بعيداً عن المنزل.. قريباً من النفس
آية سنادة
أختي وأمي وابنتي، هل توقفتن لحظة أثناء هذه الحرب، وسط كل هذا الفقد والجنون، ونظرتن للداخل مقصيات عن تفكيركن ما هو خارج أنفسكن، وتسائلتن: (هل أنا بخير؟)
سألت نفسي وعدد من صديقات تعرضت بعضهن بشكل مباشر للحرب، وأخريات كن خارج مناطق الصراع حين إندلاعه، وصديقات إنخرطن في العمل العام وبدأن في تقديم الدعم النفسي لضحايا الحرب من مدن نزوحهن أو لجوئهن. سألتهن عن التغيير الذي طرأ على صحتهن النفسية، وكيف استطعن التأقلم والتعايش مع الواقع الجديد، وهل وضعن صحتهن النفسية أولوية أم تغافلن عنها وأرجأنها لوقت آخر.
النظر من الخارج
من الأزهري إلى كمبالا – آية
أستطيع النظر لنفسي من الخارج نظرة العالم لفأر التجارب. ولأنني أحلم دائمًا أن أبرع في الكتابة الأدبية، والتعبير عن نفسي بأساليب فنية مختلفة، أجدني أراقب تغيرات مشاعري وملامحي وصحتي بصورة يومية، وأرصدها بشكل دقيق في دفاتر يوميات كانت مكومة في بيتي، والآن، ومنذ نزوحي ولجوئي أمتلك منها ثلاثة، يمكنني أن أصف ما حدث لي بعد هذه الأشهر الطويلة من النزوح واللجوء. شخصت أولًا “بالاكزيما العصبية” والتي كنت أسمع بها لأول مرة في حياتي بعد ثلاثة أشهر من بدء نزوحي، لم يتم وصف دواء لها، فقط (منوم)، وجدته بصعوبة بعد نزوحنا لمدينة ود مدني، بعد أن بحثت عنه كثيرًا في عدد من الصيدليات، إلا أنني لم أعر كل ذلك اهتمامًا، لأن (الظرف لا يسمح) حينها، وأن مناعتي النفسية تستطيع أن تصمد حتى (أستقر)، لكن، أصبت في تلك الأثناء بأعراض متفرقة مؤقتة، وشخصت بأمراض عديدة كنت سأقاومها بسهولة قبل الحرب. كل أربعة أشهر كنت ألتقط صورة سيلفي لأوثق وأقارن تغير ملامحي أثناء الحرب. أما ما فقدته أثناء الرحلة هو قدرتي على الاستمتاع بأي شيء، ورغبتي في أن يكون كل شي مثالي، وشعور غامر باللا معنى واللا جدوى. لا أدري حتى الآن هل هذا أمر جيد أم سيء.
“بعيدا عن منزلي، أنقذتني ألعاب الهاتف وتطبيق تيك توك من الانغماس في شعور الفزع واليأس. ما حثني على التعامل مع كل ما حدث كتجارب حياتية جيدة للكتابة والتعبير الفني”.
إضطراب نفسجسدي:
أسبانيا – شيماء
الطبيبة النفسية: كيف كان أسبوعك؟
شيماء: كان جيدًا، قمت بزيارة للطيب العام، حيث كنت أشكو من الحكة، لكنه لم يجد لها سبب واضح.
الطبيبة النفسية: إذن فإن التحفيز الذي سببته لك الجلسة السابقة قرر الظهور على شكل حكة.
شيماء: لم أفهم؟
الطبيبة: كل عرض صحي ليس له سبب عضوي ولا يستمر لزمن طويل هو في الغالب عرض ناتج عن ضغوط نفسية تم تجاهلها وكبتها.
شيماء: هذا يفسر الكثير!
أرق، وحكة، وتساقط شعر، وإرتفاع عشوائي في درجة حرارة جسدي. هذه هي الآثار التي بدأت ملاحظتها بعد ثلاثة أشهر من القلق المتواصل على أسرتي وأصدقائي في السودان. صديقة في الخرطوم كانت أول من نقل لي خبر الحرب منذ لحظاتها الأولى. أنا لم أشهد ثورة ديسمبر أيضا لكني أعرف الحرب، وأعرف الفرق بينها وبين التظاهر السلمي، فعائلتي في الفاشر ظلت تعاني ويلاتها سنوات عديدة في عهد البشير.
