تفكك العمل والنقابة: أوضاع العاملات في ظل الحرب

تفكك العمل والنقابة: أوضاع العاملات في ظل الحرب

سارا حاج

 

يعاني واقع العمال والتنظيم النقابي في السودان تدهوراً مريعاً بدأت آثاره تظهر قبل حرب أبريل بسنوات، وذلك بسبب التدخل السياسي الذي حول النقابات إلى أدوات للسلطة، وافرغها من دورها الحقيقي في الدفاع عن حقوق العاملات/ين ومطالبهم. وقد أثر هذا الغياب للتنظيم النقابي الفاعل على العمال، وبشكل بالغ وخاص على النساء العاملات، اللواتي يواجهن تمييزاً صارخاً في الأجور، وشروط الخدمة، والترقيات، وبيئة العمل، إضافةً إلى غياب الحماية من العنف والاستغلال.

أدت هذه الفراغات النقابية إلى إضعاف العمل المدني الديمقراطي، وترك العاملين والعاملات في مواجهة فردية مع عنف الدولة، ما أثر سلباً على ظروفهم المعيشية، وحرمهم من حقوق أساسية كالتأمين الصحي، وجعلهم عرضة للفصل التعسفي واللوائح المجحفة التي تكرس الامتيازات لفئات محددة، الوضع الذي يؤكد على الأهمية القصوى لعودة النقابات الحقيقية والمستقلة لضمان العدالة الاجتماعية وحماية حقوق العمال. وفي هذا المقال نتناول أوضاع العاملين بالتركيز على أوضاع النساء العاملات مُسلطين الضوء على ظروفهن الاقتصادية والتحولات التي اعترتها أثناء الحرب ومصير مستقبلهن المهني ما بعد الحرب، في ظل غياب التنظيم النقابي.

قبل الحرب كانت أوضاع العاملات/ين دون المستوى المطلوب، إذ كانوا يعانون من ضعف الأجور وانهيار الاقتصاد الكلي، بالرغم من زيادة الأجور والرواتب التي تمت مرتين خلال الفترة الانتقالية من 2020 إلى 2022 ويُعزى عدم التحسن بسبب انتهاج سياسة تعويم العملة، وارتفاع نسبة التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه. وبحسب التقارير، فإن هذه الزيادة لم تغطِ احتياجات العاملين لعدم توفر الموارد الكافية لوزارة المالية، وارتهانها لحلول اقتصادية تعتمد على الدعم الخارجي، دون اعتماد سياسات تضمن إنعاش الموارد الداخلية واستنهاض مشاريع تنموية، لتكون نتيجة هذه السياسات أثاراً عميقة على العاملات والعمال، فاقمت من كاهل الضائقة المعيشية التي يرزحون تحتها، حيث اضطر الكثيرين للعمل بأكثر من دوام لتغطية تكاليف المعيشة اليومية، ما نتج عنه حالات غياب متكرر في بعض المؤسسات، أو مرض متكرر بسبب الإرهاق الجسدي. وقد أثر ذلك على تقارير الأداء التي حرمت البعض من بعض الامتيازات كالتدريب والترقي.

حرب وفقر وعاملات وعمال دون حماية

قبل الحرب، لم تكن النقابات فاعلة في أماكن العمل المختلفة نتيجة التحديات المختلفة التي تواجهها، لذا وقع على الطبقة العاملة الفاقدة للحماية عنف الدولة الاقتصادي. غابت النقابة إما بسبب تجميد النقابات، أو لأن الموجودة منها صورية، تعمل لصالح السلطة. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء بلغت نسبة التضخم 77.4% لشهر أكتوبر بينما كانت قد وصلت لنسبة 83.4% في سبتمبر من هذا العام، كما ارتفعت أسعار الخبز والكهرباء وبعض الاحتياجات الأساسية لمعاش الناس. وتعرضت عضوية بعض النقابات للفصل التعسفي والنقل والتهديد، وأثر ذلك على النساء الفاعلات في العمل النقابي نتيجة لما جابهنه من تحديات اجتماعية متعلقة بالأسرة والمجتمع وبيئة العمل التي لا تُقدر مشاركة النساء وأهميتهن في العمل النقابي. لتفقد بالتالي الطبقة العاملة وحدتها وحريتها في قيام تنظيماتها بشكل ديمقراطي. فواقع الطبقة العاملة كان مُفقراً في القطاع المنظم، وأكثر سوءاً في القطاع غير المنظم، لأن الدولة لم تعتمد سياسات من شأنها تحسين بيئة وشروط العمل.

