الاغتصاب جريمة حرب وسياسة دولة
إيمان سيف الدين
استخدام اغتصاب النساء سلاحاً للحرب ليس أمراً جديداً، بل ظل يحدث منذ عصور؛ إذ يُعتبر إهانة للخصوم من الرجال، لأن المرأة لم تُعتبر آنذاك مُساويةً في المواطنة للرجل، كما ارتبط الاغتصاب بمفهوم الجنس كعقاب نفسي وبدني.
مورس اغتصاب النساء في حروب عدَّة، مثل حرب فيتنام بين النساء النازحات. وفي الحرب العالمية اغتصب الجنود الروس النساء الألمانيات بشكل مُتعمَّد وشرسٍ، بحسب وصف أنتوني بيفور[1]، إلا أن التوثيق لهذه الجريمة أُغفِلَ ربما لأن غالبية المؤرخين اهتموا بالجوانب الحربية والآثار الاقتصادية وتفاصيل الهزائم والانتصارات. وإن كان للحرب من هزيمة بالغة، فهي هزيمة الجانبين عبر جريمة الاغتصاب.
وجرى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه جريمة حرب، وليس أثراً جانبياً مصاحباً لها، لأول مرة، في حرب البوسنة. لم يكن ذلك فقط بسبب ارتفاع الوعي بين الناس، بل إن هنالك أسباباً سياسية أدت إلى ذلك الاعتراف.
إن ما قام به الصِّرْبُ ضد نساء البوسنة يُعَدُّ عملاً وحشياً وتنبغي إدانته، وارتبط بعدم رغبة سماع المسؤولين لتلك الوقائع من جهة، والنساء الفاعلات كذلك كُنَّ من البيض الأوروبيات، وقد جذبن وسائل الإعلام بشكل كبير، كما حدث مع بداية الحرب الأوكرانية، فقد وصف الإعلام اللاجئين بأنهم ليسوا “كبقية” اللاجئين، لأنهم “من البيض المتعلمين”، وبالمثل سُلِّطَ الضوء من قِبَلِ وسائل الإعلام الغربية الكبرى التي لم تكن مُهتمَّة بنقل هذه الجريمة وآثارها في حروب أخرى، لأن وسائل الإعلام تعد ناقلاً لنوعٍ من موجات الفكر المقبولة نوعاً ما في سياق واحد لأسباب الجغرافيا السياسية geopolitical reason.
وتجدر المقارنة بين الاعتراف بالاغتصاب بوصفه جريمة حرب في البوسنة، بما حدث لـ “نساء المتعة” في كوريا والفلبين واليابان، على يد الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية. فقد غضَّ المجتمع الدولي الطَّرْف عن اليابان، وتجاهل الاعتراف بالفظائع اليابانية تجاه “نساء المتعة” في كوريا والفلبين واليابان بالكامل. ويعود ذلك إلى أن المجتمع الدولي كان يَعِدُ اليابان بالانضمام إليه كديمقراطية جديدة. إن محكمة طوكيو التي نظَّمتها المنظمات غير الحكومية اليابانية والكورية الجنوبية والفلبينية عام 2000، تُعَدُّ بمثابة إنجاز عظيم في مجال توثيق الأدلة والشهادات بدقة كبيرة، لكنها رغم ذلك لم تؤثر في الوعي الغربي الدولي.
إذا ما أدركنا أن الجرائم في البوسنة تزامنت مع اغتصاب النساء في رواندا، إبان الإبادة الجماعية، ولكن لم يكن للاغتصاب في رواندا أثرٌ في المجتمع الدولي، فبالطبع لا يمكننا الحكم على أن هنالك جريمة كانت أسوأ من الأخرى، فثقل الجريمة ونوعها لم يتغير، ولكن المفارقة في عدم التناسب في تأثير الجريمتين بنفس المستوى على الوعي الدولي. فكيف كانت إحدى القضيتين جديرة بمعالجة إعلامية مكثفة، والأخرى – على ما يبدو – ليست بمثل الأولى؟ هذا السؤال يجعلنا نستنتج أن العنصرية هي أيضاً عامل في الضغط، أو عدم الضغط، لتحقيق العدالة للنساء ضحايا العنف الجنسي.
