عائشة الفلاتية: تزيدي عظمة ونزداد جلال
نجلاء عثمان التوم
في إحدى موجات شوقي لعائشة موسى أحمد إدريس المعروفة بعائشة الفلاتية، قصدت مكاتب الإذاعة السودانية ثم معهد الموسيقى والمسرح عام 2009، أبحث عن عائشة التي لا نعرف. في معهد الموسيقى والمسرح تشرفت بلقاء الأستاذ عادل حربي، الذي تربطه آصرة قربى بعائشة، فوالدته هي الفنانة عازفة العود الجداوية موسى شقيقة عائشة الصغرى. وصف لي عادل وقتها مشهداً حياً من طفولته الباكرة جالساً إلى خالته الحبيبة ملبياً: “اقرا لي دا، وبعدين دا”. كان يقرأ لها الأشعار والأغاني والصحف اليومية وهي مصغية وعليها سمت الجدية المتأملة. ثم وصف غرفتها كما يتذكرها، محتوياتها مرتبة بدقة، اسطوانات عشوش وساعاتها وأحذيتها وتيابها وصورها.
تستعصي عائشة الفلاتية على الحصر؛ فهي تتجدَّد في ذاكرة السودانيين مع تبدُّل أحوالهم يُسراً وعُسراً. الآن، والسودان يتمزَّق في اقتتال عنيف، تتخذ أغاني الفلاتية معانيَ جديدة، لم يكن لنا أن نخترعها إلا انزلاقاً في هاوية: “الدار الما داري أنا مالي بيه، والبلد الما بلدي أنا مالي بيه”، نسمعها مع أهلنا غرباء في ديار النزوح واللجوء، بل غرباء حتى داخل حيشانهم التي تحولت لمدافن تحت القصف.
من الحرب أعود لمشهد القراءة الغائم ذاك، حيث تجلس عائشة تصغي لصوت الصبي اليافع قارئ الصحف. كم أحجمنا عن قراءة عائشة في أحوالها المختلفة، لم نحدد موقع نجمها الزاهر في تاريخنا، وغابت سيرة حياتها عن التوثيق المنهجي، عدا النزر اليسير.
وُلدت عائشة موسى في مدينة كسلا. وحسب الباحث معاوية يس يصعب تحديد العام الذي وُلِدت فيه على الدقّة، وتوفّيت في أم درمان شهر فبراير 1974. ويعضّد الأستاذ عادل حربي الرأي أن الشائع حول ولادتها عام 1922 (غير دقيق). لقد نشأت الفلاتية في كنف أسرة يشملها التدين والعلم. وكان والدها الحاج موسى أحمد شيخاً قارئاً يُعلِّم الطلاب في خلوة. وذكر باحثون مختلفون أن عائشة كانت تتسلَّل إلى بيوت اللعبة تسترق السمع إلى أغاني ذلك الزمان، تحفظها بسرعة وتعود لتؤديها أمام صديقاتها. وفي إشارة حسَّاسة ذكرت الأستاذة خالدة الجنيد أن صديقات عائشة الصغيرات هنَّ جمهورها الأول([1]).
جاء في شرح معاوية يس أن والد الفلاتية ظلّ غاضباً من اندراج ابنته في عالم الغناء زمناً، إلى أن جاءه المنادي. تَذكُر الجداوية اللحظة السحرية التي سمعت فيها هي ووالدها، لأول مرة، صوت عائشة ينبعث من الأسطوانة، وكانوا في الحلاوين. ذاب الغضب عندما عاد الأب إلى أم درمان ووجد أن عائشته ذاع صيتها وملأت شهرتها الآفاق، فبارك مسعاها.
في حوارها مع رحمي سليمان، شهدت عائشة بوجهين من العسف وقَعَا عليها: النظم الاجتماعية تقيد حريتها، والدولة البطريركية تتنكر لها ولفنها ووقفتها مع بلدها وقت الشدة. وفي الوجه الأول تطلعنا أنها أُقحمت في زواج وهي في الحادية عشرة[2]. شقت عليها الحياة ما أن حالوا بينها وبيوت اللعبة، فعافت تلك القيود طلباً لنجاة صوتها وكأن عُمراً ما يخاطبها أن الزَمِي الجبل يا عائشة، الزَمِي الجبل. الوجه الثاني من العسف كان خروج عائشة من مهنتها بلا معاش أو حقوق، حتى أنها باعت ساعتها الجوفيال كما ورد في قصة كرتلة الإذاعة التي وثق لها دكتور عبد الله علي إبراهيم أخذاً عن دكتور محمد عبد الله الريح[3].
