العدد الثاني - الجزء الثاني - ديسمبر 2025

افتتاحية العدد الثاني – الجزء الثاني

ديسمبر 2025

الرعاية كمسألة سياسية..

يصدر هذا الجزء الثاني من العدد الثاني من مجلة فريدة حول ”مقاربات الرعاية والعدالة“ في وقت يستمر فيه العنف وتتسع رقعته، وتحاصرنا حالة من اللايقين حول مستقبلنا المشترك، كسودانيات وسودانيين.

تفجّر العنف في الفاشر، وشهدنا حصار التجويع من قِبل قوات الدعم السريع ومن بعده القتل الجماعي وبرك الدم التي شوهدت من الفضاء، لتكون شهادة أن دمنا سال حتى صار حقيقة لا تُنكر. وحدثت مجزرة بارا والمقتلة في القرى نواحيها، والقلب والأبصار تتجه إلى كردفان الآن.

صارت هذه حياتنا مع الحرب، نشهد المجزرة تلو الأخرى، بلا وقت كافٍ للحزن والحداد، لا لغة لنعزي بها من فقدوا أحبائهن/م، ولا بُرهة لعقلنة هذا العنف أو فهمه، ويظل العنف الجنسي أيضا جريمة تتكرر مع كل اجتياح عسكري.

داخل هذا الواقع، يقاوم الناس أيضاً، لم تنفض النساء أيديهن عن الفعل، لم تفتر عزيمة من شيدوا المطابخ المجتمعية والمساحات الآمنة والمراكز الصحية. مُحاطات/ين بالعنف من كل جانب، وبخطابات العسكرة والتجييش لصالح طرفي الحرب، نهضت روح النجاة الجماعية وأشكال الانتظام القائمة على التضامن.

يصدر هذا العدد ونحن نستعيد ثورة ديسمبر المجيدة في ذكراها السابعة، ثورة عمّقت وعينا بالسياسة بمعنى تعبيرها عن مصالح الناس، وعن الإرادة والسيادة الشعبية. نستعيد دروسها، نمرُ على سيرة شهداءاها وشهيداتها الخالدات/ين، ونفهم هذه الحرب عبر لحظة الثورة، بوصفها حرب قوى الثورة المضادة.

يبدأ هذا العدد ب ”دروب للحياة“ لنُقدم شهادة على هذه المقاومة، نتتبع مع سلمى الهادي كيف عملت النساء في المِهجر على استدامة حياة أسرهن، مُجيبات بعرق جبينهن على الأسئلة التي شككت في خياراتهن. بينما تسرد لنا هديل البنداري أبرز المبادرات النسوية التي مركزت صحة النساء عبر فعل جماعي حثيث. وتقترح هناء جعفر وويني عمر تصورًا لما يمكن أن تكون عليه حياتنا والسياسة كذلك عندما تُمركز ممارسات الرعاية وتُمنح مزيدا من التسييس، عبر تتبع ممارسات غرف الطوارئ وغرف الطوارئ النسوية في السودان.

ننتقل بعدها لسلسلة من المقالات عن الحرب وثِقل اليومي، لنُساءل حقوق النساء غير المعترف بها في إطار أدوار إعادة الإنتاج، والتجاهل الذي يُحيط بحقوق المتعايشات/ين مع الإيدز، وحقوق العاملات والعاملين في غياب الحماية الاجتماعية.

تقدم رزاز بشير تشريحًا مهما للتحولات التي رافقت الحرب وأثرت على النساء بشكل مباشر، حيث من المهم التفكير في ”هشاشة البنية التحتية ليس فقط كمشكلة تقنية، بل كقضية اجتماعية تكشف غياب الاعتراف بأعباء العمل المنزلي الذي تتحمله النساء“.

تحدث الصحفي رشيد حسن مع امرأة متعايشة مع نقص المناعة المكتسب (الإيدز) ومع عاملين وعاملات في المجال ليكشف عن الإهمال الذي يواجه هذه الفئة التي لا يتم تذكرها كثيرًا. سارا حاج تشاركنا النتائج المباشرة التي تواجهها النساء العاملات بسبب الحرب، إذ انهار العمل وغابت النقابة، في وقت يحتاج فيه العاملات والعاملون للتنظيم دفاعا عن حقوقهن/م المسلوبة.