هنالك أدبيات كثيرة صاحبت المصالحات التي تمت في جنوب إفريقيا، في محاولة لمعالجة المجتمع من الصدمات العميقة بسبب الاغتصاب، ولرتق النسيج الاجتماعي. الطريقة الوحيدة التي يمكننا عبرها البدء في فهم هذه الحروب، هي الاستماع بطريقة منهجية للضحايا وحفظ تفاصيل ما حدث لهنَّ كأدلة يمكن الاسترشاد بها لمعالجة النساء على الأرض، لأنهن مفتاح كسر الحلقة. الاعتراف بأن ما حدث وما زال يحدث لهنَّ غير مقبول على الإطلاق للمجتمع العالمي الحديث، هو شرطٌ أساسيٌّ للعدالة، وإنهاء الإفلات من العقاب، وإعادة بناء المجتمعات المحطمة.
إن انهيار القواعد المؤسسية التي تحكم السلوك داخل المجتمع، والذي تظهره حروب التخلف التنموي والصراعات الطويلة كما في حالة إقليم دارفور، كما يتجلى بوضوح شديد، لا يمكن أن يتحداه إلا الغرباء، فالعقل الجمعي يؤسس للحرب من مُنطلق الربح والخسارة الذكورية التي تتمادى في شراستها، لتعتبر أن خسارة المدنيين لا تعدو أن تكون أضراراً جانبية، ومن ثم يجري تجاهل تفاصيل ما حدث كلياً. إذا كنا منصفين في الحديث عن الاغتصاب بوصفه جريمة حرب, فينبغي علينا العودة إلى الوراء قليلاً.
الاغتصاب من سمات الحروب
يُعَدُّ الغذاء والتعليم في مقدمة مؤشرات التنمية في أي بلد. إن حجم الإنفاق الحكومي واستراتيجيات توفير الغذاء وتطوير البنى التحتية والفوقية للتعليم، تنعكس بشكل مباشر على وضع البلاد. ونحن في السودان ظللنا نبحث بطرق غير شفافة في وضع المعلومات المجردة على الطاولة، ولا أدري إن كان كشف المستور بالضرورة، يُمكنه أن يُوضِّح أن من كانوا على السلطة خلال أكثر من ستة عقود متتالية، مارسوا نفس السياسات التي حاصرت المواطن، وأرجعت البلاد إلى عصور الظلام.
خلال الحرب الأهلية الطويلة بين حكومة الخرطوم وجنوب السودان، فإن غالبية الكتب والمدونات لم تصف على وجه الدقة تفاصيل جرائم الاغتصاب التي تحدث للنساء والفتيات في تخوم جبهات القتال. على الصعيد الشخصي، فإن المرة الأولى التي أستمع فيها إلى إفادات عن الاغتصابات في حرب الجنوب، كانت في العام 2006، أثناء تبادل الحديث مع بعض صديقاتي من النساء من جنوب السودان. إن استمرار الحرب لنصف قرن من الزمان، لم يكن ليمر دون اقتراف هذه الجريمة البشعة، وقد صاحبت الحرب الأهلية في الجنوب عمليات استرقاق للنساء واختطافهن وإجراء عمليات الختان قسرياً بغرض اغتصابهن، ولكن هذه الحوادث لم تُوثّق على نحو دقيق.
إن استخدام الاغتصاب كسلاح قد يُفسر من خلال النظرية Transtheoritical Model of Fear، إذ يُستخدم كوسيلة للترهيب والسيطرة تجاه المعارضين، مع نزع الصفة الإنسانية نتيجة الخوف. في حروب السودان، يُنظر إلى اغتصاب النساء والاعتداء الجنسي العنيف تجاههن وتلقيحهن، على أنه تكتيك حرب منطقي تماماً، ويتم تبريره لأنهم قادرون على مهاجمة المجتمع بطريقة اجتماعية وتدميره بصورة أسهل من اللقاء بالجيش في ساحة المعركة، لتصبح جريمة اغتصاب النساء استراتيجية “مناسبة” جداً في خلق صراع فوضوي مستمر، مع قليلٍ من الكلفة المادية، لتعمل على تحطيم بنية المجتمع المُتماسك.
في يونيو 2007، ذكر الأمين العام للأمم المتحدة أن “الاغتصاب والعنف الجنسي في النزاع هما من تكتيكات الإرهاب والحرب، ويُستخدمان بشكل استراتيجي للإذلال والحطِّ من قدر الإنسان والتدمير، وفي كثير من الأحيان لمتابعة حملات التطهير العرقي, وأن الاغتصاب فعال للغاية في نشر الخوف. عندما يُرتكب الاغتصاب أمام أفراد الأسرة، يمكن أن يكون فعالاً في كسر معنويات الرجال والجنود المُحتمَلين، ويمكن أن يكسر ديناميكيات الأسرة نفسها، ومن ثم خلق مجتمع خائف ومكسور”[2].
