تكية في يوغندا
مطبخ كيرياندونقو المركزي حلول ذاتية وجهود جبارة
مي النو
كان اندلاع حرب 15 أبريل في السودان بمثابة إيذان بفتح فصل جديد من رحلة نزوح مئات الآلاف من السودانيين، الذين لجأوا إلى دول الجوار. دائماً ما تكون رحلة اللجوء قاسية، فهي قفزة نحو المجهول، تبدأ دون تخطيط، متاعها أحزان ودموع وفقدان وخسائر. وهي رحلة قاسية أُجبر عليها الكثيرين، بخطوات مثقلة بالهموم والخوف.
استقبلت يوغندا، التي تُصنف كأكبر دولة مستضيفة للاجئين في أفريقيا، أعداداً كبيرة من الأسر والأفراد. ويوغندا، والتي هي طرف أصيل في اتفاقيات اللاجئين وحقوق الإنسان استقبلت اللاجئين السودانيين في معسكر ماينزي، قبل أن تنقلهم قسراً إلى معسكر اللاجئين بمنطقة بويالي، الواقعة على بعد (152.8 كم) شمال العاصمة كمبالا، والذي يضم لاجئين من جنسيات متعددة، تشمل كينيا، وبوروندي، والكونغو، ورواندا وجنوب السودان.
يروي محمد عبد الله عيسى، الملقب بحمدي، عضو لجنة الخدمات بالمطبخ المركزي في مجمع جي – الذي يعد الأكبر من بين 18 مجمعاً سكنياً في المعسكر، حيث يقطن السودانيون في 12 منها، أبرزها مجمعات جي وسي وإل غرب وبي – قصته مع اللجوء قائلاً : “كنت قد قدمت إلى ولاية الخرطوم للدراسة الجامعية، وعند اندلاع الحرب، غادرتها قاصداً جنوب السودان، ووصلت هناك في يونيو، ثم وصلت إلى أوغندا عبر البر في أغسطس، حيث تم تسجيلي كلاجئ ضمن 284 فردًا آخرين”.
جهود شبابية
ويتحدث محمد عبد الله عيسى عن تجربته مع حصص الغذاء فيقول: “لدى وصولنا للمعسكر في ديسمبر 2023، وفرت لنا المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع منظمة الغذاء العالمية WFP، سلة غذائية تحتوي على ذرة شامية، وزيت قلي بمقدار لتر للفرد، وحصة من الفاصوليا الحمراء أو ما يعرف بالجنجارو، والقليل من الملح. (يتم تخصيص وتقدير الحصة للفرد بتاريخ التسجيل بالمفوضية ودخول النظام) أردف قائلًا: “حصلنا في الأربعة أشهر الأولى على الحصة كاملة، والتي كانت مرضية نوعاً ما. كنا نكون مجموعات من الشباب (القادمين بدون أسر) ما بين 5-6 أفراد، نقوم بالطبخ بنظام الميز، حيث نطبخ الحصص بشكل يومي مجدول ومتبادل الأدوار. لكن بعد فترة بدأت الحصة في التناقص، فبعد الثلاثة أشهر الأولى تناقصت لتصل إلى 60%، ومن ثم تناقصت مرة اخرى حتى وصلت إلى 30%، فذهبت مجموعة منا لمقابلة مسؤول برنامج الغذاء العالمي، وتقدمنا بشكوى أن الحصة غير كافية، ليتم رفع السلة الغذائية مرة أخرى إلى 60%، بيد أننا تفاجأنا بأنه قد تم استبدال حصص الغذاء بالنقد، حيث تتدرج المبالغ كما الحصص الغذائية، فالحصة الكاملة يقابلها 48 ألف شلن شهريًا للفرد، في الأربعة أشهر الأولى، ثم تناقصت تمامًا كالحصة الغذائية لتصل إلى 28 ألف شلن مقابل 60% من الحصة الغذائية. ثم أرجعونا مرة أخرى لنسبة الـ 30% أي مقابلها 14 ألف شلن للفرد والتي تعادل 3 دولارات”.
استجابة للواقع
نبعت فكرة المطبخ من معاناة مجتمع اللاجئين السودانيين داخل معسكر كيرياندونقو، فبعد خفض نسبة الدعم المقدم من برنامج الغذاء العالمي إلى 30%، وعدم توفر فرص للاجئين للانخراط ضمن برامج أو مشاريع مدرة للدخل بالمنطقة، أصبحت الأحوال صعبة جدًا، ما دعا القيادات الشبابية بالمعسكر للبحث عن حلول لمجابهة تلك التحديات، فجاءت فكرة إنشاء مطبخ أسوة بالتكايا في السودان، بهدف توفير وجبات غذائية، ولنشر روح التكافل والتعاضد بين المجتمع السوداني بالمعسكر.