في المقال الأخير في هذا الجزء، تُمركز كل من ميادة حسنين وسيراف صلاح ”أدوار إعادة الإنتاج الاجتماعي“ في قلب نظرتهن للتحولات التي شهدتها النساء مع الحرب، داعيات للتركيز على الطرق التي تُعاد بها صياغة هذه الأدوار في الوقت الراهن.

في الجزء الثالث، محاولة لتفكيك العنف الذي عايشته ومازالت تعايشه مجموعات مختلفة.

تنقلنا سارة الخضر إلى معسكرات الاستنفار في كسلا ونستكشف معها بكلمات النساء أنفسهن، الدوافع وراء الانضمام لمعسكرات التدريب العسكري، وتسرد لنا نعمات الحاج فظاعة العنف الذي واجه الناس في الفاشر حتى الموت الذي لاحقهم/ن في درب الخروج من المدينة.

في ثنايا العدد أيضا، كتابة تحليلية مهمة لرجاء مكاوي حول استخدام النساء في سياق الحرب الحالية، وكيف توظف صورتهن وموقعيتهن من قبل طرفي الصراع، وكيف تُحول أجسادهن إلى ”نُصب تذكارية وطنية“ تُسند عليها قيم الرجولة.

من ليبيا يقدم لنا الصحفي مصعب محمد علي وقائع حياة شديدة القسوة للاجئات واللاجئين السودانيين في مواجهة العنصرية والتمييز وغياب رعاية حقوقهن/م. وتستعرض لنا ملاذ البدوي تجارب النساء الحوامل اللاتي تعلقن بين الموت والحياة بحثا عن مستشفى، أو قابلة، أو بقعة آمنة يُنجبن فيها، بينما تلاحقهن المعارك الحربية.

ونختم هذا الجزء من العدد بمقال لمروة الأمين حول أحوال نساء الشرق، بين الانتظام النسوي لرعاية مجتمعاتهن وعنف الدولة.

في الجزء الرابع، تذويت، كتابات حميمة، أولها مقال لعناب علمان حول المكان والتفكير في البيت الذي فقدناه والبيت الذي نُشيده الآن في ارتحالنا المستمر، وتحكي لنا سارا آدم عن الكتابة في أيام الحرب الأولى، تضامن النساء مع بعضهن البعض، والتشاركية والرعاية في درب النجاة. نستكمل أيضا الجزء الثالث من كتابة أميمة الزبير ”عزية“.

قدمت لنا دعاء طه كتاب ”كيف نفهم العدالة الاجتماعية من منظور نسوي؟“، والذي يحوي مناقشات مهمة تحمل عدسة تقاطعية تفكر في النساء والرجال والواقع الاجتماعي من منظور نسوي. 

ونختم العدد بملخص لجلسة نقاش عقدناها حول مقال المفكرة النسوية نانسي فريزر ”تناقضات رأس المال والرعاية“.

مرفق مع هذا العدد، كتيب لنجلاء عثمان التوم، بعنوان: ”جارات بلا حدود: إعادة اختراع الجيرة والتضامن الروحي عند انهيار المكان“. تأخذنا هذه الكتابة التأسيسية للتفكير في تجربة خلق مكان موازِ للتضامن الروحي تُشكله النساء في سياقات الهجرة والنزوح، وعبر تجربة ”جارات حي الصحافة“ قبل وأثناء الحرب، ننظر للمسار التاريخي لنشأة وتشكُّل الخرطوم كمدينة قائمة على الفرز الطبقي، وللتاريخ الحربي للسودان، وعن حق المنسيات في النسوية، الحق الذي يُساءل التأسيسات الليبرالية لنسوية تبحث عن ”الإنقاذ“ لا الفهم والاستكشاف والتعلم.

العدد الثاني - الجزء الثاني - ديسمبر 2025​