في 1936م، التقت موهبة الفلاتية مع موهبة الموسيقار العظيم إسماعيل عبد المعين في القاهرة، عند تسجيل الأسطوانات العشر الأولى، وكانت جميع أغانيها من ألحانه. وذكر لي الأستاذ معاوية يس في مقابلة خاصة، أن الأسطوانة الأولى ضاعت جميع أغانيها، واستدرك بعضاً منها الشاعر محمد عوض الكريم القرشي. من ضمن ما استدرك “خداري الما بَدَاري”، و”حبيتو ما حبَّاني”، و”الزهور والوردي” التي تغنَّى بها لاحقاً الفنان عثمان الشفيع، وهي من أغاني الفلاتية الباكرة في الأصل[4]. لا ريب أن عبد المعين كان لحظة كبيرة في زمن عائشة الفلاتية، حيث تعاون معها مرة أخرى عام 1941م، وأنتَجا معاً خمس أغانٍ إضافية. ربما وجد عبد المعين في عائشة رفيقة في إيقاظه لفنّ مُلتحمٍ بالثقافة يأخذ التراث المحفوظ في صدور النساء بجدية؛ فعبد المعين استقى العديد من أعماله من جلوسه تحت أقدام الأمهات والجارات.
حسب الباحث عوض بابكر، أخذ عبد المعين إيقاع السيرة عن السَيَّارَات شريفة بت بلال، ونَجَف، وقَطَّاعة الخشوم وبِت العَقَاب، كما أخذ عن رابحة خوجلي إيقاع الـ “تُم تُم” الذي أخذته رابحة عن مُساعِدي اللَّواري [5]. وتلقى عبد المعين عن زوجة أبيه، السيدة فاطمة فور حيث لقَّنته أهزوجة “يا أم قرقدي” في مقام الزنجران. وأخذ “كندروا مندروا” عن “أم الفقرا حبوبة زيتونة” التي جالسها وهو طفل في السابعة، بينما كانت تنسج الأطباق في منقلا بجنوب السودان[6]، طراه الله بالخير. وصادفتني عبارة شديدة الشبه بـ “كندروا” في أهزوجة قيل إنها شاعت في زمن التركية التي حولت تجارة الرق إلى مؤسسة اقتصادية غيّرت وجه الواقع الاقتصادي والاجتماعي في السودان. وفي ذكر تلك الأهزوجة، ورد أن المسترقات كن يخرجن إلى الشوارع ويرددن أغاني وُصفت بالخليعة تكيد للنساء “الأحرار ربات الخدور” قائلات:
كندروك كندروك ما بناخد العزبان
نعزل في التلوب رجالة النسوان
نطلع فوق قلوبهن ونوقد النيران
ونسقيهن مراير حنضل الجيزان[7].
نلمح عند عائشة وعبد المعين، في أعمالهما المشتركة الباكرة، طلاقةَ شعر النساء وحساسيته، وجاء معظمه في إيقاع الـ “تُم تُم”، كان ذلك الإنتاج الباكر طَلِيقاً مَرِحاً مشحوناً بالإشارات اليومية الواضحة المُستَترة، ويحتج بعاطفة غير معنية بتبرير نفسها أو موقفها من العالم. إنه صوتي أنا، متسرّباً من قبضة خيال شعراء النهضة. في تلك الفترة من العائشة، التي جاءت تأسيساتها من بيوت اللعبة وتوقيعات الجسد على السَبَاتة، اخترقتنا صور الأرض: “يا يمة مّنو وحيدي، شايلة الصغير فوق إيدي”، و”طير الصعيد جا جا بياكلني، عبّو لي زاد النسير مع القمري”، الصورة التي لا بدّ هاجرت من خيال الأحاجي. في هذه الأغاني تغيب مسارات السرد الخطي، وتنمحي التخوم بين الراوي وعناصر روايته، وتتحلل اللغة من الإبهار والسحر والبيان، وتتبقى خضرة داخلية تتحرك وفق منطق غير مرئي وغير محتجب، إنه موجود في تشابك الإيقاع والتنغيم مع عنصر آخر يوجد داخلنا نحن، نحن بوصفنا جزءاً مُمتداً نابعاً من أمومة سابقة منسية، وشهوداً على عصر الليمون، ويا حاج أنا!