ثم جاءت الحرب في ظل تلك العوائق والتحديات لتتسبب في فقدان غالبية العاملات والعمال وظائفهم، ليرزحوا تحت فاقة النزوح والتشرد، داخل السودان وخارجه، وكان نصيب الأغلبية منهم النزوح للولايات الآمنة نسبياً، إما في بيوت الأقارب، أو مراكز الإيواء. كما لجأ بعضهم للمؤسسات في تلك الولايات ليتم إدماجهم داخلها، بيد أن مؤسسات الولايات تعمل بطاقة محددة للكادر البشري، ما جعل من الصعب عليها استيعاب هذا الكم من العاملات/ين. بالإضافة لغياب خطط وسياسات واضحة للجهات المعنية ممثلة في وزارة المالية الاتحادية وديوان شؤون العاملين ووزارة العمل والإصلاح الإداري.

رواتب ضعيفة لا وجود لها

بعد مرور أشهر من بداية الحرب كان قد تقرر صرف نسبة من الراتب بلغت ٦٠% بحسب قرار صادر من وزارة المالية، لكن تأخير وتقليص الرواتب كان قد فاقم من أوضاع العاملات/ين نسبة للتضخم. أضف لذلك أن هذه الـ ٦٠% تعادل بالنسبة لعامل في الدرجة الوظيفية مابين الرابعة عشر والسابعة عشر حوالى تقريبا ٣٠ إلى ٤٠ ألف جنيه شهريًا فقط.

كما ضاعفت بيروقراطية الدولة مُمثَلة في مؤسساتها من أوضاع العاملات/ين، إذ يتطلب صرف هذا الراتب، الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع، بعض الإجراءات؛ كعمل توكيل قانوني قيمته خمسون ألفاً وقد تزيد، وهو مبلغ يتجاوز قيمة الراتب نفسه. ليشير هذا التوكيل القانوني إلى عدم مراعاة المؤسسات أو عماها عن هذه السياقات المختلفة التي يتواجد بها العاملات/ين. كما حُرم العاملين، طيلة فترة الحرب، من الامتيازات المقررة، كالحوافز، والترقيات، والبدلات (بدل السكن بدل غلاء المعيشة، ..) ، والتدريب، وغيرها من الحقوق. لم يكن هذا التعسف حصرا على مؤسسات الدولة، بل عمدت بعض مؤسسات القطاع الخاص إلى إنهاء خدمة عامليها، حيث أنهت شركة أراك المحدودة خدمة منسوبيها، كما خَيّر بنك الخرطوم موظفيه بفروع ولاية الخرطوم والفروع التي لا تعمل بالولايات بإجازة بدون مرتب لمدة سنة كاملة، أو الاستقالة مع دفع رواتب ستة أشهر.

مسلسل المعاناة الذي لا ينتهي

في ولاية البحر الأحمر قام العمال/ات بالخدمة المدنية بتنظيم وقفة احتجاجية لعدم دفع رواتبهم لمدة ثلاثة أشهر، كما شهد كل من ميناء سواكن وميناء بورتسودان إضرابات عمالية عديدة بسبب عدم دفع استحقاقات العاملين. ونقلًا عن الصحفية عازة إيرا، قام مصرف الادخار والتنمية الاجتماعية في يناير من هذا العام بإيقاف مزايا البدلات، والمزايا السنوية، والدعم الاجتماعي وبند العلاج بنسبة ٧١% من منسوبيه. أما العاملين في القطاعات الخاصة كالتعليم مثلًا، فلم تُصرف رواتب الغالبية منهم. بالإضافة إلى ذلك، توقفت خدمة التأمين الصحي، ليزيد توقف هذه الخدمة مع قرارات الإيقاف التي طالت الكثير من العاملين من تحمل معاناة الارتفاع الضخم لتكاليف العلاج.