لا أعلم إن كنت سأرى عائلتي مجددًا أم لا، وكيف سيتأقلمون مع وضعهم الجديد، أنا لم أتعرض لصدمة الحرب ولم أفقد شيئا كما فقد معظم المتأثرين بالحرب، لكن كيف أشرح لك أنه منذ اندلاع الحرب ولمدة أشهر، صار الهاتف هو أكثر ما أخاف منه، أخاف أن اتصل وأسمع أخبارًا مفجعة، أو أن أتصل ولا أجد ردًا، وأخاف أن اتصفح الانترنت لأجد صور من أعرف ضمن آخرين مختطفين أو مقتولين.
لم أكن أعمل عندما نشبت حرب الخرطوم، وتلك هي المرة الأولى منذ تخرجي من الجامعة أتوقف عن العمل بارادتي، حيث كنت أطمح لفترة أعيد فيها ترتيب ذاتي، لكن لم يدم ذلك طويلًا، فضرورة إيجاد عمل فورًا أصبح أمر ضروري كي أساعد، وأخفف قليلًا على من تركتهم خلفي في السودان، من فقدوا كل شيء ونجوا، حمدا لله، بأرواحهم. كنت مصابة بشدة بقلق داخلي، لكن لم يكن من بد من مواصلة الحياة هنا وكأن شيء لم يحدث، فالعالم لا يعرف ما نتعامل معه، لم يلتفت ناحيتنا ولو للحظة.
كانت عقدة الناجي، تشعرني بالخجل عند شراء احتياجات منزلي، فالقصص المأساوية التي كانت يمكن تفادي حدوثها بالمال، سواء الدفع من أجل ترحيل أسرة، أو إطعام أخرى، أغرقت الانترنت. أشعر دائما بالتقصير، ولا يمكنني أن أسعد لحظة دون الندم على هذه السعادة لزمن أطول.
لم يكن الذهاب للطبيب النفسي بعد عام من اندلاع الحرب، رفاهية. وحيث أنني لم آخذ يومًا اجازة أبتعد فيه عن متابعة أخبار السودان، جعلني التعرض اليومي لهذه الأخبار، مع وجودي في عالم لا يأبه لنا – فقد انخرطت في تنظيم حملات تبرعات (go fund me ) لحالات إجلاء أو علاج داخل السودان، المحبط أن المبالغ المجموعة تكون متواضعة جدا أو تجمع في زمن طويل – أفقد إيماني في إنسانية العالم.
انفصال اختياري
الدوحة – فاطمة
فضلت فاطمة التي سافرت قبل عام من اندلاع الحرب إلى زوجها في الدوحة، أن تبتعد اختياريًا عن سماع أي خبر من الخرطوم في وسائل الإعلام، وقامت بتغيير الخوارزميات في حسابات التواصل الإجتماعي عمدًا باستهلاك محتوى مختلف تماما عما يدور في الخرطوم، بعد أن أرهقتها متابعة ما يحدث خاصة مع وجود أسرتها في أمدرمان.
تقول فاطمة: أدركت أنني سأنهار إن واصلت متابعة نشرات الأخبار، فهنالك دائما روايتان لما يحدث، ما يذاع في التلفزيون، وما تخبرني به أمي في الهاتف، أفهم حينها أنها تريد طمأنتي، وفي حقيقة الأمر، اخترت تصديقها، وتصديق أن ما يحدث في العاصمة لا يتجاوز إضطرابات المظاهرات السلمية التي شهدتها قبل مغادرتي. وكنت أكرر على نفسي أنني إن انهرت سأكون عبء بدلًا عن عون. لذا اخترت أن أرى حجم الحرب بقدر “قدرتي النفسية”.