يقول مدير المطبخ المركزي أ. معاوية الحسن، وهو أيضا من القيادات المجتمعية بالمعسكر: ” أنشئ المطبخ المركزي بمبادرة شبابية محلية، بهدف سد جزء من الحاجات الغذائية، بعد أن تم تخفيض النسبة التي كانت مخصصة للوافدين القدامى من اللاجئين، لتصل إلى 30%، وهو مبلغ لا يكفي لتلبية الاحتياجات الغذائية لأكثر من أيام معدودة. كانت نتيجة تخفيض الحصة الغذائية هذه كارثية، حيث تفشت حالات سوء تغذية وسط اللاجئين، خاصة الأطفال، والأفراد دون أسر. هذا بالإضافة لتدهور صحة النساء الحوامل. ما حفزنا لمناقشة الأمر، فتوصلنا لتأسيس مطبخ بالعون الذاتي، والمساهمات بمجمع جيم، بالإضافة لمجمعيين سكنيين آخرين”. استطاع المطبخ المركزي الذي يقوم بتوفير وجبة يومية قوامها الأرز والجنجارو، خلال أكثر من 6 أشهر، أن يغطي ما بين 350 إلى 500 فرد. ومن ثم تمت التوسعة و تأسيس 10 مطابخ أخرى بالمجمعات لتخفيف الضغط على المطبخ المركزي بمجمع جي، نسبة لتوافد العديد من الوافدين الجدد للمجمعات المجاورة، ليصل عدد المستفيدين من المطابخ ما بين 5 آلاف إلى 6 آلاف شخص.
القوى التشغيلية للمطبخ
يقول أ.معاوية: “يعمل المطبخ بالجهد الطوعي، وتتم إدارته بواسطة إدارة تنفيذية لقيادات المعسكر الشبابية بقيادة عثمان آدم رئيس اللجنة العليا للمطابخ، وشخصي، كمدير للمطبخ ومسؤول من إدارة المخزن، بالإضافة إلى مدراء المطابخ. كما أن هناك تيم فني يتكون من 25 متطوع، يتم جدولة أعمالهم وتقسيمهم لفريقين، وأحيانًا ثلاثة، يضم كل فريق طباخ ومساعدي الطباخ الذين يقومون بتقطيع البصل واشعال النار، بالإضافة إلى أربع متطوعين يقع على عاتقهم تجهيز المكان، وتنظيم الأسر، ومسؤولية الأواني، والمساعدة أحياناً في طبخ العصيدة”. وقد أسست المطابخ بامكانيات ضعيفة، وأدوات بسيطة حسب القدرة المالية للمجتمع، حيث يمتلك كل مطبخ قدرين كبيرين (حلل) للطبخ، وملعقة كبيرة للغرف. لكن لا يوجد مواقد للطبخ، فتوقد النار على الأرض مباشرة، ويستخدم الحطب كوقود فهو متوفر ورخيص. أما بالنسبة للصحون فهي قليلة لا تكفي كل الموجودين، حيث يضطر البعض للانتظار حتى يفرغ آخرون من الأكل، ثم يقوم المتطوعون بغسل الصحون الفارغة، وإعادة ملئها للبقية”. يواصل معاوية حديثة “كنا قد نظمنا عدداً من البرامج الترفيهية تزامنًا مع الوجبات، لكن، نتيجة لضغط العمل وضعف الميزانية توقفت”.