الاغتصاب بواسطة الجنجويد
إن غالبية النساء في إقليم دارفور بالسودان، لا يستطعنَ الوصول للعدالة عند تعرضهن للاغتصاب أو الرغبة في توجيه اتهام، لأن المسؤولين القانونيين في أقسام الشرطة يدونون الادعاء تلقائياً بأنه حالة اعتداء. وإذا أصرت المرأة على تدوين جريمة الاغتصاب، فسيُطلب منها القيام بالمستحيل وتقديم أربعة شهود ذكور لدعم هذا الاتهام.
نتيجة لذلك، يمر العنف الجنسي دون عقاب تقريباً، وهو أحد أكبر انتهاكات حقوق المرأة في دارفور. هذا هو السبب في أن أعضاء منظمة شبكة تنمية المرأة الأفريقية والاتصالات (FEMNET) ومجموعات حقوق المرأة الأخرى في أفريقيا، لديهم آمال كبيرة في أن تتمكن المحكمة الجنائية الدولية الجديدة في لاهاي من تغيير الوضع.
وبحسب التقرير الخاص عن دارفور، والذي أعده القاضي {الراحل} الإيطالي أنطونيو كاسيزي للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، فإن الاغتصاب ذو أبعاد وبائية في دارفور بغرب السودان. فمعظم حالات الاغتصاب، وفقاً لتقرير كاسيسي، الذي أصبح الآن أساس تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في جرائم حقوق الإنسان في دارفور، نفذتها مليشيات عربية حكومية تُسمّى الجنجويد، وقد أُدين موسى هلال عبد الله النسيم، زعيم ميليشيا الجنجويد في ذلك الوقت[3]. وسُجّلت روايات لا حصر لها عن اغتصاب الجنجويد للنساء، بما في ذلك روايات للقاضي كاسيزي نفسه، الذي كان سابقاً أول رئيس لمحكمة جرائم الحرب التي أُنشئت في لاهاي للتعامل مع الجرائم ضد الإنسانية في يوغوسلافيا السابقة.
الاغتصاب الجماعي من قبل الجيش السوداني في تابت
تقع قرية تابت في شمال دارفور بالقرب من محلية طويلة، ويُقدَّر عدد سكانها بحوالي ٧٠٠٠ نسمة. في ٢٠١٤، تم الاعتداء على النساء والفتيات خلال حملة للجيش السوداني، وفي غضون ٣٦ ساعة اغتُصبت أكثر من 200 امرأة[4].
وقد وقعت هذه الجريمة أمام أعين الجميع، ولم يستجب أي شخص أو مؤسسة إلى أصوات المُعذَّبات المُعنَّفات غير أصوات البنادق وصراخ الجنجويد. وقد ترقى عمليات الاغتصاب الجماعي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، إذ وُجِدَ أنها تُشكِّل جزءاً من هجوم واسع النطاق أو ممنهج على تجمُّع سكاني مدني، ونفذت قوات الجيش السوداني ثلاث عمليات عسكرية منفصلة طاف فيها الجنود على المنازل واحداً فآخر، فنهبوا ممتلكات واعتقلوا أشخاصاً وضربوا واغتصبوا سيدات وفتيات داخل منازلهن. ووثقت “هيومن رايتس ووتش” 27 واقعة اغتصاب منفصلة، وحصلت على معلومات ذات مصداقية عن 194 حالة إضافية. كما قال اثنان من المنشقين عن الجيش، كل واحد على حدة، لـ “هيومن رايتس ووتش”، إن الضباط الأعلى رتبة أمروهما بـ”اغتصاب النساء”[5].
استخدام الاغتصاب لإبعاد النساء من السياسة – فض الاعتصام
لقد مارست السلطات الرسمية السودانية العنف ضد النساء السودانيات بهدف إقصائهن بعيداً عن المشاركة في القرار السياسي والاجتماعي، واحتكاره لفئة واحدة وتضييق الفرص بالنسبة لهن وعزلهن عن التواصل والتشبيك وتطوير قدراتهن في كل المجالات، فاتخذت الشرطة والقوات النظامية الاغتصاب استراتيجيةً للترويع في أقصى أشكاله.
ولعل أكثر الجرائم فداحة هي جريمة اغتصاب النساء في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، بمحيط مباني قيادة الجيش السوداني، والتي جرت أحداثها في مسجد جامعة الخرطوم. نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن طبيب وصفته بأنه “مطلع على البيانات التي جمعتها لجنة أطباء السودان المركزية”، تأكيده أن مستشفيات الخرطوم سجلت أكثر من 70 حالة اغتصاب في الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع يوم الاثنين 3 يونيو 2019، وما تلاه من أعمال عنف[6].
