صناعة الأمل
اللجوء ومصاعب تأسيس حياة جديدة
محمد أحمد بابكر
تقع ضاحية كاومبي في العاصمة الأوغندية كمبالا، وهي منطقة مأهولة بالسكان المسلمين اليوغنديين، لذا تنتشر فيها الكثير من المساجد، أشهرها مسجد وضريح الشيخ مبوقو. قطن في هذه الضاحية مجموعات كبيرة من السودانيات والسودانيين، نظراً لتوفر الخدمات الأساسية بها، بالإضافة إلى البيئة الاسلامية، ما خلق جواً من الإلفة، كانوا قد تركوه خلفهم بسبب الحرب.
كلنا سوا
التقيت في كافيه (كلنا سوا) بحي بكاومبي، بمالكة الكافيه. هل لاحظت دلالة الاسم التي توحي بالمساواة؟ عنه تقول صفاء عمر إنها اختارت هذا الاسم بقصد المساواة بين السودانيين الذين يشهد واقعهم اليوم استقطابًا حادًا على كافة المستويات. تنحدر صفاء من محلية قريضة بولاية جنوب دارفور، وقد جاءت من أمدرمان إلى دولة يوغندا جراء الحرب. تحكي صفاء عن واقع معاناة جابهتها عند قدومها إلى كمبالا؛ كتركها العمل بكافيه البحير في وسط العاصمة اليوغندية كمبالا، لقلة الأجر الذي لا يغطي نفقات المعيشة، رغم المجهود المضني الذي كانت تبذله، ثم اتجاهها لصنع سندويتشات الطعمية، والبيض، والشاي والقهوة، المحضرين منزليًا، والذين تحملهم باكراً إلى مكتب رئاسة مجلس الوزراء، حيث يتوافد السودانيات والسودانيين بأعداد غفيرة لتقديم طلب اللجوء. كان دخلها جيداً، لكن، وبسبب مشاجرة قام بها شاب سوداني أمام المكتب، نقلت إجراءات لجوء السودانيات/يون إلى مدينة بويالي، ما أدى لتوقف عملها وبالتالي دخلها. تقول صفاء أنها لم تستسلم لمرارة الواقع بعد تلك النكسة، حيث قامت، ولفترة، بتوزيع الرُقاق والآبري* الذين تصنعهما إحدى معارفها، إلى أن قامت رفقة اختها بتأسيس كافيه في منطقة كاومبي، قبل أن تقوم، أخيرًا، ولدواعي انخفاض الدخل، بتأسيس مقهاها الخاص (كلنا سوا)، والذي باعت ما تملكه من ذهب لتأسيسه. كان هاجسها بالإضافة لضرورات الحياة، خوفها من المرض الذي يتطلب دخلاً جيداً وثابتاً، حيث يتطلب الوصولية لخدمات الرعاية الصحية في يوغندا مبالغاً ماليةً كبيرةً.
محاضرات تثقيف وعقبات اندماج
في مدرسة مبوقو الإسلامية الأساسية المختلطة بكاومبي، تجمعت النساء السودانيات لحضور محاضرة تثقيفية حول سرطان الثدي، واستشارات الصحة النفسية، والتي نظمتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني السودانية. أشرفت صفاء على إعداد القهوة لتلك الجلسة. كان هناك فتاة صغيرة السن تحمل كاميرا تصوير، وتقوم بالتقاط صور للأطفال وهم يلعبون، والنساء وهن يتجاذبن أطراف الحديث، عقب انتهاء الفعالية ذهبتُ إليها وقمت بدعوتها للجلوس معنا وتناول القهوة، بدأت مصورتنا آن الأمين في التحدث بثقة وحيوية مدهشتين نظراً لصغر سنها، حيث ستجلس لامتحان الشهادة الثانوية اليوغندية لهذا العام.
وصفت، لنا، آن رحلة نزوحها من سوبا إلى ود مدني، ومن ثم قرار مغادرة السودان إلى يوغندا، ثم حكت عن انتظارها لامتحانات الشهادة السودانية، ومن ثم الانتقال للجامعة، في وضع مستقر وطبيعي. لكن، تبدل الحال، وتزاحمت الأفكار في عقلها بعد تخريب ما خططت له من بدايات جديدة، لتعيش اليوم حيوات مختلفة، لم تتوقعها، الأولى في سوبا والثانية في مدني والثالثة في كمبالا.