ويتواصل مسلسل هذه المعاناة بعد تغيير العملة وظهور أزمة السيولة، إذ حدد بنك السودان المركزي قيمة السحب اليومي التي تختلف من بنك لآخر لكنها تظل تتراوح ما بين ٢٠ إلى ٥٠ ألفاً فقط. مما أثر على العاملات/ين، خاصةً أن الرواتب بالأساس ضعيفة. وقد عرّض هذا الاجراء بعض العاملات/ين للأذى البدني من قبل قوات نظامية، ففي ولاية القضارف تم ضرب معلم بسبب احتجاجه على هذه الإجراءات البنكية والوقوف لساعات طويلة نظير مبلغ زهيد. كما تعرضت سيدة لحالة إغماء خلال انتظارها الطويل، وتأثرت بعض النساء الحوامل.

ويعيش البعض كما ذكرنا في مناطق بها تحديات مختلفة، كانقطاع شبكة الاتصالات وعدم الوصولية للمصارف. ما زاد من سوء أوضاع النساء، فاتجهت الكثيرات منهن للأعمال الصغيرة كبيع الأطعمة والمعجنات، وصناعة العطور والصابون، وبيع الشاي، ومراكز التجميل… إلخ. بيد أن الدولة كانت حاضرة بأدواتها، فلم تسلم أعمالهن من الكشات والملاحقات، ولم تراع أوضاعهن الاقتصادية الهشة، بل عززت ذلك بقانون الطوارئ الذي حد من حركتهن، ولما كانت أغلبية أعمالهن تزدهر في المساء، أضحت ساعات عملهن لا تغطي احتياجات الأسرة، بعد أن أصبحت العديد منهن معيلات رئيسيات لأسرهن.

فضلت بعض العاملات الاتجاه للمشاريع الزراعية والعمل بها في بعض الولايات التي نزحن إليها، لكن في ظل انعدام حماية من الدولة وغياب النقابة أصبحن أكثر عرضة للعنف بكل أشكاله داخل الأسواق وأماكن العمل الأخرى. وقد أثرت هذه الأوضاع على صحة العاملات، فعانت بعضهن من اضطرابات الدورة الشهرية والالتهابات المتكررة. كما تسببت عمالة النساء في فترة الحرب لظهور عمالة أطفال، فأصبحت بعض الأمهات يُسوقن منتجاتهن في الأسواق عبر طفلاتهن وأطفالهن. كما تزايدت حالات العنف الأسري داخل المجتمعات في مراكز الإيواء أو المجتمعات المستضيفة وحالات الطلاق.

الطبقة العاملة بين رحى طرفي الصراع

أضافت الحرب الدائرة اليوم عبئاً جديداً على الطبقة العاملة إذ عملت الحرب على تقسيمهُما وفق منهجية الاستقطاب بين طرفي الصراع، حيث أصبح بعضهم داعماً للجيش، وحمل البعض الآخر السلاح، أما غير الداعمين للحرب فقد تم اتهامهم بالولاء للدعم السريع. في يناير من هذا العام، وجه نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار وزير العمل والإصلاح الإداري بمراجعة صرف مرتبات الموظفين بالدولة وإيقاف مرتبات المتعاونين مع الدعم السريع، في إشارة واضحة لهذه المنهجية وثنائية الاستقطاب، حيث أصبح رفض الحرب جريمة وتهمتها  ”التعاون“، مما قلل الثقة داخل مجتمعات العاملين، وزاد من الانقسامات على أساس مناطقي وسياسي. وفي ذات السياق الاستقطابي والسياسي وجه مسؤول الاستنفار بمحلية حلفا الجديدة بفتح معسكرات داخل المحلية ووجه العاملين لضرورة التسجيل، ومن لم يستجب سيعرض نفسه للمساءلة. كما قام اتحاد العمال الموالي للنظام السابق بمخاطبة وزير المالية والقوى العاملة بولاية نهر النيل حاثاً إياه على استقطاع مبلغ قدره ٢٠ ألفًا من مرتبات العاملين دعماً للقوات المسلحة، دون مشاورتهم حتى. إضافة لذلك، تعرض بعض العاملين للاعتقالات التعسفية والاستجواب والتهديد من قبل أطراف الصراع، كما أن هناك العديد منهم مفقودين إلى الآن، وتعرض البعض الآخر؛ خاصة العاملين في مجال تأمين المنشآت مِمَن لهم علاقة بالأجهزة النظامية، للتعذيب على يد قوات الدعم السريع. ولم تكتفِ دولة العنف بكل ذلك، بل دعمته بقوانين كقانون الطوارئ ومواد تُخول الانتهاكات والاعتقالات والترهيب وسط حالة من العسكرة المتزايدة.

