً جوهرياً في دعم الأسر خلال الأزمات، وهو ما يدفعنا إلى التفكير في كيفية إعادة بناء هذه العلاقات في المستقبل.

في المقابل، تزايدت الأعباء على النساء في القرى والمدن التي تستضيف النازحات، إذ يتحمّلن مسؤوليات اقتصادية واجتماعية إضافية، في ظل توقعات مجتمعية تُلزِمُهنّ بالمشاركة في الواجبات الاجتماعية رغم ظروفهن الصعبة.

كما أن قضية العمل المنزلي تثير تساؤلات مهمة حول العدالة الاقتصادية، إذ تستعين العديد من الأسر بفتيات صغيرات أو نساء فقيرات للقيام بأعمال منزلية مقابل أجور زهيدة، بينما يُغفل حقّهن في ظروف عمل كريمة وفي الجمع بين مسؤولياتهن المهنية وأدوارهن الأسرية.

إن النظام الرأسمالي يفاقم هذه الإشكالات، فكلما ازدادت احتياجات النساء، اضطررن إلى العمل أكثر في ظروف مجحفة، ما يجعلنا بحاجة إلى إعادة التفكير جذرياً في مفهوم العدالة الاقتصادية وسبل تحقيقها في واقع غير منصف.

دومينيكا: أود أبدأ من السؤال الذي طرحته نانسي فريزر حول كيفية التوفيق بين إعادة الإنتاج الاجتماعي ومتطلبات الرأسمالية المالية. فنحن اليوم نعيش واقعاً تُلقى فيه أعباء الرعاية بشكل متزايد على النساء، خصوصاً في ظلّ الحرب والتجنيد القسري للرجال في صفوف القوات المختلفة. أصبحت النساء في هذه الظروف يتحمّلن مسؤولية إعالة الأسر بالكامل، سواء عبر العمل أو عبر الأنشطة الصغيرة في المخيمات. ففي مخيم ”قرم“ بجنوب السودان، مثلًا، تعمل النساء في بيع الخضروات لتغطية احتياجات أسرهن، لأن المساعدات الإنسانية لا تكفي.

هذا الواقع يفرض علينا التفكير في ضرورة تقنين أعمال الرعاية بوصفها عملًا إنتاجياً له قيمة اقتصادية واجتماعية. فالدولة ينبغي أن تضع أطراً قانونية تضمن حقوق العاملات في الرعاية المنزلية أو في مجالات رعاية الأطفال والمسنين، بما يمنع استغلالهن ويمنحهنّ أجراً عادلاً يليق بجهدهنّ. ذلك لأنّ تجاهل هذا القطاع غير المنظم يكرّس الفوارق الطبقية ويُبقي فئة كبيرة من النساء في دائرة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

ضرورة الاعتراف القانوني والاجتماعي بأعمال الرعاية الاجتماعية

هدى: أود أن أضيف نقطتين، ترتبط الأولى بالحاجة لرؤية عملية تضمن الاعتراف القانوني بأعمال الرعاية المنزلية، سواء من خلال أجور مباشرة أو عبر خدمات داعمة (تأمين اجتماعي، رعاية صحية، إجازات أمومة مدفوعة، إلخ). كما يجب أن تُلزم التشريعات أماكن العمل بعدم التمييز ضد النساء بناءً على وضعهنّ الاجتماعي أو الأسري، مثل الزواج أو الحمل، وهو تمييز لا يزال سائدًا في القطاع الخاص.

أما الثانية فتخص العلاقة بين الحماية الاجتماعية والأدوار الجندرية، أشارك خديجة تشاؤمها النسبي حيال احتمالات إعادة توزيع الأدوار بعد الحرب. فالمشهد الراهن داخل السودان يشهد تصاعداً للخطابات الذكورية المرتبطة بالعنف والحرب، حيث تُعاد صياغة ”الرجولة“ في إطار دورٍ حمائيٍّ عنيف يُبرَّر بخطاب البطولة الوطنية.