عبد المعين له يد في هذه العذوبة، ويأتيها منقسم الوجدان طلباً لصوت يتماشى مع روح العصر وصعود تيار الوطنية بسمته الحداثوي. ينخرط عبد المعين في مارشات الوطنية حيناً، وفي أحيان ينفلت من مؤتمر الخريجين عائداً إلى “بي وين السكة يا أنت، يا الرحت طولت”، ثم يعرض للواقع الاجتماعي “كان زمان متروك، القطنو قام، نزلوهو السوق، يا جونقلي حاشا ما نسوك”، ثم يغني لجبال لادو والتاكا والرجاف، ويعرج متذكراً أهزوجة تلقّاها عن واحدة من جداته: “المهدي جا من دنقلا، قال الفتاة بي فد جنيه، والعزبة بالفاتحة”، ومنها يعود للصوت الرسمي في “صه يا كنار”. كلها أصواته، يعتنقها مُخلِصَاً صادقَ العهد. لكن، ثمة لحظة يغادرنا فيها عبد المعين بالكلية، ويستبدُّ مُفكّراً في حرية طفلة كانت له وغمرها النسيان، يحاولها، يُريد إيقاظها بصوت يقول:
أيام لقانا سوا،
لا ريش ولا جدلة،
لا ندري طعم الهوى،
ونمشي للقدلة،
أيام.
ظلان تحت النخيل،
نجري هنا وهناكا،
وحديثنا تحت الظلال،
في جبال التاكا،
أيام.
هذه المُراوحات متعددة الأصوات عند عبد المعين تصدر عن ذوات الفنان المتفجرة في الاتجاهات جميعها، وهي تسري على عائشة كذلك. فعائشة صوت المستقبل الحديث في “فتاة النيل”، والوقار في “دار الإذاعة”، وهي تجريبية في دويتو مع الفنان أحمد عبد الرازق في “أهلاً بهجة عمري”، وهي في الوقت ذاته ” قمرة جوة القطر”، و”يا بدر الكون أنا بيك مفتون” و”الخير يا عشاي بسألوك مننا”. غنَّت عائشة كل شيء، في إيقاعات وأشعار تتفاوض مع الحداثة من موقع المُرتَاب، فعائشة قلقة، وظلَّت تُراوح، مع الشاعر محمود التنقاري، بين تلك الطلاقة الباكرة وبين أشواق الطبقة الوسطى الجَنِينِيَّة الصاعدة.
دخلت عائشة في التاريخ الوطني بجولات فنية، دعمت فيها المجهود الحربي لقوات دفاع السودان في جبهة القتال الشرقية، المحاربة ضمن جيوش العرش البريطاني ضد المحور النازي في الحرب العالمية الثانية، مُرغماً أخاك وبَطل:
“كنت بغني طوالي كل يوم، في معسكرات كيلو خمسة، وكيلو ستة، وخشم القربة، وفي معسكرات الأمريكان في وادي سيدنا، ووصلت لغاية كرن في إثيوبيا”[8].
وغاب عن التأريخ المُنتصر في الحرب العالمية الثانية، الاعترافُ بتضحيات المستعمرات، إذ حاربت قوات هندية وسودانية وسنغالية ومغربية ونيجرية وغانية وكاريبية في صف فرنسا وبريطانيا:
“نعم، صمدت القوة السودانية (قوة دفاع السودان) أمام هجمات الطليان المتكررة من يوليو 1939 إلى أن وصلتها الإمدادات الإنجليزية الهندية من الشرق الأوسط، فانضمت المجموعة الأولى تحت قيادة الفيلق الرابع الهندي، كما انضمت المجموعة الثانية لقيادة الفيلق الخامس، فدخلا الحرب في ]ال[أريتريا في يوم 18 يناير 1941 في المقدمة وعلى رأس الرمح، وخاضا عدة معارك، نذكر منها على سبيل المثال معركة كرن، وقد كانت المعركة الفاصلة في ميدان شرق أفريقيا”[9].
لكن نزراً يسيراً من هذا التاريخ المُضام ظلَّ محفوظاً في أغاني عائشة الفلاتية، فهي دعت للجنود السودانيين بسلامة العودة وسمَّت هتلر وموسليني “ريالاً برَّانياً” أي عملة مُنتهية الصلاحية، ولم تقم للرجلين بعدها قائمة.
من لحظات الفلاتية الفارقة أيضاً دخولها في مفاوضات الوطنية السودانية وتربية الوجدان المشترك، عبر أغانيها التي استأنَس بها السودانيون في معظم نواحي السودان، تأتيهم من إذاعة أم درمان. في تلك الأغاني التي دخلت الحيشان، وتسلَّلت إلى أرواح الناس بالتزامن، تحقَّق جزء من ملامح ذلك الفضاء السحري الضروري للتوسّط في عملية تَخيُّل الأمة كياناً واحداً، وهي عملية عسيرة وعنيفة بطبيعة الحال.