وفي ظل هذا الجو المشحون بالكراهية والذي ترفرف فوقه رايات الحرب تضررت النساء العاملات في القطاعات المهمشة، وتم اتهامهن بالتخابر مع قوات الدعم السريع، وتجري الآن حملات داخل ولاية الخرطوم تطالب بمنع عملهن، بل تم في بعض الأحياء حرق أماكن عمل بائعات الشاي والأطعمة. ونجد كما سبق وأشرنا أن الكثير من النساء العاملات في القطاع المنظم تحولن في فترة الحرب للعمل كبائعات للشاي والأطعمة، وفي الصالونات النسائية وكعاملات داخل المنازل، وتفتقر هذه المهن للحماية من الدولة، ولغياب التنظيم النقابي، مما يعرضهن لكثير من الانتهاكات كالتحرش والاستغلال… إلخ، الشيء الذي أثر عليهن جسدياً ونفسياً.

كيف يمكن للعاملات والعمال أن ينظرن/وا للمستقبل

تاريخياً، شكلت الطبقة العاملة حجر الزاوية في إحداث التغيير المجتمعي، إذ ساهمت النقابات العمالية بشكل فعال في إنهاء الأنظمة الشمولية السابقة واستعادة الديمقراطية، وذلك لطبيعتها كمنظمات مدنية ديمقراطية ونتيجة لفاعليتها هذه وديمقراطيتها، سعت الحكومات المتعاقبة إلى إضعافها من خلال التدخل في شؤونها، سواء بالتفكيك أو الحل أو التجميد. ومع ذلك، تواصل الطبقة العاملة نضالها الدائم عبر ابتكار آليات مقاومة متجددة. لذا، من الضروري تحسين هذه الآليات وتكييفها مع السياقات المختلفة وقدرات العاملات/ين، مع الأخذ في الاعتبار دراسة أوضاعهن/م والتغيرات التي طرأت على تركيبة القوى العاملة بعد الحرب، بهدف إعادة النظر في القوانين واللوائح المنظمة للعمل، لا سيما تلك المتعلقة بقضايا النساء في العمل وشروطه التي قد تفرض نمطية معينة أو تحمل تمييزاً ضدهن. وهنا تبرز أهمية دمج وتعزيز آليات الحماية ضمن الأنظمة الأساسية للنقابات وضمان مشاركة النساء فيها، لزيادة وعي العاملات وقدرتهن على الدفاع عن حقوقهن وإنهاء أشكال العنف في بيئات العمل المختلفة. مع العلم أن هنالك الكثير من العاملات في ولايات السودان المختلفة يعملن في مهن شاقة كدق الطوب والبناء والزراعة، بأجور زهيدة تقل عن أجور العمال الرجال. وتواجه النساء في هذه المهن وغيرها تحديات جمة دون وجود حماية كافية لهن. لذا، لا بد من بناء وعي مشترك وتعزيز القدرات حول أهمية التنظيم بأي شكل تختاره العاملات والعمال، بصورة تضمن مؤسسية الممارسة وديمقراطيتها. وفي سياق قومي، من المهم إشراك العاملات والعمال في قضايا السلام ورؤاهن/م حول معالجة الأزمة السودانية والمساهمة في استدامة السلام. ولن يتأتى ذلك إلا إذا حافظت الطبقة العاملة على استقلاليتها، بعيداً عن أي استقطاب من جهات سياسية أو عسكرية.

سارا حاج
المقالات +

عاملة، نسوية ومهتمة بقضايا العاملات في القطاعات المختلفة، عضوة تجمع تصحيح واستعادة النقابات العمالية