الأمومة سبب نجاتي الوحيد
من كافوري إلى كمبالا – نعمات
يشبه أول يوم في الحرب، يوم ” تمرد هيئة العمليات” قبل عامين في كافوري، ففي يناير 2020 تمردت هيئة العمليات العسكرية التابعة لجهاز الأمن، وتمت السيطرة على هذا التمرد واحتلال معسكراتهم من قبل قوات الدعم السريع في كافوري والرياض وسوبا. كان يومًا مرعبًا، اختبرنا فيه تدابير الحماية من الحرب كاتخاذ الساتر، والانبطاح على الأرض. كان المنزل يهتز مع كل رصاصة وقذيفة تطلق. انتهت هذه العملية بعد ساعات فقط بدون خسائر في المباني، ولم نفقد أحد من الجيران. لذا بالرغم من أن ما حدث كان مرعبًا جدًا، إلا أن تكرار التجربة جعلنا نحس “يوم يومين وهنرجع” لزمن أطول. كنا، ولأشهر، ننزح إلى أقرب مكان آمن أملًا في نهاية قريبة للحرب. كانت سلامة أطفالي هي السبب الأول لفراري من الخطر في كل مرة. لا أظن أنني كنت لأهرب من مكان لآخر لو لم يكن لدي أطفال. عند نزوحنا لود مدني، وبعد بضعة أشهر من الوصول لبر آمن نسبيًا، بدأت ملاحظة أن الخوف أصبح يلازم سلوك وتصرفات أطفالي، رغم محاولاتي الدائمة لطمأنتهم. ما زاد الأمر فداحة كان سقوط ود مدني، فقدت إحساسي بالأمان تمامًا، وأدركت أننا يجب أن نبتعد قدر الامكان عن الحرب، وعن تعريض أطفالي لشيء يفوق تحملهم، ناهيك عن تهديد مستقبلهم، وفرصهم التعليمية، والخوف من الأوبئة المستمرة. لذا نزحت إلى الولاية الشمالية، ورغم أن المنطقة نائية وآمنة، إلا أن الرعب لم يفارق أطفالي. لذا كان خروجنا من السودان أمرًا ضروريًا من أجل سلامهم النفسي والجسدي. انتقلت إلى كمبالا، في قلبي خوف، وفي رحمي طفل، وأمامي مستقبل مجهول. لكن زالت مخاوفي حين تعرفت على بلد لجوئنا الجديد، ووضعت طفلي الثالث. حينها لاحظت أيضا أن أطفالي يستقون إحساسهم بالأمان مني، وعندما أحسست به شعروا هم به تلقائيًا. لكني دائمًا أفكر في الأمهات اللاتي لازلن في مناطق النزاع أو في معسكرات النزوح، أصبحت أكثر حساسية لما يمرن به، وشعورهن بالعجز وقلة الحيلة تجاه أطفالهن.
العناية بالنفس مهمة للعناية بالآخرين
من الخرطوم إلى كمبالا – هيفاء
تواصل هيفاء، المعالجة النفسية المتخصصة في الصدمات النفسية والإرشاد المجتمعي، عملها في تقديم الدعم للاجئين السودانيين في كمبالا. لكن هناك بعض الفروق في طبيعة الدعم والفئات المقدم لها، حيث كان يتم تقديم الدعم بكل أنواعه (العاطفي، والنفسي والإجتماعي) في الخرطوم من خلال منظمة سيما، موجهًا لضحايا العنف الجسدي والجنسي، من النساء والأطفال.
قبل الحرب، ورغم كل العراقيل والمصاعب في السودان، لكن كان الحد الأدنى من الاستقرار أمرًا إيجابيا حينما يتعلق الأمر بعملي. كان يتم أولا تقييم ما إذا كانت الحالة بحاجة لرعاية طبية، فيتم نقلها للمستشفى لتلقي العلاج، حيث تتكفل المنظمة بتغطية النفقات، وطرح خيار الدعم القانوني أمام الضحية إن أرادت ذلك. فقدت كل تلك الخدمات بعد اندلاع الحرب، وزاد عدد الضحايا من النساء والرجال. التحقت، حين نزحت لولاية الجزيرة، بوزارة الصحة، وباشرت عملي في مراكز الإيواء، حيث تتعاظم معاناة النساء هناك، من عدم توفر إحتياجاتهن الأساسية من فوط صحية وأماكن كريمة للتخلص منها إن وجدت.
كان العمل في مراكز الإيواء في مدينة ود مدني صعبا للغاية، بسبب الوضع الأمني الحرج،كما كان من السهل رفض طلب مقدمي الخدمات النفسية من قبل أجهزة الدولة حينها لتقديم الخدمة مالم تكن تلك الأجهزة طرفاً في المقابلات، أو في أحسن السيناريوهات الرقابة على الأسئلة الموجهة للنازحين. وأرجح أن ذلك يرجع لعدم وجود منظمات دولية أو محلية تعمل على الأرض قبل حرب أبريل في ولاية الجزيرة.كان لذلك عظيم الأثر في خلق كماشة من البيروقراطية والجهل والتعنت الأمني ضد المساعدات النفسية.