إنّ ثقافة الإفلات من العقاب وغياب المساءلة عن العنف المنزلي والسياسي تُنذر بمرحلة قد تُعمّق الأدوار التقليدية بدل تفكيكها. لذا من المهم العمل منذ الآن على إعداد أطر قانونية وتشريعية لمناهضة العنف بكل أشكاله، وتضمين هذه الأبعاد في الأجندة النسوية والسياسات العامة. كما أن المقاربة النسوية الحالية تحتاج إلى مزيد من العمق والتفصيل، بحيث لا تبقى ”التقاطعية“ مجرد شعار يشمل فئات متعدّدة (كاللاجئات وذوات الإعاقة والمزارعات)، بل تصبح منهجًا فعلياً لإنتاج السياسات والخطط التي تضمن العدالة الشاملة.

آلاء: في تقديري، تكمن المشكلة الجذرية في توزيع الأدوار الجندرية ذاتها، لا فقط في غياب الأجور أو الحوافز. صحيح أن اقتراح تعويض النساء العاملات في الرعاية المنزلية مادياً فكرة واقعية مؤقتاً، لكنها لا تحلّ الإشكال البنيوي المتمثل في حصر أدوار الرعاية في النساء وحدهنّ. نحن بحاجة إلى إعادة النظر جذرياً في مفهوم الأبوة والأمومة داخل الأسرة، بحيث لا تُختزل الأبوة في الدور المالي، بل تشمل المشاركة الفعلية في تربية الأطفال والعناية بهم. لكن للأسف، ما تزال الثقافة الاجتماعية تنظر بسخرية إلى الآباء الذين يمارسون هذا الدور. على سبيل المثال، عندما نُشرت صورة لرجل يحمل طفله في مجلس عام بإحدى الدول الخليجية، قوبلت آلاف التعليقات بالاستهجان، ووصِف الرجل بأنه ”يتصرّف كنساء“. هذا المثال يوضّح عمق المشكلة الثقافية التي تحصر الرعاية في النساء وتعتبرها انتقاصًا من الرجولة.

أرى كذلك أن الخطاب النسوي العالمي شهد في السنوات الأخيرة نوعًا من التراجع، إذ لم يعد التحدّي الجندري يُطرح بجرأة كما في السابق. حتى حين تُطرح أفكار جديدة لتجاوز الأدوار التقليدية، غالباً ما تُقابَل بسوء فهم أو بتأطير سلبي. وقد ذكرت نوال السعداوي في أحد كتبها تصورًا لمجتمع اشتراكي يوفّر مطابخ وغسالات ومرافق جماعية للرعاية، بحيث تتحوّل أعمال الرعاية إلى خدمات مجتمعية مؤسسية لا تعتمد على الأدوار الأسرية الضيقة. غير أن هذا التصور يواجه معضلة جديدة، إذ قد يُنتج أشكالًا من التراتب الطبقي داخل هذه المهن، ويعيد إنتاج دونية العمل الرعائي مقارنة بالمهن ”المهنية“ كالطب والهندسة. الحلّ الذي أراه أكثر واقعية اليوم يتمثل في توظيف التكنولوجيا لتخفيف أعباء الرعاية، لكنها بدورها محدودة في دول الجنوب حيث تعاني النساء من غياب الكهرباء والبنية التحتية الأساسية. وهنا تتضح المفارقة بين الحلول النظرية والواقع المادي الذي يعيشه الناس.

أود أيضا أن أشير لإشكالية نموذج الأسرة الليبرالية الحديثة، التي تفصل الأسرة النووية الصغيرة عن محيطها الاجتماعي، فتتضاعف الأعباء على الأم والأب — وبالأساس على الأم.

في المقابل، تمتلك الثقافات السودانية والإفريقية تقاليد الأسرة الممتدة التي تتقاسم الرعاية والمسؤولية. ورغم ما تحمله هذه التقاليد من تحديات، فإنها تمثل نموذجاً تضامنياً يمكن البناء عليه وتطويره بما يضمن العدالة ويحمي الأطفال من الانتهاكات.

وقد ظهرت في بعض المجتمعات الغربية بدائل مشابهة لما نراه في تراثنا، مثل ”الأسر الممتدة الطوعية“ التي أسستها بعض المجموعات الكويرية في الولايات المتحدة، حيث يعيش الأفراد ضمن شبكات دعم متبادلة تؤمّن الرعاية والتضامن بعيداً عن الأسرة النووية التقليدية. وهذا نموذج جدير بالتأمل في سعينا لبناء مجتمعات أكثر إنسانية وشمولًا.

فريق فريدة
المقالات +