واستمر العنف في فترة ما بعد الانقلاب. في 14 مارس ٢٠٢٢، تعرضت متظاهرة تبلغ من العمر ١٨ عاماً للاغتصاب الجماعي من قِبَلِ ٣ أفراد من قوات الاحتياط المركزي، وفقاً للضحية والشهود. يأتي هذا الحادث بعد اغتصاب جماعي واعتداء جنسي على ١٣ امرأة في ١٩ ديسمبر ٢٠٢١. ظل الجيش السوداني وقادة الانقلاب يستخدمون الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح لإسكات المتظاهرات[7].
والجدير بالذكر أن حادثة اغتصاب الناشطة السياسية والفنانة التشكيلية صفية إسحق من قِبَلِ قوات الأمن السودانية في عام ٢٠١١، كانت من أشهر جرائم استخدام أسلوب الاغتصاب ضد الناشطات السياسات، فقد اغتُصبت بواسطة أفراد من جهاز الأمن السوداني، وذلك بعد تعرُّضها للضرب والشتم، وقدمت وصفاً كاملاً لما تعرّضت له، كما أشارت إلى أن عدداً من الناشطات اللائي شاركن في تظاهرات الثلاثين من يناير ٢٠١١ في الخرطوم واجهن نفس المصير، إلا أنهن لم يتحدثن عن الأمر خشيةً من أسرهن والمجتمع. وبدأت صفية حينها إجراءات الاتهام، ولكنها لم تجد أي استجابة، بل إن مسؤولين نصحوها بالتوقف عن تلك الإجراءات، فهي – بحسب قولهم – لن تأتي بثمار، بعدها اضطرت للخروج من السودان خوفاً على حياتها[8].
كل هذا العنف جاء رداً على النشاط المتزايد للنساء العمل السياسي والمطالبة المتزايدة بمساحة كبيرة للمرأة السودانية، في جميع مناحي الحياة، في تجسيد مباشر لصراع الطبقات المضطهدة من أجل نَيْل الحقوق والحريات والمشاركة الفاعلة في بناء الدولة.
الضحايا أولاً
إننا بحاجة لمبادرات جديدة على نطاق واسع للغاية لمعالجة الخراب النفسي والاجتماعي الواسع النطاق للنساء الضحايا، وهو الأثر غير المعترف به لهذه الحروب، إذ لا بد من ابتداع برنامج وخطة متكاملة لمعالجة قضية الاغتصاب على المدى الطويل، بهدف معالجة الأسباب ومعالجة الضحايا من عدة جوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية وتمكينهن من العودة إلى المجتمع على نحو فاعل.
ومما لا شك فيه أن الحرب أدت إلى إفقار النساء بشكل مباشر، مما يوجب وضع حلول تتعلق جميعها بأولوية مواجهة إفقار النساء في أعقاب الحرب، خاصة أن المرأة هي مفتاح المصالحة المجتمعية لا سيما في الريف، إضافة إلى صياغة سياسات من قبل المانحين وأطراف السلام لحماية المكاسب المؤقتة في تمكين المرأة والتي غالباً ما تُلاحظ أثناء الحروب وتضيع بعد ذلك. ولكي تنجح جميع المبادرات في هذا المجال، ينبغي تأطيرها بطريقة مُلزمة للدولة والحكومة في إطار صياغة القوانين والدستور ورسم السياسات العامة.
المصادر:
[1] Beevor, Anthony. The Fall of Berlin. Viking/Penguin, 2002
[2] http://hrlibrary.umn.edu/arabic/AR-HRC/AHRC4-64.pdf
[3] Report of the International Commission of Inquiry on Darfur to the United Nations Secretary-General Pursuant to Security Council Resolution 1564 of 18 September 2004. https://reliefweb.int/report/sudan/report-international-commission-inquiry-darfur-united-nations-secretary-general
[4] Report of the International Commission of Inquiry on Darfur to the United Nations Secretary-General Pursuant to Security Council Resolution 1564 of 18 September 2004. https://reliefweb.int/report/sudan/report-international-commission-inquiry-darfur-united-nations-secretary-general
[5] Ibid.
[6] Salih, Z.M. (2019), “Sudanese doctors say dozens of people raped during sit-in attack,” The Guardian, 11 June.
Available online https://rb.gy/pgztm
[7] “Sudan: End and Investigate Rape of Women Protesters” International Human Rights Service, 15 March 2022.
Available online https://shorturl.at/zMNTU
[8] “Youth movement remember assault of Safia Ishaq” Radio Dabanga, 14 February 2011.
Available online https://shorturl.at/rwGHU
ناشطة في مجالات التعليم غير النظامي والديمقراطية والتنمية المستدامة