قال بنديكت أندرسون، إن خيال الأمة وجد إمكانه في تزامنية المعرفة عندما تمكَّنت الشعوب الأوربية من قراءة الصحف اليومية في توقيت واحد، بانتظام. بمرور الوقت توطدت معرفة المجتمعات بعضها ببعض وبمحيطها، وسمح ذلك بتشكل لغة وقواميس مشتركة جرَّاء ذلك الطقس الجماعي شبه الروحي الذي أتاحته تقنية الطباعة وفراغ ناتج عن تراجع الكنيسة وتأثيرها الديني. وباعتبار اختلاف سياقات عنف دولة ما بعد الاستعمار، التي تشكلت بعنف التوسع الإمبريالي وهمجيته التكنولوجية العسكرية- ليس بالجريدة بل بالمكسيم- نجد أن تجربة الاستعمار فرضت على الشعوب المُستعمَرة تخيّلَ نفسها آخرَ نقيضاً للدخيل الغازي، وتشكل خيال وحدتها من ضرورة مناهضة هذا العدو المشترك. بهذا المعنى تكون مقاومة الاستعمار هي أم كتاب الأمة في جنوب العالم الذي استعصم بمعتقداته الروحية وخصوصياته الثقافية بوصف ذلك شكلاً من أشكال مقاومة الاستعمار. ضمن هذا الإطار، يمكن القول إن الإذاعة السودانية كانت فرصة لتشكل وخلق المشتركات بين السودانيين، إلا أن المشروعات السياسية للنخبة وريثة الاستعمار خربت ذلك الإمكان.
تخيلت عائشة الفلاتية هذه الأمة وسعت في أمرها وغنت لها من دار الإذاعة تدخل عليهم في العصريات وتأخذهم إلى أشياء يعرفونها لأنهم اخترعوها. وَرَدَ أن عائشة أخذت عن رجل يُدعى حسن جبر الدار أغنية “سمسم القضارف”، وكانت استمعت إليها منه في سماية في أم درمان، ومن دار تلك السماية المجهولة التأم شملنا حول القضارف. ثم راح حمار كلتوم في هجوم الطليان، وعادت فرقة المهندسين من معركة كرن منتصرة، والبريدو غزال حكمت، وهكذا.
ما أعظم سَهم الفلاتية في اختراع الوجدان السوداني! على خلاف قسم من طبقة الأفندية انشغلوا بإدانة ثقافتهم، مُوبِّخين أهلهم على عادات وتقاليد سمّوها رجعية، اصطفَّت الفلاتية مع الناس ومع الثقافة، وفاوضت مظالمها بالفن والإرادة الصلبة. واصطف قبلها قبيلٌ من الشعراء تَعيَّنَ عليهم تخيّلُ السودان وطناً واختراعه قبل تخليده في الأغاني والأشعار، وفيهم خليل فرح (1894-1932) وإبراهيم العبادي (1894-1981). وخليل فرح قاد بالشعر عمليات الترميز العالية التي تُحوِّل المكان إلى وطن، و”الأهالي” إلى شعب، وخرقة القماش إلى راية تبتهل لها الأنظار. وكبرى عمليات الترميز الخليلية، وقعت عندما حُوِّلَ اسم العازة إلى فضاء ولادات متصلة اعتماداً على العلاقة المتوترة بين عبء الرغبة في التحرر من الاستعمار بوصفه الطريق الوحيد لإعادة تشكل الذاتية الجماعية، وعبء الرعب من تلك الحرية: تعظيم محبوبي هدية، فما أقسى تبعاتها! لكنها اللبنة أشيد بها صرح ذاتيتي، تعظيم محبوبي يزيدني جلالاً، فأربو ويقوى عودي وأستقيم وأتّسع بتحملي تلك المسوؤلية:
عازة في الفؤاد سحرك حلال
ونار هواك شفا وتيهك دلال
ودمعي في هواك حلو كالزلال
تزيدي كل يوم عظمة ازداد جلال
وقالت عائشة في معنى الزكاة هذا: “حبك يزداد أنا ديمة أزيد شوقاً للقاك يا هلال العيد”، وهي كلمة في البركة والنماء. وتظهر تناقضات الواقع الاجتماعي في أغاني عائشة في شكل عبارات منفلتة منزوعة السلاح لكنها حادة. ومن ذلك ذكر طبقة الجلابة في “الدار الما داري”، وهي أغنية يخترمها الغموض وسحرية الأحاجي. فالصوت الذي يُخاطبنا يعرف نفسه بالغربة وإشارات الرحيل: “هي الدار الما داري أنا مالي بيه والبلد الما ما بلدي وأنا مالي بيه”. فمن تكونين يا غريبة الديار؟ “طير الصعيد جا، جا بياكلني! عبوا لي زاد النسير مع القمري، أنا عبوا لي زاد”. ثم ندهت “يا يمة يا إيَّا، الجمال شالت ماشة البديرية”. و”إيَّا” ربما تكون إشارة بعيدة للقب الأمومي الملكي “إيا باسي Iya Bassi”، وهو لقب شقيقة سلطان دارفور. كانت الميرم تاجا آخر إيا باسي في سلسلة الشقيقات الملوكيات في السلطنة التي انتهت على يد الاستعمار البريطاني المصري، بمُعاونة المليشيات والمجموعات الحانقة على سلطنة الفور. وأشارت كارولين لوبان إلى أن الإيا باسي تحوز على نفوذ سلطاني يضعها في المرتبة الثانية بعد شقيقها السلطان:
“في دارفور، ساد نمط الحكم المشترك بين الأخ والأخت المأخوذ من ممالك غرب أفريقيا في العصور الوسطى، مع وجود خط طويل من السلاطين وشقيقاتهم على سدة الحكم اشتراكاً. كان لقب الأخت الحاكمة هو “إيا باسي”، وبعد شقيقها، كانت تعلو جميع المسؤولين الذكور الآخرين وجميع النساء”[10].
