جلسة نقاش مجلة فريدة حول مقال نانسي فريزر ”تناقضات رأس المال والرعاية“
نُشر هذا المقال مُترجماً للعربية كفصل في كتاب ”كيف تصنع حركة نسوية من المطبخ: رؤى من نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي“ الصادر عن دار هن للنشر والتوزيع في 2024. وقد عقدت مجلة فريدة هذه الجلسة اسفيرياً في ديسمبر 2024 لمناقشة هذا المقال.
تركز النقاش حول أربعة أسئلة مركزية:
– كيف نتخيل نظاما للرعاية يُمركز أعمال إعادة الإنتاج الاجتماعي في داخله؟
– سلعنة الرعاية، اقتصاد الرعاية القائم على البيع وسوق التنافس، كيف عَمَقَ حالة اللامساواة؟
– من مناظير سياساتية، كيف نفكر في الحماية الاجتماعية في علاقتها بأدوار أعادة الإنتاج؟
– ما الأسئلة والمعضلات التي طرحتها الحرب فيما يتعلق بالرعاية وأدوار أعادة الإنتاج في سياق السودان؟
وهنا تلخيص للنقاش وأبرز الأفكار التي طُرحت في تلك الجلسة، نشر لمقدمات المداخلات بأسمائهن الأولى فقط.
التحايل بدلا عن الإعتراف
هدى: أكثر ما شدّ انتباهي هو ارتباط أفكار فريزر بواقع النساء في السودان، وخصوصاً في ظل الظروف الحالية. فأعمال الرعاية التي تضطلع بها النساء – سواء في البيوت أو في الفضاءات العامة أو في غرف الطوارئ النسائية ومبادرات المجتمع المدني – كانت أساسية في ضمان النجاة الجماعية منذ اندلاع الحرب، لاسيما في المناطق التي حوصرت أو انقطعت عن الخدمات. إذ قامت النساء والفتيات بأدوار حيوية: إعداد الطعام بموارد محدودة، رعاية الأطفال والمسنين، تنظيم أماكن الإيواء، وإدارة المبادرات الإنسانية. ورغم مركزية هذه الأدوار في استمرار الحياة اليومية، فإنّ الاعتراف بها ظلّ اعترافاً معنوياً فقط — من قبيل الإشادة الرمزية بالأمهات والنساء — دون أن يُترجم إلى حقوق ملموسة أو ضمانات اقتصادية واجتماعية. وهذا النمط من ”الاعتراف غير المادي“ لا يمنح النساء مساحة لاختيار مسارات بديلة أو تحقيق استقلال مادي، مما يقود إلى التساؤل عن كيفية تحويل الاعتراف الرمزي إلى التزام فعلي من الدولة والمؤسسات. وأتسائل: كيف يمكن للدولة أو النظام الاقتصادي أن يتحمل مسؤولية دعم النساء العاملات في قطاع غير رسمي، لا يوفر لهنّ تأميناً صحياً أو اجتماعياً، ولا يعترف بعملهنّ الرعائي كجزء من الإنتاج الاجتماعي؟
يمكن الربط بين عدم الاعتراف بالعمل الرعائي وبين غياب سياسات العدالة الاجتماعية في الأنظمة الرأسمالية النيوليبرالية، كما أن تكاليف التأمين والخدمات الصحية غير ميسّرة للفئات المستبعدة من النظام الاقتصادي الرسمي. من الضروري الاعتراف بالعمل المنزلي والرعائي كعمل منتج، يستوجب المقابل أو الدعم، لأنه يشكّل الأساس الذي يقوم عليه المجتمع.
يجب إعادة التفكير في فكرة ”الاختيار“ في الخطاب النسوي، فمفهوم حرية المرأة في الاختيار بات مقيداً بشروط الرأسمالية الحديثة التي تحوّل العمل إلى غاية في ذاته، وتجعل النساء مُجبرات على العمل الشاق في بيئات غير عادلة من أجل الحصول على خدمات أساسية كان ينبغي أن تضمنها الدولة.