رفيعة أحمد آدم، كبيرة الطهاة، والتي حضرت إلى يوغندا في بداية العام 2024، قادمة من ولاية النيل الابيض، مدينة كوستي عبر الطريق البري ربك، ثم الجبلين ثم الرنك، هرباً من الحرب، وإيجاد فرصة تعليم لأبنائها الاثنين تروي: “تم اختياري للعمل ضمن فريق المطبخ بواسطة مجموعة من الشباب برئاسة أ. معاوية. عقدنا عدداً من الاجتماعات لوضع خطة العمل، ومن ثم بدأنا جمع التبرعات من سكان المجمعات. بدأنا العمل بما تيسر من المواد العينية التي منحها لنا السكان. حيث يتم إيداع تلك المواد بالمخزن، الذي تقع مسئوليته على أ. معاوية فيتم صرف الحصص اليومية للطبخ. نقوم يومياً بطبخ وجبة مكونة من الأرز والجنجارو، بمقدار جوالين من الأرز (50 كيلو) بالإضافة إلى 30 كيلو من الجنجارو. وكما نحتاج 3 لتر من الزيت، و 100 ألف شلن يومياً للتسيير، وشراء الوقود والمياه (حيث أن المياه في المعسكر مالحة لا تصلح للطبخ)، بالإضافة إلى التوابل، والملح. رغم تذبذب الإمدادات والتبرعات إلا أن التيم العامل بقيادة أ. معاوية يصرون على عدم توقف المطبخ، أحيانًا يصل الأمر إلى حد استدانة مبلغ للتشغيل، فنقوم بطبخ الأرز فقط، أو صنع النشا، الجهود التي يقوم بها التيم بالإضافة إلى التبرعات المالية والعينية من سكان المعسكر وبعض الخيرين، جبارة، إلا أنه ونسبة للعدد الكبير من سكان المعسكر تظل كل هذه الجهود قاصرة عن تلبية الحاجات الغذائية للسكان، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا”.
تحديات وعثرات
أبرز التحديات التي تواجه استمرار عمل المطبخ هو النقص الحاد في الدعم المالي، فغياب مانحين ثابتين، وتوسع نطاق خدمات المطبخ ليشمل عشر نقاط توزيع إضافية، أدى إلى تراكم الديون، ما أجبر القائمين عليه مؤخراً على تعليق العمل بشكل متقطع. توقف المطبخ عن العمل لمدة أسبوع كامل في إحدى المرات، مع ذلك، فإن إصرار العاملين على استمرار تقديم الخدمة، بالرغم من الموارد المحدودة، هو ما يدفعهم إلى إعادة التشغيل في كل مرة. فالكثير من المستفيدين يعتمدون على هذا المطبخ لتوفير وجبتهم الوحيدة، ويشير القائمون على المطبخ إلى أنهم يضطرون إلى تقديم صنف واحد أو صنفين فقط من الطعام، ما يحول دون تحقيق التنوع الغذائي الذي يسعون إليه، ويجعل هدفهم يقتصر على سد الجوع بدلاً من تقديم وجبات غذائية متكاملة.
ليس مجرد مطبخ
يصف الشاب مجدي عبد النعيم، البالغ من العمر 24 عاماً، والذي فر من الخرطوم قبل عامين، رحلة معاناته من السودان إلى جنوب السودان. كان مجدي طالبًا في جامعة أم درمان الأهلية، ولكن بسبب الحرب، لم يتمكن من العودة إلى نيالا. عبر الحدود إلى جنوب السودان مع مجموعة من 10 أشخاص، واستغرقت رحلتهم 17 يومًا للوصول إلى ماينزي، ثم استقر في بيالي. يقول مجدي إن الوضع كان مقبولاً في البداية، ولكن بعد تسعة أشهر، عندما تم استبدال السلة الغذائية بالدعم النقدي، لم يعد المبلغ كافياً لتلبية احتياجاته الأساسية، خاصةً مع ارتفاع أسعار السلع. مع تأسيس المطابخ المجتمعية، تحسن الوضع نسبياً. يتطوع مجدي في هذه المطابخ، يقوم بجمع التبرعات العينية من اللاجئين الآخرين، حيث يتجول في المخيم لجمع الأرز والدقيق والملح وأي مواد غذائية أخرى متوفرة.
يؤكد محمد عبد الله عيسى، عضو لجنة الخدمات في المطبخ المركزي بمجمع جي، على أهمية المطابخ المجتمعية. يقول إن انضمامه إلى فريق المطبخ هو نوع من الامتنان والدعم لاستمرار عمل المطبخ. ويناشد المانحين والخيرين دعم المطابخ، حيث يعتمد الجميع على الوجبة الوحيدة التي تقدمها.
إن ما يقدمه المطبخ المركزي في يوغندا، رغم التحديات الكبيرة واعتماده على الجهود التطوعية والتبرعات، يتجاوز بكثير برامج المنظمات الإنسانية، فهو لا يقتصر على تقديم وجبات الطعام، بل يجعل الحياة في مجتمع اللاجئين محتملة، مؤكداً على معاني الإنسانية، ومعززاً لروح التكافل، وحافظًا للنسيج الاجتماعي السوداني. بدأ المطبخ كمبادرة عاجلة لحل مشكلة ملحة، ولكنه سرعان ما تحول إلى رمز لمرونة الناس وصمودهم، يُهوِّن الدرب للاجئين حتى يحين موعد العودة إلى سودان آمن ومستقر.