من أساسيات التعامل مع الصدمات النفسية هي وضع حدود بين المعالج والضحية لضمان سلامة صحتنا النفسية، كنت، وما زلت أراقب ذلك بشكل جيد حتى أضمن جودة الخدمة المقدمة، من ضمن بروتوكولات العمل في هذه الظروف هي خضوع المعالجين لجلسة تقييم كل ستة أشهر، لم يكن ذلك متوفرا بصورة كبيرة، لكني كنت أحرص على القيام بها بشكل شخصي مع زميلاتي. نتحدث دائما عن أفضل أساليب التفريغ النفسي، وعن ضرورة فصل العمل عن حياتي الشخصية، كعدم الرد على هاتف يخص العمل بعد أوقاته الرسمية. واستمر ذلك معي إلى عملي الحالي في منظمة أمل للدعم النفسي- الاجتماعي هنا في كمبالا. يكمن الضغط هنا في عدم توفر منظمات أخرى تقدم خدمات نفسية للاجئين السودانيين، لكن في السودان يتم توزيع الحالات مهما كثرت على عدد منظمات أكبر.
من التحديات هنا وفي الدول خارج السودان هي التأقلم مع قوانين البلد المضيف، لذا، ولحداثة منتظمتنا هنا فنحن نقتصر على تقديم الجلسات النفسية، وكتابة الوصفات الطبية عن طريق الطبيبة النفسية المختصة فقط حتى الآن، لكن لا يمكننا استقبال حالات الإدمان المتزايدة هنا.
سألتها: هل تبنى الجلسات النفسية على مدى المرونة النفسية للضحية أو ما مرت به؟ فأجابت: “حسب تجربتي مع ضحايا العنف في السودان قبل الحرب فإن معظم النساء هن من خلفيات بسيطة في تعليمها وقدرتها على الاستيعاب، وأحيانًا نقابل ضحايا متعلمات لكنهن غير واعيات بحجم ما مررن به من عنف، نقوم في هذه الحالة بشرح خدماتنا بصورة تفصيلية، ونوضح لهن معنى كلمة “عنف” كي يكن قادرات على تمييز ما مررن به هل هو عنف أم أمر طبيعي. لكن قبل أخذ بياناتها حتى، تكون اللأولوية لسلامتها الجسدية، في حال وصلت إلى المركز في حالة نزيف أو إصابات بالغة، ثم نقوم بعد ذلك بعرض بقية الخدمات عليها. حيث لا يمكننا إرغامها على الخضوع للجلسات النفسية، يجب أن يكون ذلك بموافقتها التامة. أما في كمبالا فلا يوجد غير الخدمة النفسية فقط، والتركيز على شعور اللاجئين بجودة حياتهم ومساعدتهم في تجاوز ما حدث لهم”.
أما بخصوص الجلسات الجماعية في معسكرات النزوح فهي بالطبع غير كافية، وأعتقد أن دورها هو تخفيف الأثر قليلًا، لكن لا يكون لها أثر عالي ملحوظ على الأفراد. كانت الأولوية هناك للمياه والطعام والحمام والفوط الصحية، لذا من الطبيعي تراجع أهمية البحث عن صحة نفسية جيدة مقابل البحث عما يسد الرمق. كما لم يكن هنالك مكان مخصص للجلسات الفردية، كنت أجلس مع الحالات الحرجة تحت شجرة ما احياناً عندما يكون الأمر طارئاً.
أما كهيفاء، ضحية الحرب، بعيدا عن مهمتها الإنسانية في دعم المعنفات والنازحات، كانت حاجتي للعمل دافعًا أساسيًا، لذا لم أتوقف عنه منذ بدء الحرب، وطيلة فترة تواجدي في السودان. مع أنني أخذت وقتًا مستقطعًا (شهرين) لدى قدومي لكمبالا لظروف خارجة عن إرادتي، لكن استأنفت بعدها العمل في منظمة أمل.كمقدمة خدمة، في حالة حرب، فقدت بيتها وممتلكاتها، لا أجدني أملك رفاهية الجلوس والتغاضي عن احتياجاتي واحتياجات أسرتي. الشيء الذي أحرص عليه منذ عودتي للعمل هو الالتزام بمواعيد عمل العيادة، لكن بمجرد خروجي من العيادة فإنني لا أتحدث مع أو عن حالة. في زمني الخاص أقوم بالرعاية الصحية النفسية الذاتية (الالتزام بالغذاء الصحي في مواعيده اليومية، وإختيار الدائرة القريبة بعناية، وتقليل الزمن على الانترنت، النوم مبكرًا، والاهتمام بالجانب الروحي) يوميًا ودون إهمال أي جانب، تفاديًا للوقوع في فخ الهشاشة النفسية.