أفكر أيضا في مسألة ”إجازة الأبوة“، رغم كونها خطوة إيجابية في اتجاه المساواة، إلا أنّها كشفت عن استمرار اختلال التوازن بين الجنسين في العمل والرعاية. فبدلاً من أن تؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار، أصبحت تُستخدم لتبرير امتيازات جديدة للرجال في سوق العمل، بينما تظلّ النساء يتحملن الأعباء الإنجابية دون حماية حقيقية. كما أنّ بعض الشركات باتت تتلاعب بأنظمة التوظيف للتهرب من التزاماتها تجاه النساء الحوامل أو الأمهات، وهو ما يعبّر عن تراجع فعلي في العدالة الجندرية. ويدفعنا هذا ايضا للتفكير في الدور الانجابي للنساء، وكيف تحول لعبء على النساء بسبب غياب سياسات تركز على الرعاية، بينما تحولت اجازة الأبوة لإمتياز يتمتع به الرجال، ضمن سلسلة أخرى من الامتيازات، دون أن يعود هذا بالنفع على النساء، في مهامهن ومسؤلياتهن الموزعة بين المنزل وسياق الإنتاج خارج المنزل.
بينما تلجأ مؤسسات أخرى للتخلي عن واجباتها عبر دفع النساء لتأخير قرار الإنجاب وتجميد البويضات، وبذلك يسحب النظام الرأسمالي من النساء حق الإختيار، لصالح ضمان قدرتهن عن الانتاج لأقصى زمن ممكن.
خديجة: أعادتني هذه القراءة للتفكير في أوضاع النساء في السودان، خصوصاً في ضوء الكوارث والأزمات التي تتكرر منذ سنوات، والتي كشفت بوضوح عن مركزية أدوار الرعاية التي تؤديها النساء، وهن دائماً في الصفوف الأمامية أثناء الكوارث، سواء في غرف الطوارئ، أو في المبادرات المدنية والمجتمعية. هذه الأدوار ليست جديدة، فقد كان حضور النساء بارزاً منذ ثورة ديسمبر، إلا أنّ مساهماتهن في مجال الرعاية لم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى داخل الأوساط النسوية نفسها، إذ نادرًا ما تُطرح هذه القضايا بجدية في النقاش العام أو تُدرج ضمن أولويات الحركة النسوية.
وبالنظر للتحديات التي تواجه النساء في العمل الرعائي أثناء الحرب الحالية، أتساءل عمّا إذا كانت الأدوار الجندرية ستتغير بعد انتهاء الحرب، أو ما إذا كان تقسيم العمل بين الرجال والنساء سيبقى على حاله. هذه التساؤلات مهمة لأنها تمس مستقبل العدالة الاجتماعية والنوع الاجتماعي في السودان، خاصة في ظل غياب النقاش حول هذه المسائل في الأطر السياسية والمجتمعية.
أفكر أيضا في مسألة تخص إجازة الأبوة، رغم تبني بعض المنظمات الدولية لها، إلا أنها لم تُحدث تغييراً فعلياً في سلوك الرجال أو في بنية العمل. فبحسب تجربتي في الأمم المتحدة، لاحظت أن العديد من الرجال يأخذون الإجازة الممنوحة لهم، لكنهم لا يستخدمونها للمشاركة الفعلية في رعاية أطفالهم أو دعم زوجاتهم، بل يتعاملون معها كمجرد استحقاق إداري أو فرصة للراحة. كما أن غياب التدريب أو التوعية الموجهة للرجال حول كيفية أداء الأدوار الرعائية داخل الأسرة، وهو ما يُبقي هذه الأدوار حكرًا على النساء.
هنالك تناقضات تولّدها الرأسمالية الحديثة، إذ كلما توسعت الأسواق وتقلّصت مسؤولية الدولة، تزايدت الأعباء الملقاة على النساء. أبرزت الحرب في السودان هذا الواقع بشكل حاد، حيث ارتفعت الأعباء المنزلية والاقتصادية والنفسية على النساء سواء داخل البلاد أو في دول الجوار، إذ تُخاض الحرب على أجساد النساء، وتُضاعف مسؤولياتهن بينما تهمّش حقوقهن. الإلتفات إلى أوضاع النساء المزارعات في السودان، يحعلنا نرى بوضوح أنّهنّ يتحملن العبء الأكبر في الإنتاج الزراعي، لكنّهنّ في الوقت نفسه ينلن أقل العوائد. فغالباً ما يُدفع لهنّ أجور منخفضة، رغم أنهن يعملن ساعات أطول، ويواصلن بعد ذلك أداء أدوار الرعاية المنزلية. غياب الاعتراف بعمل النساء في الزراعة وحرمانهن من الحماية الاجتماعية يمثل إقصاءً مزدوجاً: من الاقتصاد الرسمي ومن السياسات العامة التي تُعنى بالعمل والإنتاج.