حكت آن، أيضًا، عن مصاعب الحرب وجروحها العميقة على الأفراد، وآثار الصدمة التي خلفتها على الصحة النفسية للسودانيات والسودانيين، وأيضًا عن مقاومتهن/هم من أجل الحياة. حدثتنا عن العقبات التعليمية التي جابهتها عقب اللجوء ليوغندا، واللغة الانجليزية أولها، بالإضافة إلى المنهج التعليمي والبيئة المدرسية المختلفة عن تلك التي عايشتها في السودان، قصة تحديات آن هذه، يمكن تعميمها على أغلب، إن لم نقل، كل بنات وأولاد جيلها، الآملات/ين في مستقبل واعد وعادل، وتعليم جيد في بلدهم قبل أن تمزقه الحرب.
تخبرنا (والدة آن) مي مأمون، وهي باحثة مشاركة في معهد البحوث الزراعية بالخرطوم، عن التجربة المكتسبة الجديدة لبناتها وأولادها في يوغندا، حيث الاختلاف الثقافي واللغوي البائن. حيث ترى مي أن التعرف على الآخر المختلف شرط ضروري لبناء الشخصيات والمجتمعات على أسس معافاة وسليمة، وتلاحظ مي (الباحثة) أن الأطفال أكثر سرعة في تجاوز عقبات اللغة والاندماج، وهو تحدي يجابه أغلب السودانيات/ين، القادمات/ين من ثقافة ولغة مختلفة، لتقول لو لم يكتسبوا غير هذا لكفاهم.
في ذات السياق قامت إحدى المشاركات – فضلت حجب اسمها – في المحاضرة التثقيفية حول سرطان الثدي، وهي طبيبة بيطرية قادمة من مدينة نيالا حاضرة جنوب دارفور، بتعداد الصعوبات والاختلافات اللغوية والقيمية والثقافية عقب لجوئها ليوغندا. بدأت قصتها منذ اندلاع الحرب في مدينة نيالا، التي شهدت أعنف المعارك، والتي كانت تستمر ليوم كامل، يتبادل فيها المتقاتلون القصف بالأسلحة الثقيلة، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية وتعطل الخدمات الاساسية، الأمر الذي اضطرها، وهي حامل في شهورها الاخيرة إلى النزوح إلى مدينة الضعين بشرق دارفور خوفاً من الاجهاض، حيث وضعت طفلها هناك. ونظراً لسوء الأوضاع الصحية في البلاد قررت السفر خارج السودان. كانت الخيارات محصورة بين مصر ويوغندا، واستقر بها الأمر في نهاية المطاف مفضلة الأخيرة، نسبة لطول المسافة إلى مصر، والمخاطر الأمنية والصحية، التي صاحيت خروج اغلب المستشفيات عن الخدمة، بالاضافة لانعدام الادوية المنقذة للحياة بها.
اكتساب لغة وضياع هوية!
تصف سيدة أخرى – فضلت حجب اسمها، وهي أم لأربعة أطفال – نفسها بالقيادية في مجتمعها الصغير بضاحية كاومبي، حيث تضاعفت تعقيدات الأمومة والأعباء الملقاة على كاهلهن، بالإضافة لوضعهن كلاجئات تنتابهن مخاوف الحياة الجديدة في سياقات الشتات، وتوقعات المجتمع. تبدأ مُحدِثتنا كلامها بالسلام و(المطايبة) بلغة مشحونة بالأمل واستشراف المستقبل، حتى بعد أن أجبرتها الحرب على مغادرة مدينة نيالا رفقة أطفالها، كغيرها ممن أتين من مناطق (الحرب النشطة) حسب تعبيرها. غادرت نيالا عاصمة جنوب دارفور خلال الخريف، بمعاناة شديدة، حيث مرت بمجموعة من المحليات والقرى وصولاً للضعين عاصمة شرق دارفور، في أربعة أيام قاسية. حكت عن حيرتها في اختيار الوجهة الجديدة، والتفكير في مصدر دخل، وسكن واستقرار نسبي، بعد أن سقطت الضعين بدورها في يد الدعم السريع. حينها اتخذوا قرارهم بالمغادرة نحو دولة جنوب السودان، حيث استغرقت الرحلة من الضعين إلى جوبا العاصمة سبعة أيام، مثلت جحيماً مضاعفاً لأم أصغر أطفالها بعمر 8 أشهر، وأكبرهم 