فهل كانت الأم السلطانة حاضرة في دعاء تلك الغريبة التي ترقب جمال البديرية وتطلب الزاد لتسير مع الطير القمري، ولكن إلى أين؟
آخر القول، لم تُنصِف الحركة النسائية السودانية عائشة الفلاتية، ولم تُحوِّلها إلى رمز نسوي ما زلنا في أمس الحاجة إليه. والفلاتية حقَّقت أحلام الحركة وكانت في علم الغيب. فمنذ منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين ظلت عشوش تتحقق في إمكانها المتسع، تتحقق في فنها وصوتها هدية من الله وعطاء منها بلا حدود. تحملت عائشة مسؤولية إمكانها، دفعت تكاليفه بالمليم، وعاشت فنها على خشبة المسرح إلى أن أخذ سيد الأمانة أمانته. ظلت لعقود خمسة تصدح عظيمة الشأن يهاب جانبها جهابذة الفنانين، بدراً منيراً في حقل الغناء الرسمي حيث يندر وجود النساء. ظلَّت عائشة تتجول بين مدن السودان تُحيي الحفلات العامة، تُشارك في الرحلات الفنية والمناسبات الوطنية، وتُمثل السودان في الخارج نيابةً عن الشعب الذي لطالما أسعدته. كما شاركت في تأسيس رابطة الفنانين السودانيين وهي كيان يحمي مصالح الفنانين ويتفاوض في حماية أجورهم وحقوقهم المادية والمعنوية حاله حال النقابة. كانت الفلاتية ملء السمع والبصر في الفضاء العام، ناسجة وجدان وصانعة تاريخ، فكيف أغفلتها الحركة؟
المصادر
[1] من مقابلة تلفزيونية مع أستاذة خالدة الجنيد مضمنة في برنامج توثيقي حول الفنانة عائشة الفلاتية، قناة النيل الأزرق: https://www.youtube.com/watch?v=ouiIC8UjsiM
[2] حوار الفنانة عائشة الفلاتية مع الصحفي رحمي سليمان https://www.alrakoba.net/37034/%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B4%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9/
[3] ذكر قصة ساعة الجوفيال
[4] مقابلة خاصة مع الأستاذ معاوية يس
[5] من مقابلة تلفزيونية مع الأستاذ عوض بابكر مضمنة في برنامج توثيقي حول إسماعيل عبد المعين، تلفزيون السودان، https://www.youtube.com/watch?v=yqLHp2mqhLA&t=2123s
[6] مقابلة تلفزيونية مع الفنان إسماعيل عبد المعين مضمنة في برنامج توثيقي حول تجربته الفنية، تلفزيون السودان، https://www.youtube.com/watch?v=yqLHp2mqhLA&t=2123s
[7] ربما أثرت لهجة الكاتب المصرية على طريقة كتابة مفردة “قيزان”، ووردت الأهزوجة في كتاب (في شان الله: أو تاريخ السودان كما يرويه أهله) لمحمد أحمد الجابري، ص 69
[9] تاريخ قوة دفاع السودان، للعميد عبدالرحمن الفكي، ص 55
[10] Chapter 4: The Sudanese Family: Past Relefctions and Contempoary Realities, by Carolyn Fluehr-Lobban, in ” African Families at the Turn of the 21st Century” edited by Yaw Oheneba-Sakyi,
Baffour K. Takyi