من الضروري إدماج النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية ضمن منظومات التأمين الاجتماعي والصحي، فاستبعادهن من هذه المنظومات يجعل حياتهن أكثر هشاشة، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والحروب. ومن المهم تبني مقاربة تقاطعية تشمل الفئات الأكثر تهميشاً مثل النساء ذوات الإعاقة، اللاتي غالباً ما تُهمّش أصواتهن في النقاشات السياسية والاقتصادية.
عبلة: كشفت الحرب الحالية في السودان عن هشاشة أنظمة الرعاية، وعن حجم الأعباء الإضافية التي تتحملها النساء، سواءا كلاجئات في الخارج أو كنازحات داخل البلاد. وأوضحت أن الحرب دمّرت البنية التحتية للرعاية – من مؤسسات الدولة إلى شبكات التضامن المجتمعي – ما اضطر النساء إلى ابتكار أشكال جديدة من الرعاية في ظروف قاسية. هذه التحولات تفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم الرعاية نفسه، وكيف يمكن فهمه بمعزل عن الأطر الرأسمالية الضيقة التي تختزل الرعاية في العمل غير المدفوع داخل الأسرة. فالرعاية يجب أن تُفهم بوصفها علاقة اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتأثر بالهجرة والنزوح واللجوء، وبالتحولات العالمية في سوق العمل.
نرى هذا التحول من واقع النساء اللاجئات في معسكرات تشاد، حيث تضطر العديد منهن إلى العمل كعاملات منزليات لدى عائلات أخرى، وغالباً ما يُستغلّ عملهن وتُدفع لهنّ أجور زهيدة. النساء في هذه المعسكرات يقمن بأدوار متعددة: غسل الملابس، تنظيف البيوت، ورعاية الأطفال، وغالباً ما يُطلب منهنّ أداء مهام إضافية لا تدخل في نطاق الاتفاقات الأصلية.
تُبرَّر هذه الأعمال عادة بعبارات من قبيل «العمل بدافع المحبة أو التضامن»، لكنها في حقيقتها تُخفي علاقات استغلال واضحة. بل إنّ أنهن يتحملن أعباءً مضاعفة: فهنّ يقمن بأعمال الرعاية المأجورة بأجرة زهيدة، ويعدن إلى بيوتهن ليقمن بأعمال الرعاية غير المأجورة تجاه أسرهن وأطفالهن.
يفاقم التمييز في توزيع المساعدات الإنسانية من هذه المعاناة. فبحسب ما رصدته، كانت بطاقات الصرف الخاصة بالمساعدات تُمنح للرجال، فيسحبون المعونات ويبيعونها في السوق بدلاً من تسليمها للنساء. وقد أدركت مفوضية اللاجئين (UNHCR) هذه المشكلة لاحقاً، فقررت أن تُمنح البطاقات مباشرة للنساء لضمان حصولهن على المساعدات، لكن ذلك أضاف عبئاً جديداً عليهن، إذ يضطررن إلى الوقوف في صفوف طويلة لأيام عديدة من أجل استلام المساعدات، وهو جهد بدني ونفسي إضافي.
الرعاية مسؤولية مجتمعية ومؤسسية، لا عبئاً تتحمله النساء وحدهن
هنالك أيضا مشكلة تخص مفهوم التمكين الاقتصادي الذي تتبناه بعض المنظمات الدولية، فرغم نيّاته المعلنة، ساهم في تحميل النساء أعباء إضافية بدلًا من تخفيفها. فالمشروعات الصغيرة والقروض التي تُقدّم للنساء لا تعالج جذور المشكلة، بل تُدخل النساء في دوامة جديدة من العمل غير المستقر والاستدانة والضغوط اليومية، دون أن تضمن لهنّ حماية أو استدامة اقتصادية حقيقية.
كشفت الحرب الراهنة عن عمق الأزمة البنيوية في النظامين الاقتصادي والاجتماعي، اللذين يضعان عبء الرعاية والإنتاج معاً على كاهل النساء، بينما تتنصّل الدولة من مسؤولياتها في الإنفاق الاجتماعي. تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الرعاية، لتصبح مسؤولية مجتمعية ومؤسسية، لا عبئًا فرديًا على النساء وحدهن.
رشا: أحدثت الحرب تحوّلاً جذرياً في الأدوار الاجتماعية. فقد كانت النساء قبل الحرب متفرغات غالباً للأ