4 سنوات. تسترجع هذه السيدة تأثير القتال على أطفالها وصدمتهم لمرتين، الأولى لحظة فقدانهم لحياتهم القديمة مع أول قذيفة تم إطلاقها في سماء نيالا، وصولاً لتساقط الحاميات العسكرية بشكل دراماتيكي، والصدمة الثانية ما شهدوه في مدينة الضعين. بجانب العناء الذي واجهته أسرتها الصغيرة جراء السفر أثناء الخريف عبر البر. بعد زوال معاناة التهديد المباشر بتركهم السودان، بدأت سلسلة جديدة من الحيرة، والأسى ومجابهة المجهول. مكثوا في جوبا لمدة خمسة أيام يستريحون من تعب السفر الطويل والشاق، بعدها، اتجهوا جنوبًا نحو دولة يوغندا. وقتها لم تكن لدى هذه الأم أي خلفية عن البلد الذي يتجهون إليه. أخبرتنا: “مثل أي سودانية لاجئة، واجهتني، لدى وصولي، صعوبات كبيرة، بداية من مرض أطفالي بسبب المناخ والبيئة والعادات الغذائية الجديدة، بالإضافة إلى اختلاف طبيعة السكن عن السودان”. وقتها لم يكن العام الدراسي قد بدأ بعد، الأمر الذي اضطرها لعدم السماح لأطفالها بالخروج وحبسهم داخل المنزل خوفًا عليهم. بعد ثلاثة أشهر، صعبة، بدأت السنة الدراسية، وبدأت التحديات الجديدة: كيف ستقوم بادراجهم في نظام تعليمي مختلف! خصوصاً مع بُعد المدارس السودانية عن منطقة سكنها؟! قالت: “أقطن في كمبالا، في مكان يدعى كاومبي، أمبوقو، وبحمد الله وجدت مدرسة إسلامية وألحقت أطفالي بها كي لا تنقطع مسيرتهم التعليمية. لم يكونوا قادرين على فهم أي شيء خلال الفصل الدراسي الأول، عانوا، وعانيت معهم من أجل الاختلاط، وتعلم اللغة والتعامل مع المجتمع، لكنهم رويداً رويداً بدأوا في التأقلم. نقترب الآن من إكمال عام كامل هنا، ونظن أننا أفضل حالًا من أهلنا في السودان”. أخبرتنا أن ابنتها أجادت اللغة، وأصبحت مترجمة للمدير والأساتذة، تترجم من الإنجليزية إلى اللغة السودانية وبالعكس. تقول: “يتعلم أطفالنا هنا اللغة الإنجليزية، لكن يصعب علينا كأمهات ضياع اللغة العربية”. واصلت في الحكي عن مخاوفها المرتبطة بالتعليم الإسلامي، ومادة الرياضيات، والتقاليد والثقافة السودانية، ولكن، أيضًا، عن العودة للسودان بتأهيل عالي يستفيد منه النشء والبلد مستقبلاً، وبناء مراكز ثقافية واجتماعية تمثل خلاصة تجربة الشتات.
تخبرنا أم ثانية فضلت حجب اسمها أيضًا: “لم يمثل حاجز اللغة مشكلة كبيرة، لكن مصدر الدخل والإيجارات من جهة أخرى كانا أمرًا آخر. كنا نسكن في منطقة لا يوجد بها سودانيون، وكان اليوغنديين في حالهم ولا يتدخلون في شؤوننا، ظل أكثر ما شغل تفكيرنا، وأرهق كاهلنا، الحصول على مصدر دخل ثابت. خاصة وأننا أكاديميون، حيث واجهنا صعوبة في بدء أعمال بعيدة عن تخصصاتنا، إن وجدت”.
صناعة الأمل والمقاومة
تحكي كل هذه التجارب، في المجمل، عن معاناة الناس جراء الحرب، والتحديات والمصاعب التي تواجه السودانيات والسودانيين في بلاد اللجوء، وهي تحديات يواجهنها/ونها بعزيمة وسعي متشبث بالوجود، وتوكيد الذات وتحسين شروط الحياة، وهو درس عظيم في صناعة الأمل والمقاومة.
* الرقاق نوع من الخبز المنبسط الرقيق، والآبري مشروب شعبي سوداني، يقدمان في رمضان.
محمد أحمد بابكر
طالب بكلية الأداب جامعة الامام المهدي، مهتم بقضايا التغيير الاجتماعي والحركات الاجتماعية والطلابية
- لا توجد المزيد من المقالات



